تنازع البشر وتقاتلوا منذ فجر تاريخهم، واختلفت أسباب حروبهم، ودوافع القتال بين توسع ومصلحة وخوف وانتقام، كما اختلفت أشكال الحروب ومسمياتها ومجرياتها، لكننا في هذا المقال نلقي الضوء على الجانب النفسي وراء اتخاذ القرارات الهوجاء للحروب، وسمات الزعماء الذين أبدوا سعياً محموماً لإشعال الحرب وجر بلادهم إلى ساحاتها مهما انطفأت الأسباب، أو لاحت في الأفق كارثية العواقب.

النرجسية المتطرفة:

قد يبدو النرجسي كشخص قيادي واثق بنفسه ويتمتع بحضور و (كاريزما) ملفتة، ولكنه في الحقيقة يخفي خلف قناع الإعجاب الشديد بنفسه، والتمحور حول أوهام النجاح، والشعور بالتميز الفائق، هشاشةً نفسيةً وضعفاً في الثقة وقلقاً مفرطاً، تظهر في احتقاره للآخرين، وعدم قدرته على تقـدير احتياجاتهم أو التعاطف معهم، فيدخل باستمرار في نزاعات للسيطرة والتلاعب.

وتنبثق عن النرجسية العديد من السمات والميول التي تسهم في تسعير الحرب، مثل: الانتقام، والعناد، وتضخم صورة الذات، والغياب عن الواقع، وعدم تحمل المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين[1].

العناد والإصرار على الفشل:

لا شك أن الفشل خبرة نفسية مؤلمة، يسعى الإنسان لتجنبه، وقد يقع في متاعب نفسية وتهتز صورته أمام نفسه وأمام الآخرين إذا مُني بتتابع الهزائم وتكرار الفشل، ولكنه يظل قرين المحاولة والمرشد القاسي للإنسان، فلا يوجد نجاح وليد اللحظة، لا بد أن يسبقه محاولات فاشلة وأخطاء وتجارب معتلَّة.

ولكن حتى يكون الفشل محطة يتبعه محطات أقل خسارة وأكثر إشراقاً، فإن على الأشخاص الأسوياء الـذين يتمتعون بحس المسؤولية أن يقـوموا بمراجعة الذات، وإعادة تقويم المواقف، والاستفادة من أخطائهم وأخطاء الآخرين. أما استنساخ حالة الفشل بانفعالاتها، وخطابها، وخطواتها فيكشف عن حالة إنكارٍ للحقائق، وإدمان للهزيمة، وكما يُقال فإنه من الحماقة أن تكرر المقدمات نفسها وتتوقع نتائج مختلفة.

إن فضيلة الإفاقة بعد المصيبة، وسلَّم المجـد الذي يرتقيه أهل العزائم، لا يكون بالشعارات الرنانة، والألقاب العظيمة، دون آليات مراجعة للأخطاء، أو قدرة على مواجهة القصور والخلل بشجاعة، ولكن المشكلة الكبرى التي واجهتها الشعوب والأمم التي قادها زعماء نرجسيون متطرفون هي أن آليات التراجع والتقويم ليست موجودة لديهم ألبتة، لذا فإنهم يتعاملون مع الهزائم بغضب من الآخرين، وإصرار على اقحام الشعب في معركة جديدة أكبر وأخطر، لأن سلوكيات النرجسي المتطرف تستند إلى الأحلام والتطلعات وليس إلى التعلم من إخفاقات الماضي.

 يتجلى هذا النمط في الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، الذي أدرجته العديد من دراسات علم النفس السياسي بالإصابة بالنرجسية الخبيثة، وحالتها الذُهانية الأكثر تطرفاً (جنون العظمة)، وأشار عدد من الباحثين إلى أن القذافي كان يُعاني أيضاً من اضطراب الشخصية الحدية.

ويتعامل النرجسي المتطرف مع الحياة عبر طريقتين أساسيتين:

الأولى هي التظاهر بالعظمة وتضخيم الأنا، أن يطلق على نفسه الألقاب الكبيرة الرنانة، وينسب إلى نفسه الإنجازات الضخمة والوهمية.

