تؤثر الحرب على الإنسان والمجتمع والبيئة المحيطة به تأثيراً يتجاوز ما يُمكن إحصاؤه وتقـديره بلغة الأرقام والبيانات؛ فهي من أقوى العوامل على الإطلاق في العصف بالثبات النفسي والعقلي، وبنية المجتمع ومفاهيمه، ومسارات الدول وإستراتيجياتها.

ويتعدى تأثير الحروب الأجيال التي تشهدها، وكثيراً ما اصطلت أممٌ وشعوبٌ بعواقب نزاعٍ أحمق، أو هيجاءَ بقرار غيـر مدروس؛ لذا فإن الحرب التي تأتي ضمن سُنة التدافع في الكون إذا لم تكن الخيار الأخير، وإذا لم يسبقها ويصاحبها وعي مجتمعي، وقرار حكيم غير انفرادي؛ كانت أبشع سلوك يُقدْم عليه ذاك الذي حمل أمانة أشفقت منها السماوات والأرض والجبال، وتساءلت الملائكة عند خلقه «قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ».

ونستعرض في هذا المقال بعض ملامح الوجه القبيح للحروب التي عصفت بالعالم الإسلامي منذ منتصف القرن الماضي، وإن كانت الآثار - كمـا أسلفنا - غير قابلة للحصر.

حرب الخليج الأولى:

انتهت ما تسمى بـ (قادسية صدام) أو (الكفاح المقدس) بوهن الطرفين، تجرع الخميني (كأس السم)، وقبل الهدنة التي اقترحتها الأمم المتحدة، وتحققت أمنية هنري كسينجر الذي قال: «هذه أول حرب في التاريخ نتمنى ألا يخرج فيها منتصر؛ وإنما أن يخرج الطرفان كلاهما مهزوم».

ومن البديهي أن الآثار المرعبة للحرب تتناسب طرداً مع طولها، وهذا ينم عن حجم الدمار الذي ألمَّ بالعراق وإيران جـراء حـرب اسـتمرت ثماني سنوات (1980 - 1988م)، كما يفسر فضيحة (إيران - كونترا)، وهي إحدى الصفقات التي تم الكشف عنها؛ إذ دخل الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في صفقات سلاح مع إيران بغير علم الكونغرس، وبمخالفة لقراره الرسمي بفرض حظر على بيع السلاح لإيران بسبب احتجازها رهـائن أمريكيين، ودورها فيما يسميه الكونجرس (الإرهاب الدولي).

«طالت الحرب أكثر مما يجب نتيجة إصرار كلٍّ من القيادة الإيرانية من جهة، وقوى عالمية في مقدمها الولايات المتحـدة الأمريكية على إطالة أمدها، لتحويلها لبؤرة استنزاف خطرة لقـوى أكبـر بلدين إقليميين في المنطقة (العراق وإيران)، وقد أدى سوء التقدير لتداعيات هذه الحرب من جانب القيادة العراقية إلى تحميل العراق دولةً وشعباً الكثير من الدماء والأوزار والأموال.

بعد شنهما الحرب، وبغض النظر عن الدوافع، قدَّم البلدان نفسيهما في هذه الحرب كبشي فداء لتحقيق الاحتواء الذي سعت الولايات المتحـدة إلى تحقيقه عليهما معاً»[1].

«تعتبر الحرب العراقية الإيرانية من أهم الصدامات العسكرية إستراتيجياً في العصر الحديث. فبخلاف الصدامات التي تحدث في العالم الثالث هددت الحرب العراقية الإيرانية مصالح كل دولة من دول العالم تقريباً ودون استثناء.

وقد أثَّرت هذه الحرب تأثيراً مباشراً على مستقبل منطقة بها أكثر من 50% من احتياطي البترول في العالم، وأثبتت أن أيّاً من العـراق وإيران كان يمكـن أن تخرج من الحرب لتكون القوة العظمى المهيمنة في الخليج وما يحـدثه ذلك من آثار على الاستقرار والتوازن، ولهذا حاولت القوى العظمى أن لا تخرج أيٌّ منهما منتصرة، بل أن تخرج كلاهما منهكة تلعق جراحها لفترة طويلة.

