لمْ يتوقف الحديثُ عن إعجاز القرآن الكريم لحظةً واحدة منذ أنْ طرقَ العالَمَ هذا النبأُ العظيم، وقد انشغلَ العلماءُ - بمختلف تخصصاتهم - بالبحث والكشف والتنقيب عن أوجه الإعجاز في هذا البيان الإلهي العجيب، وقبل أن ينتهوا من الحديث عن وجهٍ من وجوه إعجازه؛ تُفاجئهم وجوهٌ إعجازية أخرى... فسبحان مَن هذا كلامه وهذا بيانه! 

وفي هذا المقال، نتوقف عند الإعجاز في «القراءات القرآنية».

(عِلْم القراءات) هو عِلْم يُعرف بهِ كيفية النطْق بالكلمات القرآنية، وطريقة أدائها اتفاقاً واختلافاً، مع عَزْو كل وجه لناقلهِ. ومردُّ ظهور هذا العِلْم إلى أنَّ «القرآن الكريم أُنزلَ على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسَّر منه»، كما جاء في الحديث النبوي الشريف الذي رواه البخاري.

وقد أجمع العلماءُ على أنَّ القراءات الصحيحة عشر، وهي التي تستجيب للشروط الثلاثة التالية: موافقة وجه صحيح من وجوه اللغة العربية، وموافقة قراءة رسم مصحف عثمان، ووصولها إلينا بنقلٍ متواتَر أوْ بسندٍ صحيحٍ مشهور.

وأصحاب هذه القراءات والرواة الذين نقلوا عنهم، هم: (نافع المدني) وأشهر مَن روى عنه: ورش، وقالون، و (ابن كثير المكي) وأشهر مَن روى عنه البزي، وقنبل. و (أبو عمرو البصري): وأشهر مَن روى عنه الدُّوري والسوسي، و (ابن عامر الشامي) وأشهر مَن روى عنه هشام وابن ذكوان، و (عاصم الكوفي) وأشهر من روى عنه شُعبة وحفص، و (حمزة الكوفي) وأشهر من روى عنه خلف وخلاد، و (الكسائي) وأشهر من روى عنه أبو الحارث وحفص الدوري، و (أبو جعفر المدني) وأشهر مَن روى عنه عيسى بن وردان وابن جماز، و (يعقوب الحضرمي) وأشهر مَن روى عنه رويس وروح، و (خلف بن هشام البزار البغدادي) وأشهر مَن روى عنه إسحاق بن إبراهيم، وإدريس بن عبد الكريم[1].

وقد ذهب كثيرون إلى أنَّ أبا عبيْد القاسم بن سلاَّم الهروي (ت 224هـ) أول مَن ألَّف في القراءات القرآنية. وقد ذهب بعضهم إلى أنه أبو حاتم السجستاني (ت 225هـ) ونَسَبَ ذلك آخَرون إلى يحيى بن يعمر (ت 129هـ).

وأبرز مَن ألَّف في القراءات قديماً بعد هؤلاء: أبو بكر محمد بن موسى بن مجاهد (ت 324هـ)، وأبو عمرو الداني (ت 444هـ).

 أما في العصر الحديث: فإن القراءات المعتمدة تتوزع على النحو التالي: رواية حفص عن عاصم في أكثر بلدان المشرق العربي. ورواية الدوري عن أبي عمرو في السودان والصومال وجنوب اليمن. ورواية قالون في تونس وليبيا وبعض جهات الجزائر. ورواية ورش في المغرب وموريتانيا ومعظم البلدان الإفريقية. وأمَّا التأليف فيها فقد ازدهر داخل الجامعات وخارجها.

هذا، وقد نشـــأت (القراءات) في زمن نزول القرآن الكريم نفسه، إذْ نزلت هكذا مِن عند الله، فلم تكن من اجتهاد أحد، بلْ هيَ وحيٌ أوحاه الله تعالى إلى نبيِّه صلى الله عليه وسلم ، وقد نقلها عنه أصحابه الكرام رضيَ الله عنهم حتى وصلت إلى الأئمة القُرَّاء، فوضعوا أصولها، وقعَّدوا قواعدها، في ضوء ما وصل إليهم، منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم . وعلى ذلك؛ فالمُعوَّل عليه في القراءات، إنما هو التلقي بطريق التواتر، أوْ التلقي عن طريق نقل الثقة عن الثقة وصولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

وانطلاقاً مِن ذلك، وبناءً عليه: فإنَّ إضافة هذه القراءات إلى أفراد معينين، هم القُرَّاء الذين قرؤوا بها، ليس لأنهم هم الذين أنشؤوها أو اجتهدوا في تأليفها، بلْ هم حلقة في سلسلة من الرجال الثقات الذين رووا هذه الروايات ونقلوها عن أسلافهم، انتهاءً بالنبي صلى الله عليه وسلم ، الذي تلقى هذه القراءات وحياً عن ربِّه سبحانه. وإنما نُسِبَتْ القراءات إلى القرَّاء؛ لأنهم هم الذين اعتنوا بها وضبطوها، ووضعوا لها القواعد والأصول.