والطريقة الأخرى هي لعب دور الضحية، فهذا المهووس بنفسه يمكنه أن يتخفى أحياناً خلف ستار الاضطهاد ولأنهم ماهرون جداً في التلاعب، فإنهم سيقلبون الطاولة على الآخرين، ويلومون غيرهم باستمرار، بدلاً من تحمل مسؤولية أفعالهم وعواقب قراراتهم.

في العلاقات الشخصية يبحث النرجسي المتطرف دوماً عن صيدٍ جديد يُغدق عليه الاهتمام في البداية، ليستغله بشكل كامل، ولجعله أداة لإظهار عظمته والتلاعب بمشاعره في أرجوحة الاهتمام والإهمال، والتبعية واللوم.

وإذا كان النرجسي المتطرف قائداً فإنه سيسعى باستمرار لاقتحام أرض جديدة، وجذب الأنظار إليه بتضخيم الأفكار والطموحات وإسباغ صفات العظمة على نفسه مسبقاً، لذا فإن خسارة النرجسي لحرب لا تعني أنه سيقف للتراجع وإعادة حساباته، بل على الأرجح سيدخل حرباً جديدة، ويشتبك في نزاع جديد.

القلق المفرط:

تاريخ البشرية حافل بأسماء الزعماء الذين استخدموا سياسات جذرية للحفاظ على السيطرة الكاملة على شعوبهم، والتورط في دماء الملايين مثل: أدولف هتلر، ماو تسي يونغ، جوزيف ستالين، بول بوت، إلا أن هذه القوة الظاهرة يصاحبها دوماً القلق المفرط، والارتياب الناتج عن جنون العظمة، وهو ما يدفعهم كثيراً إلى اتخاذ قرارات غريبة بدافع الخوف غير العقلاني على مصائرهم.

أظهر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مستوى مرتفعاً من جنون العظمة لدرجة أنه كان يأمر بإعداد وجبات متعددة مخصصة له يومياً من جميع أنحاء الأراضي العراقية لضمان عدم معرفة أي شخص بمكـان تناوله للطعام، كما أشارت العديد من التقارير وشهادات الشهود إلى أنه كان يستخدم مزدوج الجسم أو دوبلير بعد إجراء جراحة تجميلية له ليشبهه تماماً.

وأظهر كيم جونغ إيل (الزعيم السابق لكوريا الشمالية والد الرئيس الحالي كيم جونج أون) خوفاً مفرطاً من الاغتيال أثناء طيرانه، وهو ما جعله يسافر دائماً عبر قطار محمي بالدروع، حتى عند سفره إلى موسكو.

وكان الدكتـاتور البورمي ثان شوي في غاية القلق من الطبيعة الضعيفة لحكمه لدرجة أنه نقل عاصمة بورما ذات مرة إلى موقع بعيد في قلب الغابات دون مياه جارية أو كهرباء؛ مدفوعاً بنصيحة منجمه الشخصي.

ويعتقد علماء النفس أن هذا النوع من القلق الارتيابي يختلف كثيراً عن الحذر المعتاد، لأن الأشخاص الذين يعانون من جنون العظمة يحيطون أنفسهم ببيئة تغذي الأوهام الكبرى فيما يتعلق بأهميتهم الذاتية، كما في حالة صدام حسين الذي اعتبر نفسه (منقذاً) للشعب العراقي، ومعمر القذافي الذي توج نفسه (شاهنشاه) أو (ملك ملوك إفريقيا)، وكيم جونغ إيل الذي ألصق بنفسه لقب (الإله الحاكم).

كما أن اضطراب الشخصية الحدية يرتبط بمستويات عالية من القلق، ومع وجود مخاطر فعلية فإن الشخص قد يُصدِر تصرفات تتسم بعدم المعقولية والغرابة، كما في حالة معمر القذافي، الذي تأرجح كما هي العادة في النرجسية المتطرفة بين تضخم صورته الذاتية، ولعب دور الضحية المتآمَر عليها من مجموعة من «الجرذان»، فقد رفض لقب «الرئيس» لأنه كان يعتبر نفسه أكبر بكثير من أن يكون مجرد رئيس دولة، وحاز في المقابل رقماً قياسياً في الألقاب المختلفة، مثل: قائد الثورة، وإمام المسلمين، وعميد الحكام العرب، وملك ملوك إفريقيا.

