في ظل عدم تكافؤ القوة المادية في الصراع العربي الصهيوني، ما تزال إشراقة معاني الصمود والتحدي تتجدد بأساليب وحكـايات هي أقوى من أزيز الرصاص ووَقْعِ القنابل والصواريخ على المحتل؛ فمن خلف القضبان وزَرَد الحديد وغرف السجن المظلمة، من بين كل تفاصيل الأسر في السجون الصهيونية وما فيها من غطرسة وإجرام وتضييق، أثبت الأسرى الفلسطينيون أن كل ما يمكن للاحتلال فعله هو حبس أجسادهم فقط، أما الأرواح والأفكار فلا أسر لها، ليترجم الأسرى ذلك بكتابات أدبية وأبحاث ورسائل علمية تخرج إلى العالم من داخل تلك السجون في رسالة صمود وتحدٍّ وثبات على مبدأ النضال حتى التحرر.

من رحم المعاناة

وعن هذا قال الأسير المحرر (منتصر الناعوق) مدير المكتب الإعلامي في جمعية واعد للأسرى والمحرَّرين الفلسطينيين: «هذه الإنجازات للأسرى جاءت من رحم المعاناة التي حوَّلها الأسرى إلى حياة علمية مشرقة؛ فالأسير الفلسطيني حينما يتم اعتقاله يبدأ حياة نضالية جديدة، فكتابات الأسرى داخل السجن تعد دليلاً واضحاً على أن من يتم اعتقاله يقاوم الاحتلال بعقله وفكره وورقته وقلمه، وهذا يعمل على رد السياسة الصهيونية التي تقضي بأن اعتقال الإنسان المقاوم سيعمل على تحييده عن العمل الوطني والتحرري».

وأضاف الناعوق أن الكتابة والتعلم داخل السجن تعطي الأسير دفعة أمل في مواصلة حياة مليئة بالإنجاز والتثقيف يستطيع خلالها الأسير بناء قدراته الثقافية والعقلية والتعليمية.

مصنع القيادة

وصف الناعوق عملية التعلم والكتابة لدى الأسرى داخل السجون بـ «مصنع القيادة»؛ إذ اعتبر أن تعلم الأسير وتثقفه داخل السجن يصنع منه قائداً قادراً على قيادة الأجيال وشغل المناصب في الدولة من خلال قدراته وتجربته التي خاضها داخل السجون.

كيف دخلت الورقة والقلم؟

 ولا بد لكل معركة من بداية وشرارة، ومن ثَمَّ مراحل تمر بها، فقد كانت من أهم بدايات هذه المعركة الفكرية هي (دخول الورقة والقلم)؛ فعن هذه المعركة قال الأسير المحرر (أحمد الفليت) مدير جمعية نفحة للدراسات: «حياة الأسرى داخل السجون الصهيونية هي حياة نضالية ولا يوجد شيء مجاني حصل عليه الأسرى داخل السجون سواء الورقة أم القلم أم سجادة الصلاة أم كل الامتيازات التي استطاع الأسرى الحصول علهيا لتحسين ظروف عيشهم داخل السجن فكل هذا جاء بعد سلسلة من الخطوات التكتيكية والإستراتيجية، فالخطوات التكتيكية هي خطوات ضد إدارة السجون مثل إعادة وجبات الطعام والامتناع عن الخروج لساحة السجن ومقاطعة إدارة السجون. أما الخطوات الإستراتيجية فتتمثل في الإضراب المتواصل عن الطعام أو ما يُعرَف لدى الأسرى بمعركة الأمعاء الخاوية، التي يزخر بها تاريخ الحركة الأسيرة».

وأوضح الفليت أن بداية دخول الورقة والقلم إلى السجون كانت في فترة السبعينيات من القرن الماضي بعدما خاض الأسرى إضراباً مفتوحاً عن الطعام تمكنوا بعده من تحقيق إنجازات كان لها الأثر الكبير في العملية التعليمة لتدخل الورقة والقلم ثم بعض الكتب والمراجع والقرطاسية.