أمَّا عن سبب اختلاف القراءات؟ فقد لَمَسَ الصحابةُ هذا الأمر وعايشوه بأنفسهم وقت نزول القرآن؛ ذلك أنَّ الصحابة رضوان اللهِ عليهم كانوا من قبائل عديدة، وأماكن مختلفة، وكما هو معروف أنه كما تختلف العادات والطباع باختلاف البيئات، فهكذا اللغة أيضاً، إذْ تنفرِد كل بيئة ببعض الألفاظ التي قد لا تتوارد على لهجات بيئات أخرى، مع أنَّ هذه البيئات جميعها تنضوي داخل إطار لغةٍ واحدة، فالصحابة عرب خُلَّص، بيْد أنَّ اختلاف قبائلهم ومواطنهم أدى إلى انفراد كل قبيلةٍ ببعض الألفاظ التي قد لا تعرفها القبائل الأخـرى مع أنَّ الجميع عرب، والقـرآن الكريم جاء يخاطب الجميع، لذلك راعى القرآن هذا الأمر، فجاءت قراءاته المتعددة موائمة لمجموع مَن يتلقَّون القرآن، فالتيسير على الأمة، والتهوين عليها هو السبب في تعدُّد القراءات.

والأحاديث النبـوية المتـواترة الواردة حول نزول القرآن على سبعة أحرف تدل على ذلك: فقد جاء في الصحيحيْن عن ابن عباس، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «أقرأني جبريلُ على حرفٍ فراجعته، فلمْ أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف». وروى مُسلِم عن أُبيِّ بن كعب، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم  كان عند أَضَاة بني غِفَار، قال: «فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إنَّ الله يأمرك أن تَقرأ أُمتُكَ القرآن على حرف، فقال: أسأل اللهَ معافاته ومغفرته، فأُمَّتي لا تطيق ذلك، ثمَّ أتاه الثانية، فقال: إنَّ الله يأمرك أن تَقرأ أُمَّتك القرآن على حرفيْن، فقال: أسأل اللهَ معافاته ومغفرته، فأُمَّتي لا تطيق ذلك، ثمَّ جاء الثالثة فقال: إنَّ الله يأمرك أن تقرأ أُمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل اللهَ معافاته ومغفرته، فأُمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إنَّ الله يأمرك أن تقرأ أُمتك القرآن على سبعة أحرف. فأيما حرفٍ قرؤوا عليه فقد أصابوا».

ويُفهَم مِن ذلك: أنَّ الأحرف السبعة جميعها قرآن نزل من عند الله، لا مجال للاجتهاد فيها، وأنَّ السبب في هذه التوسعة هو التهوين على الأمة، والتيسير عليها في قراءة القرآن.

المراد بالأحرف السبعة: هناك أقوال عديدة ساقها العلماء حول مفهوم الأحرف السبعة، التي تواترت الأحاديث في إثبات أنَّ القـرآنَ نزل عليها، أهمها ما ذكره أبو الفضل الرازي، وابن قتيبة، وابن الجزري. وهو ليس ببعيد عمَّا ذهب إليه سفيان بن عُيَيْنة، وابن جرير، وابن وهب، والقرطبي، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء؛ خلاصته: أنَّ الأحرف السبعة هي سبعة أوجه لا يخرج عنها الاختلاف في القراءات، وهي:

اختلاف الأسماء من إفراد، وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث.

اختلاف تصريف الأفعال من ماض، ومضارع، وأمر.

اختلاف وجوه الإعراب.

الاختلاف بالنقص والزيادة.

الاختلاف بالتقديم والتأخير.

الاختلاف بالإبدال.

اختلاف اللهجات: كالفتح، والإمالة، والتفخيم، والترقيق، والإظهار والإدغام.