الحاجة الشديدة إلى القوة:

بحسب نظرية الحاجات الشهيرة لعالم النفس ديفيد ماكليلاند فإن هناك ثلاثة محفزات كبرى لدى البشر، وهي:

الحاجة إلى الإنجاز.

الحاجة إلى الانتماء.

الحاجة إلى السلطة أو القوة.

وبحسب الدافع المهيمن على الشخص تتحدد أنماط سلوكه وطريقة قيادته، وأثَّرت هذه النظرية كثيراً في علم النفس السلوكي، كما تعرضت لانتقادات، ولكنها - على أيَّة حال - ركزت على أهمية دافع الإنجاز باعتباره هو ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات، ويحمي الإنسان من (مطاردة الأوهام التي ليس له فيها باع)، بخلاف الدافعَين الآخرَين، حيث الهوس بالقوة والتحكم في الآخرين، أو التبعية حيث ينساق الإنسان عند سيطرة أي منهما لاتباع الأوهام سواء عن استحقاقه الذاتي وقوته، أو عن القيم الشائعة في المجتمع والثقافة المحيطة.

ويجب التنبه هنا إلى أن الدوافع الثلاثة موجودة لدى الأشخاص بدرجات متفـاوتة، ودافع القوة يحرك أغلب القادة، وهو شيء طبيعي لأنه يُغذي الصفات القيادية مثل الشجاعة والثقة والإقناع وتولي زمام الأمور، ولكن النظرية تفرق بين نوعين من الحاجة إلى السلطة:

الأول: هو السلطة الاجتماعية حيث يُبدي من خلالها الشخص اهتماماً بالآخرين، ويتمتع بصفات القائد الذي يتحمل مسؤولية أفعاله، ويتبنى قيادة الفريق والعمل المؤسسي.

أما النوع الثاني: فهو القوة الشخصية؛ فيستغلون فيه الأشخاص الآخرين لمصلحتهم الخاصة، ويتورطون في الاعتداءات الجسدية أو النزاعات والتهور، ويتبعون جميع الأساليب بما فيها الكذب والتخويف والاحتيال[2].

وأظهرت العديد من الدراسات أنه في حين يرتبط دافع الإنجاز لدى القادة بتنمية بلدانهم اقتصادياً وعلمياً، وحل الأزمات، فإن دافع القوة الشخصية له تأثير سلبي أثناء حلول النزاعات؛ إذ يمنع صناعَ القرار والمفاوضين من تقديم تنازلات أو الوصول إلى حلول وسط، وهو العامل المشترك بين رؤساء الولايات المتحـدة الذين انخـرطوا في الحروب. وفي أزمة الصواريخ الكوبية تم نزع فتيل المحرقة النووية بين روسيا والولايات المتحدة في اللحظات الأخيرة؛ إذ كان الأشخاص ذوو الحاجة الشديدة إلى القوة والمؤثرين على صناع القرار في غرفة الحرب يدفعون باتجاه اتخاذ قرارات من شأنها أن تشعل حـرباً نووية عام 1962م[3].

الحاجة إلى القوة كانت هي المحرك والدافع الأهم، وربما الوحيد لدى معمر القذافي، ويتجسد ذلك في سعي ليبيا إلى تحقيق مكاسب سياسية في تشاد عن طريق الإستراتيجية العسكرية، وكان الغرض الرئيسي هو عدم إمكانية القيام بأي عمل داخل تشاد من دون مشاركة طرابلس.

وعكس هذا الصراع الطويل الدوافعَ الدبلوماسية الليبية وطموحات القذافي الجيوستراتيجية، وكان التدخل العسكري في تشاد من اختصاصات القذافي شخصياً وعدد قليل من المقربين منه تم اختيارهم بعناية؛ إذ كان القذافي يستقبل شخصياً أمراء الحرب والمتمردين التشاديين الموالين لليبيا، ولم تكن القرارات الصادرة عن هذه اللقاءات إلا تعليمات شخصية من القذافي للمتمردين.