مقابر وأكاديميات

وأضاف الفليت أن إدارة السجون تعمل جاهدة على محاربة كل الخطوات التي يقوم بها الأسرى لتحسين ظروف عيشهم، معبراً عن ذلك بقوله: «إدارة السجون أرادت أن تجعل السجن مقبرة للأحياء، ولكن الأسرى حولوها إلى أكاديميات واستطاعوا بعزيمة وإصرار تحقيق إنجازات علمية وأدبية سواءٌ أكاديمية أم ثقافية، واستطاعوا الوصول إلى درجات علمية عالية وهم داخل السجن».

تحدٍّ وكتابات

«هي رسالة حياة وإصرار على البقاء والتحدي رغم الإجراءات القمعية التي تمارسها إدارة سجون الاحتلال، إلا أن الأسرى عبَّروا من خلال الورق والقلم عن هذا الواقع المرير ورسموا معالم الطريق نحو الحرية والوطن»، كان هذا ما استهل به (أ. إسلام عبدو) مدير الإعلام بوزارة الأسرى في قطاع غزة.

وأكمل عبدو حديثـه قائلاً: «خرجت العديد من الكتابات الأدبية والشعرية التي جسدت هذه المعاناة الأسطورية التي بذل فيها الأسرى زهرات شبابهم في طرق التحدي وما لاقَوه من السجان الصهيوني، وكيف أن إصرارهم جعل سجانهم يُقهَر ويقف عاجزاً أمام روح التحدي التي يمتلكها الأسرى».

على رف المكتبة

وفي إحدى مكاتب وزارة الأسرى التي بدت مزدحمة بكتب معظمها من داخل الأَسْر، ظهرت واضحةً أسماء بعض الكتابات مذيلةً بأسماء لأسرى ما يزالون يقبعون داخل الأسْر وبمحكوميات عالية وعدة مؤبدات مثل (روايات الغراقدة، أمير الظل، الماجدة، فلسطين العاشقة والمعشوق، المقصلة) للأسير عبد الله البرغوثي المحكوم عليه بـ 67 مؤبداً، إضافة إلى خمسة آلاف ومائتي عام! و (جمرات من عنب) للأسير جمال الهور و (صدى القيد) للأسير أحمد سعادات وغيرها من كتابات إبداعية للأسرى تصور معارك الإضراب عن الطعام ومعاناة زيارة الأهل ودمعات أبنائهم الصغار وعصفور الصباح الذي يزور نافذة الأسر كل يوم، كما ترصد كآبة الأسلاك الشائكة وصوت سلاسل الحديد المؤرقة، وقصص التحدي وقهر السجان، ودموع الفراق، ورمضان والعيد ومشاعر الإصرار والمقاومة وما يتلجلج من أحاسيس في أوج عاصفة السجن.

تفتيش وقمع

وأوضح عبدو أن الاحتلال يقوم بشكل مستمر بعمليات تفتيش وقمع لمصادرة الورقة والقلم وكتابات الأسرى، ويعمل جاهداً للكشف عن قصاصة الورق التي يقوم الأسرى بتهريبها بطرقهم الخاصة إلى خارج السجن لأن الاحتلال يعتبر أن أي كتابة تخرج من السجن هي رؤية جديدة لمشروع مقاوم.

وختم عبدو حديثه قائلاً: «الاحتلال يفرض العزل الانفرادي على كل من يجد عنده بعض الكتابات، كما يقوم بحرب نفسية بسياسة التنقلات من السجون ويفرض عقـوبات مشددة على أصحاب الكتابات الأدبية، ولكن رغم هذا كله ما زالت الكتابات الأدبية تخرج من داخل السجون وما طبع منها قليل بفعل ضعف إمكانيات وزارة الأسرى ورغبة بعض الأسرى بإبقاء كتاباتهم خاصة».