أقسام القراءات: نقل السيوطي عن (ابن الجرزي) أنَّ أنواع القراءات ستة[2]:

الأول: (المتواتر) وهو ما نقله جمع عدول، عن مثلهم إلى منتهاه، حتى يبلغوا به النبي، ومثاله ما اتفقت الطرق على نقله عن السبعة (أو غيرهم) وهذا هو الغالب في القراءات.

الثاني: (المشهور) وهـو ما صحَّ سنده بأنْ رواه العدول، ووافق العربية ولوْ بوجه، ووافق رسم المصحف العثماني، واشتهر عند القرَّاء فلم يعدُّوه من الغلط ولا من الشذوذ، إلاَّ أنه لم يبلغ درجة المتواتر. ومثاله ما اختلفت الطرق في نقله عن السبعة، فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض.

وهذان النوعان: هما اللذان يقرأ بهما، مع وجوب اعتقادهما ولا يجوز إنكار شيء منهما.

الثالث: ما صحَّ سنده، وخالف الرسم أو العربية، أوْ لم يشتهِر الاشتهار المذكور، وهذا النوع لا يُقرأ به ولا يجب اعتقاده، ومثاله قراءة {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} [الرحمن: 76]، وقراءة {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128] بفتح الفاء.

{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِـمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس: 92].

الرابع: الشاذ، وهو ما لمْ يصح سنده، كقراءة ابن السَّميفع {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} بالحاء المهملة {لِتَكُونَ لِـمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} بفتح اللام من كلمة {خَلْفَكَ}.

الخامس: الموضوع، وهو ما نُسِبَ إلى قائله مِن غير أصل.

السادس: ما يشبه المدرج من أنواع الحديث، وهو ما زِيد في القراءات على وجه التفسير، كقراءة سعد بن أبي وقاص (وله أخ أو أخت مِن أُم) بزيادة لفظ (مِن أُم).

قال ابن الجزري: وربما كانوا يُدخِلون التفسير في القراءات إيضاحاً وبياناً؛ لأنهم محققون لِـمَا تلقَّوه عن النبي قرآناً، فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه.

ومن خلال هذا النقل، خلصنا إلى أن النوعيْن الأوليْن هما اللذان يُقرأ بهما وأمَّا غيرهما، فلا. فالنوع الأول: هو المتواتر مقطوع بقرآنيته بلا نزاع. والنوع الثاني: وهو المشهور الذي اتفقت فيه الضوابط الثلاثة المذكورة، وهي: صحَّة السند، وموافقة اللغة العربية ولوْ بوجه، وموافقة الرسم العثماني (ولوْ احتمالاً) وإنْ كان هذا النوع لمْ يوافق عليه بعض العلماء، بلْ اشترطوا التواتر.

أوجه الاختلاف بين القراءات الثابتة:

الاختلاف بين هذه القراءات لم يكن على سبيل التضاد في المعاني، ولم يكن على سبيل التباين في الألفاظ، وقد حصر العلماءُ أوجه الاختلاف بين القراءات في الوجوه الآتية[3]:

الأول: الاختلاف في شكل آخِر الكلمات، أو بِنْيتها، وهو ما يجعلها جميعاً في دائرة العربية الفصحى، بلْ أفصح هذه اللغة، المتسقة في ألفاظها، وتآخي عباراتها، ورنة موسيقاها، والتواؤم بين ألفاظها ومعانيها.

الثاني: الاختلاف في المد في الحروف، مِن حيث الطول والقصر، وكون المد لازماً أو غير لازم، وكل ذلك مع التآخي في النطق في القراءة الواحدة، فكل قراءة متناسقة في ألفاظها من حيث البنيةُ للكلمة، ومن حيث طولُ المد أو قصره.

الثالث: الاختلاف من حيث الإمالةُ، أوْ عدمُها في الحروف، كالوقوف بالإمالة في التاء المربوطة، أو عدم الإمالة فيها.

الرابع: الاختلاف مِن حيث النقطُ ومِن حيث شكلُ البنية في مثل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: ٦] حيث قُرِئ متواتراً {فَتَبَيَّنُوا} ومع ذلك فالقراءتان متلاقتيان في المعنى، فالأولى طالبت بالتبيُّن المطلق، والأخرى بيَّنت طريق التبيُّن، وهو التثبُّت بتحرِّي الإثبات.

الخامس: زيادة بعض الحروف في قراءة، ونقصها في أخرى، مثل قراءة ابن عامر - وهو أحد القرَّاء السبعة -: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [البقرة: 116] دون واو قبل {قَالُوا} بينما قرأ غيره بالواو هكذا{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}، ومثل ذلك قراءة ابن كثير - وهو أحد القرَّاء السبعة كذلك -: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [البقرة: 25]  بزيادة {مِن} بينما قرأ غيره {تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ } [التوبة: 100].