ولجأ نظام القذافي إلى التحالفات المضادة التي تفتقر للتماسك السياسي والأيديولوجي؛ فقد دعمت لييبا عام 1983م عسكرياً جماعات المتمردين من الجنوب النصراني الذين يحاربون قوات حسين حبري، العدو اللدود لطرابلس، وهو الموقف الذي يتناقض تماماً مع التصريحات الليبية قبلها بوقت قصير عن دعم قضية الشمال المسلم[4].

ولم تقتصر رغبة القذافي في التوسع والسيطرة على تشاد؛ فقد ساهم في تأجيج الحرب الأهلية اللبنانية، وأنفق عشرات الملايين من الدولارات ليكون حاضراً في السياسية اللبنانية ودَعْمِ فصائل بعينها، واستخدامِها في قتاله مع تشاد بمقابل مادي وتحت ستار (المساندة العربية والقومية).

وأمام كل تلك الملايين التي أنفقها في أطماع التوسع وتأجيج الحروب[5]، ترك بلاده مدمرة البنية التحتية، اللهم إلا من أوهام (النهر الصناعي العظيم) الذي وصفه بالمعجزة الثامنة ولم يترك مناسبة إلا تباهى به، وهو مشروع ضخم لنقل المياه عبر أنابيب عملاقة تمتد لمسافة نحو 4000 كيلومتر، تجاوزت كلفته 35 مليار دولار؛ غير آبهٍ بتحذيرات الخبراء بوقوع أضرار بيئية، ولا ملتفتٍ إلى مشاريع بديلةٍ لتأمين المياه عبر تحلية مياه البحر.

متلازمة الغطرسة:

صاغ اللورد (دافيد أوين) الطبيب النفسي ووزير خارجية بريطانيا الأسبق ورئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي مفهوم «متلازمة الغطرسة» Hubris syndrome التي اعتبرها من المخاطر المهنية الناتجة عن السلطة سواء لدى السياسيين أو غيرهم، وتنشأ عند بعض القادة، نتيجة لسماتهم الشخصية والظروف الخارجية، وحالة العزلة التي غالباً ما تحيطهم، ولخصها بقوله: «عندما تظهر قيادة قوية فخراً وغروراً وثقةً زائدة في نفسها، وتتعامل بوقاحة واحتقار مع الآخرين»[6].

وعلى عكس معظم اضطرابات الشخصية التي تظهر في مرحلة البلوغ المبكر، فإن متلازمة الغطرسة يمكن أن تظهر في أي عمر بعد فترة من البقاء في السلطة.

وذكر أوين في كتـابه عدداً من أعراض المصاب بمتلازمة الغطرسة، وهي:

يرى العالم مكاناً لتمجيد ذاته من خلال استخدام القوة والعنف.

لديه أولوية باتخاذ إجراءات مختلفة لتعزيز صورته الشخصية.

يظهر اهتماماً فائقاً وغير معقول بصورته وحضوره.

يستخدم خطاباً حماسياً تمجيدياً.

يخلط بين نفسه وبين الأمة أو الدولة أو المؤسسة التي يرأسها.

يستخدم ضمير المتكلم (نحن) في محادثاته وخطاباته.

يظهر ثقة مفرطة بالنفس.

يظهر احتقاراً للآخرين.

يُظهر عدم اكتراث بالمساءلة إلا أمام الله أو التاريخ، فمن علامات هذه المتلازمة عدم الاكتراث بأية مساءلة دنيوية.

يُظهر اعتقاداً راسخاً بأن موقفه أمام الله أو التاريخ قوي وجيد.

يفقد الاتصال بالواقع.

يلجأ إلى التهور والإجراءات الاندفاعية.

إظهار استقامة أخلاقية لتجنيب النظر إلى تطبيقه العملي أو عواقب قراراته.

يُظهر عدم كفاءة واستخفافاً بالمشكلات والأزمات.