يكاد يكون من المستحيل تقـدير تكاليـف الحرب العراقية - الإيرانية؛ فقد أنهكت كلا البلدين واستنزفت مواردهما، فضلاً عن الآثار السياسية والاقتصادية؛ فالإنفاق العسكري الضخم على المعدات والتسليح امتص الجزء الأكبر من الدخول القومية وعطل برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقدرت بعض المصادر أن الخسائر البشرية وصلت إلى:

730 ألف قتيل إيراني بالإضافة إلى مليون و 200 ألف جريح بخلاف مليوني لاجئ، بينما أسر العراق نحو 45 ألف أسير إيراني.

340 ألف قتيل عراقي إضافة إلى 700 ألف جريح، كما تشرد نحو 400 ألف لاجئ عراقي، بينما قدرت أعداد الأسرى لدى الطرف الآخر بنحو 70 ألف أسير عراقي.

وأنفقت العراق على شراء الأسلحة والمعدات 159 مليار دولار، وأنفقت إيران 69 مليار دولار.

ولم يدخل في هـذه التقـديرات قيمة ما تم تدميره من منشآت وبنية أساسية، وما كان موجوداً من أسلحة ومعدات قبل بداية الحرب. والنتيجة: لا منتصر ولا مهزوم»[2]

دخل العراق الحرب ولديه فائض مقداره 43 بليون وخرج منها مديناً بحوالي 70 بليون دولار نحو من نصفها للدول العربية، وقد أنفق العراق فيها أكثر من 350 بليون دولار قدمت الدول العربية منها 40 بليوناً.

ولم يكد العراق يسترد أنفاسه من الحرب الطاحنة مع إيران، حتى قـرر مداواة جراحه بمعركة جديدة، ستؤدي به إلى (أم المعارك)، التي وضعت العراق على منحدر من الدماء والحصار والانقسامات؛ ففي عام 1991م قرر صدام حسين غزو الكويت، الخطوة التي لم تستغرق سوى 48 ساعة، ولكنها قلبت العالم، وغيرت موازين القوى الإقليمية والدولية، وبدأ بها العد التنازلي لشؤم الاحتلال، و كتابة فصل دامٍ وأسيف في تاريخ العراق.

 آثار حرب الخليج الثانية:

«أخطر ما في تجربة النزاعات الحدودية العراقية الكويتية هو إثارتها لإحدى أكبر وأضخم الحروب التي عرفها العالم عقب الحرب العالمية الثانية، وهو النزاع الذي مكَّن لأول مرة قوى غربية من فرض حلولها وتسويتها لهذا النزاع تحت مظلة الأمم المتحدة»[3].

فيما يلي بعض تقديرات آثار حرب الخليج الثانية، على الصعيدين العربي والدولي، سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً:

التقديرات الإجمالية للخسائر:

انقسم العرب بصورة غير مسبوقة.

قُدرت أعداد القتلى العراقيين بما يقارب 100 ألف قتيل، و30 ألف أسير.

دُمرت البنية التحتية للعراق وجيشه وحرسه الجمهوري، وفرضت عزلة شديدة عليه بقرار من الأمم المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية استمرت 13 عاماً، وهو ما أدى إلى تدنٍّ هائل في جميع المرافق، ووفاة أكثر من مليون طفل عراقي أقل من خمس سنوات بسبب سوء التغذية.

قدَّر الكونجرس الأمريكي كلفة تدخل بلاده العسكري، الذي عُرف بـ (عاصفة الصحراء) بـ 61.1 مليار دولار تحملتها الكويت والمملكة العربية السعودية واليابان وألمانيا.

بلغت الخسائر الكويتية بحسب الأرقام الرسمية 92 بليون دولار، وقُدِّرت قيمة المفقود من النفط والغاز الطبيعي من الآبار الكويتية بحوالي 120 مليون دولار يومياً.

الآثار السياسية دولياً[4]:

تثبيت موقـع أمريكـا قـائداً بلا منـازع في النظام العالمي الجديد بعد نهاية الحرب الباردة.

استعادة الولايات المتحـدة للثقـة بالذات فيما يتصل بقدرتها على العمل العسكري في العالم؛ وخاصة في الأقاليم المهمة إستراتيجياً من العالم الثالث. وهو ما ساهم في إلغاء - أو على الأقل تقليل أثر - (عقدة فيتنام) في السـيكولوجية الأمريكية، وهو ما ضـاعف مـن دوافع استمرار الولايات المتحدة في القيام بدور شرطي العالم.