وقد قال القرطبي في ذلك: وما وجد بين هؤلاء القُرَّاء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم، وينقصها بعضهم، فذلك لأنَّ كلاً منهـم اعتمد على ما بلغه في مصحفهِ ورواه؛ إذْ كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض النسخ، ولم يكتبها في بعض، إشعاراً بأنَّ كل ذلك صحيح، وأنَّ القراءة بكلٍّ منها جائزة.

مزايــا اختلاف القــراءات:

مسألة اختلاف القراءات وتعددها، كانت وما زالت محل اهتمام العلماء، ومِن اهتمامهم بها بحثهم عن الحِكَم والفوائد المترتبة عليها، وهي عديدة نذكر بعضاً منها:

التيسير على الأمة الإسلامية، ونخص منها الأمة العربية التي شُوفِهَت بالقرآن؛ فقد نزل القرآنُ الكريم باللسان العربي، والعرب يومئـذٍ قبائل كثيرة، مختلفة اللهجات، فراعى القرآنُ ذلك، فيما تختلف فيه لهجات هذه القبائل، فأنزل فيه - أيْ بين قراءاته - ما يواكب هذه القبائل على تعددها دفعاً للمشقة عنهم، وبذلاً لليسر والتهوين عليهم.

الجمع بين حُكميْن مختلفيْن مثل قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْـمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: ٢٢٢] ، حيث قرئ {يَطْهُرْنَ} بتخفيف الطاء وتشديدها، ومجموع القراءتيْن يفيد أنَّ الحائض، لا يجوز أن يقربها زوجها إلاَّ إذا طهرت بأمريْن: انقطاع الدم، والاغتسال.

الدلالة على حُكميْن شرعييْن في حاليْن مختلفيْن، ومثـال ذلك قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْـمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: ٦]  حيث قُرِئ (وأرجلَكم) بالنصب عطفاً على (وجوهِكم) وهي تقتضي غسل الأرجل، لعطفها على مغسول وهي الوجوه. وقُرِئ (وأرجِلكم) بالجر عطفاً على (رؤوسِكم) وهذه القراءة تقتضي مسح الأرجل، لعطفها على ممسوح وهو الرؤوس. وفي ذلك إقرار لحُكْم المسح على الخُفَّيْن.

دفع توهُّم ما ليس مراداً: ومثال ذلك قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْـجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: ٩]  حيث قرئ (فامضوا إلى ذِكْر الله)، وفي ذلك دفع لتوهُّم وجوب السرعة في المشي إلى صلاة الجمعة المفهوم من القراءة الأولى، حيث بيَّنت القراءة الثانية أنَّ المراد مجرد الذهاب.

إظهار كمال الإعجاز بغاية الإيجاز، حيث إنَّ كل قراءة مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية، وذلك من دلائل الإعجاز في القرآن، حيث دلَّت كل قراءة على ما تدلُّ عليه آية مستقلة.

اتصال سند هذه القراءات علاَمة على اتصال الأمة بالسند الإلهي، فإنَّ قراءة اللفظ الواحد بقراءات مختلفة، مع اتحاد خطِّهِ وخلوه من النقط والشكل، إنما يتوقف على السماع والتلقِّي والرواية، بلْ بعـد نقط المصحف وشكله؛ لأن الألفاظ إنما نُقِطت وشُكِّلت في المصحف على وجه واحد فقط، وباقي الأوجه متوقف على السند والرواية إلى يومنا هذا. وفي ذلك مَنْقَبة عظيمة لهذه الأمة المُحمدية بسبب إسنادها كتاب ربِّها، واتصال هذا السند بالسند الإلهي، فكان ذلك تخصيصاً بالفضل لهذه الأمة.

في تعدد القراءات تعظيم لأجر الأُمة في حفظها والعناية بجمعهـا ونقلهـا بأمانة إلى غيـرهم، ونقلهـا بضبطها مع كمال العناية بهذا الضبط إلى الحد الذي حاز إعجاب الأعارب والأعاجم.


 


[1] منجد المُقرئين ومرشد الطَّالبين، دار الكتب العلميَّة، القاهرة، 1989م.

[2] الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، مكتبة مصر، 2001م.

[3] لغة القرآن، محمد القُوصي، مكتبة الشروق، 2014م.