تتشابك أعراض متلازمة الغطرسة، مع سمات النرجسية المتطرفة والسعي الحثيث للقوة مع غياب آليات اتخاذ القرار ودراسة الواقع، وهو ما يدفع هؤلاء القادة إلى الدخول في حروب وتأجيج نزاعات لتمجيد أنفسهم في صورة الوطن المتماهي مع ذواتهم، ولكن الخطـابات الحماسية، وفَقْد الاتصال بالواقع وخلق واقع موازٍ افتراضي تصنعه دائرة الإعلام الضيقة لهؤلاء الزعماء لا تحميهم، ولا تجنب شعوبهم ويلات الحروب.

أعلنت اليابان حرباً غيـر محسوبة على الولايات المتحدة الأمريكية، فدمرتها الحرب، وانتحر وزير الحرب اليـاباني (كوريشيكا أنامي) على طريقة الساموراي، وتم احتلالها لأول مرة في تاريخها، لينتهي بها الأمر إلى الاستسلام غير المشروط، والخضوع لعملية إعادة التشكيل التي أرادها الأمريكيون.

وفي ظرف كهذا تقع الأمم في حالة انتحار باستمرار مسلسل الحماقات ولو على شكل هبَّات غاضبة، أو الانتحار السلبي الجماعي بالغرق في رثاء الذات، ولوم القوى العالمية، والوقوع في أتون الحرب الأهلية، ولكن اليـابان الجـريحة ركزت في النصف الثاني من القرن العشرين على التعافي من دمار الحرب، واستطاعت اللحاق بالغرب اقتصادياً وتكنولوجياً، لتصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم، مع إعادة صياغة مؤسساتها المقولبة أمريكياً بما يلائم الثقافة اليابانية، ومع زيادة نفوذها دولياً باعتبارها دولة مانحة.

وعلى النقيض فعل الرئيس العراقي صدام حسين؛ فقد خرج من حرب طاحنة مع إيران بدأت بمحـاولته للغزو، واستمرت ثماني سنوات، وخلفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى، وخسائر تعدت 400 مليار دولار للطرفين، وانتهت (قادسية صدام) بتعادل صفري مدمر، ليدخل بعد ثلاث سنوات فقط في حرب أخرى مع جيرانه الأقربين الذين ساندوه من قبل، ليدفع العراق والمنطقة أثماناً فادحة لحرب الخليج الثانية، دمرت اقتصاد العراق وجيشه وزعزعت استقراره الداخلي وفرضت عليه الحصار، وقتلت عشرات الآلاف من أبنائه، ومهدت الطريق إلى احتلاله.

وعندما يتماهي الوطن في الحاكم، ويسود شعار مثل: «العراق هو صدام حسين، وصدام حسين هو العراق» فليس بغريب أن تُحرق ثروات ومقدرات دولة كالعراق لأجل نزعات وطموحات ونرجسية فرد.

صناعة الوهم ثم تصديقه:

كان الإعلام العربي والمصري يصنع الوهم ويصدقه، ويَعِد الملايين بالنصر المبين، وظل يردد الأخبار الكاذبة حتى إن إذاعة صوت العرب بثت بياناً كاذباً يعلن الانتصار في الحرب، وجاءت العناوين الرئيسية للصحف المصرية بالبشائر الكاذبة عن إسقاط 250 طائرة للعدو في ساعات الحرب الأولى، وتوغل القوات العربية داخل (إسرائيل) وأنها تتجه نحو تل أبيب، بينما كانت الأمور على أرض الواقع على العكس تماماً؛ فقد مُنيَت الأمة العربية والإسلامية بواحدة من أعظم هزائمها عبر التاريخ، وما تزال تدفع ثمنها حتى الآن.