أقلمة الحلفاء الغـربيين على النظر للولايات المتحدة من جديد كقيادة ضرورية و (غير منازَعة) في النظام العالمي ما بعد الحرب الباردة.

خلق عادة ومشروعية لتنسيق (أمريكي - سوفييتي سابقاً ثم روسي) حيال قضايا السياسة الدولية.

زيادة تبعثر حركات العالم الثالث وتعميق هامشيتها في النظام الدولي.

تشجيع الدول الغربية الكبرى على التحول إلى إستراتيجية الإشراف على النظم الإقليمية في العالم الثالث وبلاده الكبيرة ذات القيمة الاقتصادية والسياسية لدول الشمال.

انهيار الدور الجماعي العربي في الحركات الأساسية للعالم الثالث.

تدهور القيم المعنوية للعرب في العالم الثالث، ولم يعد العرب حلفاء مرغوباً فيهم حتى بين جيرانهم المباشرين في إفريقيا وآسيا.

شيوع التخوف من انفجار الفوضى في العالمين العربي والإسلامي، وتأثير ذلك على الحضارة الغربية، وساعد على ذلك تركيز الإعلام الغـربي طوال فترة الأزمة على ما يُسمى بالإرهاب الإسلامي المنتظر كرد فعل للتدخل الدولي.

ظهور عقدة حصـار فريدة في السيكولوجية والثقافة الغربية؛ فقد تم تصوير وترويج الصدام إعلامياً وثقافياً وكأنه صراع حضارات، وتعميم رؤية غربية للمنطقة كلها وكأنها غابة مزدحمة بالبشر وغارقة في الصراعات.

احتلال العرب والمسلمين مكـاناً بارزاً في الرؤية القيمية التي يراها الإعلام الأمريكي والغربي عموماً للنظام العالمي.

أنتجت حرب الخليـج الثانية تجـديداً في الفكر السياسي والمبادئ العامة للقـانون الدولي. وأهمها ما سمي بـ (حق التدخل الإنساني).

الآثار السياسية عربياً[5]:

دعوة الولايات المتحدة لإنشاء (بنية أمنية شرق أوسطية) بهدف ردع أعمال عدوان مماثلة للغزو العراقي للكويت.

أودت أزمة الخليج بالمتبقي من الثقة بالنظام العربي، وأدت إلى انهيار الثقة بجدوى الآليات والترتيبات المؤسسية المقنِّنة للنظـام العـربي، وخاصة آليـات الدفـاع المشترك، والثقة بالتقاليد التي تحول دون استخدام القوة الشاملة لتسوية المنازعات (العربية - العربية)، ووحدة المشاعر العربية حيال القضايا الجـوهرية والمشتركة في العالم العربي.

تبـرير التوجه العربي والاعتكاف القُطْري على الذات؛ إذ أصبحت أغلب الدول العربية تدرك محيطهـا العربي وأنه مصدر للمشكلات لا الدعم الضروري لحل المشكلات.

انهيار عام للمعنويات العربية.

الآثار الاقتصادية[6]:

تراجع مكانة العرب اقتصادياً على المستوى الدولي؛ إذ كان الغزو الصدامي بمثابة إشارة البدء في عملية إقصاء شبه منهجية للعرب في الاقتصاد العالمي؛ وبالذات في قطاع المال.

وقد بدأت في أعقاب حـرب الخليج سلسلة من الضغوط والمواقف السلبية الأوروبية ضد المؤسسات المالية والاقتصادية للعرب في أوروبا الغربية.

نزوح مئات الآلاف من العاملين العرب والأجانب في كلٍّ من الكويت والعراق وارتباك حياتهم وانهيار معنوياتهم.

قدَّر التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 1991م الآثار السلبية المباشرة للغزو والحرب بما يتراوح بين 600 و 800 بليون دولار، ومن مكـونات هذه الآثار الانخفاض الحاد في النمو الاقتصادي في كلٍّ من الكويت والعراق خاصة وبدرجات أقل في الدول العربية عامة.

قُدِّر الدمار الذي لحق بالمؤسسات والمنشآت الاقتصادية والبنية الأساسية في كلٍّ من الكويت والعراق بنحو 240 بليون دولار للكويت، و 232 بليون دولار للعراق، لا تشمل الخسائر المباشرة العديد من البنود مثل إهدار ثروات العـاملين العرب في الكويت والعراق، وتكاليف التعويضات الخاصة والأعباء المالية المفروضة على العراق مقـابل تكلفة تنفيذ قرارات مجلس الأمن.