أدب السجون

وفي رسالة علمية عن ( أدب السجون) كتب الروائي الأديب الفلسطيني والأسير المحرر (د. رأفت حمدونة): «إن أدب السجون جزء لا يتجزأ من الأدب العربي، وإن الأديب الأسير يحمل صفات الأديب بالمعنى والمضمون».

كما يرى حمدونة أن من أهم العوامل التي ساعدت في الكتابة لدى الأسرى، هو تنامي قوة الحركة الوطنية الأسيرة داخل الأسر وتطور أساليب الإسناد الجماهيري لها، وكذلك فإن المجلات والصحف والنشرات التي يصدرها الأسرى داخل الأسر واهتمامهم بنشر النصوص الأدبية والقصائد الشعرية في مجلات خاصة كـ (صدى نفحة) و (الصمود الأدبي) لعبت دوراً في زيادة الوعي الأدبي لدى الأسرى داخل السجن، وكذلك تطلع الأسير للحرية وملأ وقته بالاهتمامات الثقافية وخاصة الأدبية التي تحمل الأسير إلى آفاق واسعة وممتدة تمثل تحديّاً لمشروع السجان الساعي إلى حصر جسد الأسير الفلسطيني وروحه في بضعة أمتار بين أربعة جدران.

ويجزم حمدونة بأن ما هو مجهـول من إبداعات الأسرى الأدبية، وما تمت مصادرته من قبل إدارة السجون الإسرائيلية، وما لم يرَ النور بالطباعة بسبب القصور تجاه أدب السجون لهو أكثر بكثير مما عرف.

قصيدة من خلف القضبان

يروي (د. عبدالخالق العف)، عضو اتحاد الكتاب والآدباء الفلسطينيين، قصته مع أدب السجون التي بدأت في فترة الثمانينيات من القرن الماضي حيث كتب أول قصيدة له داخل الأسر بعدما رزق بطفلة بعد عدة أشهر من اعتقاله، إذ كان يتوق إلى حضور ولادة ابنته ومن ثَمَّ يؤذن في أذنها ويقبِّلها على جبينها، ولكن هذا المشهد غاب عنه، وطغى عليه هول الأسلاك والحديد وجنود الاحتلال. يصف ذلك قائلاً: «جاؤوا بابنتي لزيارتي وأنا في الأسر ووقفتُ أمامها بلا أي حَراك وانتابتني صدمة قوية حتى أني لم أستطع لمس أصابع الطفلة الصغيرة لوجود الحواجز الحديدية والأسلاك وعند انتهاء تلك الزيارة وعـودتي إلى الزنزانة أخذت أكتب قصيدتي واضعاً فيها ما تأجج في صدري من مشاعر وأحاسيس».

كما اهتم د. العف بكتابة الأشعار للأسرى داخل السجون حتى بعد الإفراج عنه ومنها قصيدة (فداء عينيك يا أم الأسير) وقصيدة (وفاء الأحرار).

ويعتبر د. العف أدب السجون هو تفريغ للشحنات الانفعالية عبر الكتابة نابع من الحاجة الماسة للتعبير عن المشاعر ونقل التجربة والمعاناة للناس والواقع المرير الذي يتعرض له الأسير داخل السجن، كما هو رسالة صمود وتحدٍّ للسجان.

كما طلب د. العف من كل القراء العرب مزيداً من الاهتمام بالقضية الفلسطينية والالتفاف حول قضية الأسرى والمقدسات.

مشوار التحرير

وفي الختام، فإن مشوار التحرر المتواصل منذ عام 1948م يثبت يوماً بعد يوم أن الصمود والتحدي في وجه المحتل الصهيوني هو سبيل منبثق من قدسية هذه القضية وعدالتها؛ إذ لا مجال للركون أمام غطرسة المحتل سواء تحت قصفه أو حصاره أو حتى داخل سجنه؛ فلكل واحد مهمته التي يعد عدتها بإتقان معنوي فريد يضيء به أملاً على طريق التحرير.