الثقة المفرطة، والخطاب الحماسي، والاستخفاف بالمعركة ومعطيات الواقع كلها من أعراض متلازمة الغطرسة، وهي المكونات الأساسية للخطاب السياسي والإعلامي في مصر إبَّان النكسة وأثناءها؛ فـ (إسرائيل) التي توعد جمال عبد الناصر بإلقائها في البحر، واستخف بالمعركة معها إلى حدِّ وصفها بـ (النزهة) التي ينتظرها على أحرِّ من الجمر، والتأكيد على أنه سيمحوها من على وجه الأرض، منعت نشر أي شيء عن الحرب وتمكنت (في سـتة أيام) بحسابات الواقع لا الخطب العنترية أن تجتاح شبه جزيرة سيناء وصولاً إلى قناة السويس، والاستيلاء على الضفة الغربية بأسرها حتى نهر الأردن، والاستيلاء على جزء كبير من هضبة الجولان، والاستيلاء على البلدة القديمة في القدس، ومدينتي غزة وخان يونس في قطاع غزة الذي كان تحت السيادة المصـرية آنذاك، وقتل وجرح وأسر آلاف الجنود العرب، وأمريكا التي خيَّـرها عبد الناصر بالشرب من البحر الأحمر إذا لم يعجبها البحر الأبيض، هي نفسها التي ألقى الإعلام المصري باللوم عليها بعد أيام من النكسة، وحمَّلها المسؤولية.

«تطرفت الصحف في الثقة بالنفس، وبالقدرة على إلحاق الهزيمة بإسرائيل وتجاوز البعض ذلك إلى حدِّ الغرور والتقليل من شأن العدو، وعمدت الصحافة إلى تهيئة الرأي العام للمعركة التي سندمر فيها إسرائيل.

وظلت الصحف إلى اليوم الذي أعلن فيه عبد الناصر تنحيه (9 يونيو 1967م) تنشر سيلاً من البيانات التي تذكر أرقاماً ضخمة للطائرات التي أُسقطَت للعدو الإسرائيلي حتى أعلن الرئيس بنفسه أننا أُصبْنا بنكسة، كما سماها في ذلك الوقت»[7].

وختاماً: فإن السمات التي ذكرناها تجهز صاحب القرار للقفز فوق معطيات الواقع، وحسابات المصالح والمفاسد في قرار خطير كالحرب، فيندفع نحو نزاعات كان يمكن تجنبها، لتمجيد نفسه، أو توسيع نفوذه، وإشعال حروب خاسرة عُدته الرئيسية فيها خطاباته الحماسية، وإعلامه المضلل، وأوهامه الشخصية عن نفسه، حتى إذا ما كشرت له الحرب عن أنيابها، وأحاطت به الخسائر، هُرع إلى الإنكار، ثم إلقاء اللائمة على غيره، وتجاوز الحماقة بحماقة أخرى، والخروج من الحرب إلى حرب جديدة.


 


[1] مقال Seth Davin Norrholm Ph.D.، Samuel Hunley Ph.D. «سيكولوجية الديكتاتوريين: القوة والخوف والقلق» منشور في موقع anxiety.org- 2016م.

[2] دراسة Joe c. Mageerrie A. Langner b a Robert F. Wagner «كيف يؤثر دافع القوة الشخصي والاجتماعي على عداء المجتمع واتخاذ القرارات الاجتماعية؟» جامعة نيويورك.

[3] ليلى عبد المجيد، تطور الصحافة المصرية من 1952 إلى 1981م، دار العربي للنشر والتوزيع، ص52.

[4] ليبيا تشاد: ما وراء النفوذ السياسي- موجز مجموعة الأزمات الدولية رقم 71 حول إفريقيا، 23 آذار/ مارس 2010م.

[5] بعد اتهام النظام الليبي بتفجير لوكيربي تم التصالح على دفع تعويضات قيمتها 2.7 مليار دولار لأهالي الضحايا الطائرة الأمريكية التي انفجرت فوق أسكتلندا عام 1988م جراء وضع حقيبة متفجرات على متنها.

[6] كتاب «في المرض وفي القوة: عن متلازمة الغطرسة وأمراض زعماء الدول خلال السنوات المئة الأخيرة» نقله إلى العربية يوسف الصمعان، دار جداول، 2017م.

[7] ليلى عبد المجيد، تطور الصحافة المصرية من 1952 إلى 1981م، دار العربي للنشر والتوزيع، ص52.