ويكفي إيضاحاً لحجم المأساة: أن المبررات المباشرة للغزو - وَفْقاً للدعاية العراقية - تتصل بنزاع حول ما لا يزيد عن 1% من حجم الخسائر المقدرة للأزمة.

الخسائر المترتبة على المقاطعة الاقتصادية:

نزوح وطـرد أكثـر من نصف مليون فلسطيني من وظائفهم وأعمالهم في الكـويت وبعض دول الخليج الأخرى؛ وبذلك حُرِم اقتصـاد الأراضي المحتلة من تحويلات كانت تشكل المصدر الرئيسي لتمويل الاستثمارات هناك.

انفصال باكستان الشرقية:

واجهت باكستان واقعاً صعباً ومعقداً بعد استقلالها عن الهند؛ فالتقسيم المجحف في شبه القارة الهندية أدى إلى استئثار الهند بالموارد المالية الهامة، وزاد الأمر صعوبة عملية النزوح التي تمت في البلدين؛ حيث بدأ الملايين من المسلمين الهنود يرحلون إلى باكستان، ونزح الملايين من الهندوس إلى الهند تاركين باكستان فقيرة من الكفاءات الإدارية والعلمية والاقتصادية التي كان لهم اليد العليا فيها.

وبينما كانت باكستان تتجهـز لإعـداد دسـتور إسلامي للبلاد، وتتعبأ للاستمرار في معارك تحرير إقليم كشمير المفصلي، اعتمد ساستها سياسة مركزية مهيمنة لإسكات الشقاق المتصاعد من الشرق، وأصروا على الإدارة المركزية الاقتصادية والثقافية، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين باكستان الشرقية والغربية، وتزايد شعور البنغاليين بالتهميش وعدم الثقة.

«وتعود مشكلة بنغلادش (باكستان الشرقية) في الأصل إلى التناقضات التي خلفها الاستعمار البريطاني في شبه القارة الهندية؛ فعندما اضطرت بريطانيا عام 1948م إلى مغادرة الهند وإنهاء استعمارها نتيجة الضغط المتزايد من الوعي الوطني أبقت سياستها المعروفة (فرق تسد) لخلق مشاكل وحماية الأطماع والاحتكارات البريطانية، فقسمت الهند إلى دولتين باكستان والهند كما أن باكستان نفسها أصبحت جناحين باكستان الشرقية وباكستان الغربية»[7].

استغلت الهند الصراع الباكستاني الداخلي وأمدته، وانتهى الأمر بتدخلها عسكرياً لصالح الانفصاليين في بنغلادش، في واحدة من أخطر الحروب في شبه القارة الهندية الحرب (الهندية - الباكستانية) عام 1971م، أو ما يعرف بحرب الأسبوعين، أو الحرب الخاطفة إلى فصل باكستان الشرقية عن باكستان الغربية وقيام دولة (بنغلادش). وإلى جانب تفتيت باكستان، فقد أدت هزيمة باكستان واستسلامها إلى موت آلاف المدنيين، وتدفق ملايين اللاجئين إلى الهند في الشهور الأولى للحرب الأهلية.

جردت الحرب باكستان من أكثر من نصف سكانها وما يقارب من ثلث جيشها في الأسر.

وأسرت الهند أكثر من 97 ألف باكستاني غربي كانوا موجودين في باكستان الشرقية وقت انفصالها، من بينهم قرابة 79 ألفاً من الجنود والأفراد شبه العسكريين، وأكثر من 15.000 مدني باكستاني من بينهم نساء وأطفال، أخذهم الجيش الهندي أسرى حرب[8].

تداعيات حرب الرمال بين الجزائر والمغرب:

لم تكن حرب الرمال بين المغرب والجزائر في أكتوبر من عام 1963م هي نقطة البداية ولا هي نقطة النهاية في الصراع الحدودي المزمن بينهما؛ إذ ترجع جذور التوتر بين البلـدين إلى ما قبل الاستقلال. فكما هو معلوم كانت الصحراء مستعمَرة إسبانية، وكان المغرب، والجزائر، وموريتانيا، من المستعمرات الفرنسية، فتعدُّد المستعمر يقتضي تعدد خيارات الاستقلال وأنماط سياقاتها.

وقد اتبعت فرنسا إستراتيجية لإقحام البلدين في حرب مدمرة، بعدم حسمها لمسألة الحدود، فبينما يرتكز الطرح الجزائري على مبدأ التوارث الدولي وعدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو من المبـادئ المركزية في القـانون الدولي، ظـل المغـرب يعارض هذا المبدأ عبر تأكيده المتواصل على أنه وقع ضحية التقسيم الاستعماري، ومن ثَمَّ لا يمكن تطبيق مبدأ عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار؛ من أجل استكمال وحدته الترابية بضم الصحراء الغربية التي يرى أنها تشكل جزءاً لا يتجزأ من إقليمه[9].

وبعد انتخاب بن بلة رئيساً للجزائر اشتدت الحرب الإعلامية بين البلدين، وهو ما ساهم في زيادة التوتر وزعزعة الثقة بينهما.

كانت المساعي الدبلوماسية دوماً تنحدر إلى مربع الخلاف، وبعد اجتماع وزيري خارجية البلدين عام 1963م والذي انتهى بشكل جيد إلى التعهد المشترك بعدم تدخُّل أي منهما في الشؤون الداخلية للدولة الأخرى، واتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بتطبيع العلاقات بصورة عاجلة، والتمهيد للقاء قمة بين زعيمي البلدين، بعدها بثلاثة أيام اندلعت حرب شرسة في منطقة حاسي بيضاء وتنجوب، عُرفت بـ (حرب الرمال)، حيث شنت قوات الجيش الجزائري هجوماً أسفر عن مقتل 10 جنود من الجيش المغربي الموجود في المركز العسكري للبلدة، وتمكنت القوات المغربية من الاستيلاء على أجزاء من الأراضي موضوع النزاع التي كانت أقرب إلى تمركز القوات المغربية منها إلى تمركز قوات الجزائر، وانتهت الحرب بوساطة عربية وإفريقية، ولكن الصراع لم ينته.

منذ حرب الرمال دخلت الجارتان في صراع سياسي ومنافسات ساهمت في تكريس حالة التوتر والقطيعة في علاقاتهما، ومع أن الطرفين تمكنا في السبعينيات من القرن الماضي من تسوية خلافهما الحدودي؛ فإنهما لم يستطيعا - مع ذلك - التخلص من آثار هذه الخلافات وانعكاساتها السياسية[10].

وفي عام 1966م كادت حرب الرمال أن تندلع من جديد بسبب أزمة تأميم الجزائر لأحد عشر منجماً في منطقة تندوف، وهو ما أدى إلى حشد القوات العسكرية فيها، ووقوع بعض المناوشات.

وانعكس الصراع السياسي بين البلـدين علـى تحالفاتهما الدولية في فترة الحرب الباردة؛ حيث اصطفت المغرب مع الولايات المتحدة الأمريكية، مقابل اصطفاف الجزائر مع الاتحاد السوفييتي، كما أخذ الصراع بُعداً أكثر تعقيداً مع تصادم الدول الفاعلة وظهور تحالفات جـديدة بعد المسيرة الخضراء عام 1975م بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا، ودعم الجزائر غير المحدود لجبهة البوليساريو تصفيةً لحساباتها مع المغرب، وإشغالاً له عن عزمه الطويل لاستعادة الصحراء الشرقية.

لقد دفع البلدان كلاهما ثمناً باهظاً على جميع الأصعدة لتوتر علاقتهما المستمر لما يقارب سبعين عاماً، وكانت الأجيال المتتابعة للشعبين أَوْلى بالأموال الطائلة التي أُنفقت في الصراع بصوره المختلفة، فضلاً عمَّا تسبب فيه من حرمان الجارتين من التعاون الاقتصادي والثقافي والأمني.

النزاع بين ليبيا وتشاد:

تورطت ليبيا على مدار تسع سنوات من عام 1978 وحتى 1987م في النزاع مع تشاد، اعتمد القذافي خلاله على الحرب الأهلية في تشاد ليمد الفِرَق المتناحرة بالسلاح والمال والدعم الجوي بهدف السيطرة على قطاع أوزو الحدودي، وخلق دولة عميلة في الجنوب تلبي طموحاته التوسعية في إفريقيا الوسطى، ولكن التقلبات الليبية، والمعارك والقرارات غير المدروسة أدت في النهاية إلى اجتماع الأطراف بشكل غير مسبوق في تاريخ تشاد على مقاومة القوات الليبية، وهو ما أدى إلى هزيمتها وطردها.

لم تعرف العلاقة بين ليبيا وتشاد التـوتر والنزاعات والصدامات المسلحة إلا بعد مجيء معمر القذافي إلى السلطة في ليبيا في الأول سبتمبر من عام 1969م. وقد قطع الرئيس التشادي تومبلباي العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا بعد أقل من سنتين من وصول القذافي إلى السلطة.

عملت ليبيا في عهد القذافي على الدوام على تسليح فصـائل المعارضة المتتالية للحكم المركزي في إنجامينا والمساهمة في تصعيد الخلافات الداخلية بزعزعة استقرار البلاد لتبـرير وجودها وتدخلها في الشؤون الداخليَّة التشادية.

«وعلى الرغم من تفوق الجيش الليبي الذي كان يمتلك أضعاف القوات والعتاد، فإن ليبيا هُزمت في صراعها مع تشاد على كافة الأصعدة.

قدرت خسائر ليبيا البشرية في حرب تشاد من بدايتها إلى نهايتها ما بين 8000 إلى 10000 ليبي، وأكثر من ألف وخمسمائة أسير. وفقدت ليبيا معدات يقدر ثمنها بثـلاثة بلايين من الدولارات، في فترة محدودة جداً. من بينها 28 طائرة، وأكثر من 800 دبابة وعربة مدرعة وناقلات ورادارات وأجهزة إنذار وبطاريات صواريخ، وغيره مما لا يحصى من الأسلحة الخفيفة والعتاد والوقود والذخائر، بالإضافة إلى آلاف الملايين التـي صرفت في بنـاء الطرق والمطارات والمهابط والمدرجات، وبلغت خسائر التشاديين أقل من ألف جندي».

وفي الفصل الأخير من صراع ليبيا وتشاد عام 1987م، الذي عُرف بحرب تويوتا بسبب استخدام القوات التشادية لشاحنات تويوتا في التنقل، تلقت ليبيا القذافي هزيمة نكراء راح ضحيتها الآلاف من الليبيين، إلى جانب خسائر مالية هائلة.

وبعد سنوات الحرب والعبث خسر القذافي المعركة قانونياً ودولياً حيث حكمت محكمة العدل الدولية في 3/4/1994م لصالح تشاد بأغلبية 16 صـوتاً مقابل صوت واحد وهو صوت القاضي الخاص الذي عينته ليبيا، وقد نص الحكم على أن قطاع أوزو أرض تشادية وعلى ليبيا أن تنسحب منه وتعيده إلى تشاد تحت إشراف مراقبين دوليين من الأمم المتحدة لجميع مراحل عمليات الانسحاب الليبية من القطاع[11].

وما تزال الحقـائق التاريخية المرَّة تتكشف تباعاً عن ثلة من المتنفذين الذين اتخذوا قرارات الحروب، وقديماً قالوا: «لا شيء جيدٌ في الحرب إلا انتهاؤها». واليوم يتجرع الملايين الويلات ثمناً لحماقة أفراد ورثوا أوطاناً حولوها إلى مقابر، وشعوباً دفنوها في الرمال.


 


[1] الحرب العراقية - الإيرانية 1980- 1988م: قراءة تحليلية مقارنة في مذكرات الفريق الأول الركن نزار عبد الكريم فيصل الخزرجي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

[2] المشير عبد الحليم أبو غزالة، الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988م، ص 6 - 7.

[3] حرب الخليج الثانية، موقع المعرفة.

[4] الغزو العراقي للكويت (ندوة بحثية)، سلسلة عالم المعرفة العدد 195، المبحثان: الثامن والتاسع.

[5] المصدر السابق.

[6] المصدر السابق.

[7] د. فراس البيطار، الموسوعة السياسية والعسكرية: الجزء السادس، طبعة المنهل 2003م، ص: 2229.

[8] الحرب الباكستانية الهندية 1971م، موقع المعرفة.

[9] محمد مزيان، المغرب والجزائر: الجوار الصعب، سياسات عربية، العدد 12/يناير 2015م.

[10] محمد رضوان، مرجع سابق.

[11] من كتاب د. يحي الفاضلي (حرب تشاد.. الكارثة الكارثة) الحلقة السادسة، موقع ليبيا وطننا.