جاءت الشريعة الإسلامية بضرورات خمس وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وجعلت على ذروة سنام أولوياتها حفظ النفس البشرية وصيانتها من كل أذى؛ ذلك أن النفس البشرية من صنع الله وإنشائه، وبها وعليها تقوم الدنيا ويمتد العمران، ويقام الدين ويشتد عوده، ولهذا توعد الله من أزهقها، يستوي في ذلك المسلم وغير المسلم؛ فالحياة استحقاق لجميع البشر المعصومين.

لقد أعلنها القرآن الكريم مدوية صـريحة لا لبس فيها ولا غموض: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَـمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32]، وفي هذا تقرير من رب العالمين بحفظ حق الإنسان في الحياة وحرمة إراقة دمه، وجعل حرمة الدم المسلم أشدَّ من حرمة الكعبة المشرَّفة ذاتها، وأوجبت الشريعة القصاص في القتل العمد ما لم يعفُ ولـي الدم، أو يقبل بدلاً. كما أوجبت في حالة القتل الخطأ شبه العمد، ديةً مغلظةً قوامها أربعون ناقة في بطونها أولادها، وذلك لتغليظ حرمة الدم فلا يتساهل فيه.

وجاءت الأحاديث النبوية محذِّرة ومتوعدة قتل النفس المحرمة؛ إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم  بأن قتل النفس التي حرَّمها الله من أكبر الكبائر بعد الشرك، بل إن أول ما يقضى يوم القيامة في الدماء، للخطر العظيم الذي يحصل بسببها، وللتبعات الخطيرة بعد إراقتها من شيوع العدواة والبغضاء وروح الثأر بين الناس على نحو يفسد المجتمعات ويضعف عزمها عن مجابهة التحديات؛ فعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وَأَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمْ اللَّهُ فِي النَّارِ»[1].

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «لَنْ يَزَالَ المؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَماً حَرَاماً»[2].

وعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عمر رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَداً لَمْ يَرحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَد مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاماً»[3].

فإذا كان هذا الوعيد لمن قتل نفساً معاهدة؛ فكيف بمن قتل نفساً مسلمة لربها، طائعة لنبيها؟

والمتأمل سيجد أن إراقة الدماء المعصومة أمر مستقبح في كافة الشرائع السماوية، وإلا ما قال سيدنا موسى بعد قتله ذلك القبطي: «هذا من عمل الشيطان»، وكما أن إزهاق النفوس مستقبح في الشرائع البشرية؛ فإن حفظ النفس المعصومة هو من أصول الأديان كلها. وكان موسى يعلم دين آبائه لعله بما تلقِّاه من أمه المرأة الصالحة في مدة رضاعه وفي مدة زيارته إياها[4].

وللوعيد الذي أقره الشرع لمن يستحل دماً حراماً، كان التحـذير من مقدماته التي قد تفضي إليه؛ فنهى عن ترويع الآمنين فضلاً عن تعذيبهم، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم  أنه قال: «لا يحل لرجل أن يروع مسلماً‏»[5].

وعن سليمان بن صرد أن أعرابياً صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  ومعه قرن فأخذها بعض القوم فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم  قال الأعرابي‏:‏ القرن! فكأن بعض القوم ضحك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يروعن مسلماً‏»‏‏[6].

وفي حديث آخر: «من أشار إلى أخيه بحديدةٍ فإن الملائكة تلعنُه حتى يدعَها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه»[7].

مفهوم الأمة الإسلامية وواقعها المعاصر:

جاء في المعجم الوسيط أن الأمة جماعة من الناس أكثرهم من أَصل واحد، وتجمعهم صفات موروثة، ومصالح وأَمان واحدة، أو يجمعهم أمر واحد من دين أو مكان أو زمان.

بعيداً عن التأصيل المعرفي لمصطلح الأمة، فضلاً عن الأمة الإسلامية؛ فإن المتأمل في نصوص الكتاب والسنة سيجد أن مصطلح الأمة المسلمة يشير إلى الإنسان سواء كان فرداً أو جماعة؛ يؤمنون بالعقيدة الإسلامية ويحملون رسالة الإسلام إلى عموم البشر بالموعظة الحسنة. والخيرية بين الأمم مرتبطة بالخير الذي تحمله وتقدمه للناس، يقول ربنا: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْـحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: ١٨١]، وقال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110][8].

في الواقع لقد شهدت الأمة الإسلامية عهوداً من العز والازدهار لَـمَّا التزمت أمر ربها، وأطاعت نبيها، وسارت على الدرب، فاستطاعت في غضون سنوات معدودة أن تنشر رسالة السلام والمحبة في مشارق الأرض ومغاربها، ولم تستطع قوة من قوى الأرض أن تنال منها، لكن لَـمَّا تخلت عن منهج الله الذي ارتضاه لها، وتركت رسالتها التي ابتعثها الله من أجلها، ونالت الخيرية بسببها نزلت بها المصائب والكوارث؛ فهي اليوم تعيش واقعـاً مـريراً، حيث صارت القصعة المستباحة لأمم الشرق والغرب كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم .

والأنكى من ذلك صـار بأسها بينهـا شديداً؛ إذ صارت دولاً متفرقة تفصل بينها حدود مصطنعة بيد عدوها، الذي غذى النعرات المحلية واستبدل بعقيدة التوحيد الصافية الوطنية، والقومية، والاشتراكية فشاعت الكراهية بين الشعوب المسلمة التي كانت بالأمس القريب كياناً واحداً، ورأينا تخاذلاً عن نصرة المسلمين المنكـوبين في مناطق مختلفة من المعمورة. فلقد غاب عن الأمة أهم عنصر من عناصرها ألا وهو عنصر الرسالة، التي تحمل في طياتها العطاء الموجَّه للآخرين بغية الحفاظ على بقاء النوع البشري والارتقاء به، دون الارتباط بالدم أو الجغرافيا أو الجنس أو اللون أو التنوع على مستوى الشعوب أو القبائل.

ولهذا فإن استمرار الأمة في الحياة بقوة وعزة مرهون باستمرار حملها للرسالة، وما يتفرع عنها من تطبيقات في مجالات الحياة المختلفة، فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة أو توقفت فاعليتها أو تقلصت تطبيقاتها، انتهى وجود الأمة، وسلط الله عليها عدواً وجعل بأسهم بينهم شديداً، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم  بذلك؛ فعن عامر بن سعد، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أقبل ذات يوم من العالية حتى إذا مرَّ بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف إلينا فقال صلى الله عليه وسلم : «سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة؛ سألت ربي أن لا يُهلك أمتي بالسَّنة فأعطانيها. وسألته أن لا يُهلك أمتي بالغرق فأعطانيها. وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها»[9].

ولما كانت الأمـة مجتمعة تسودها روح الإسلام، وتلتزم بأحكامه، لم يكن لعدوها منفذ إليها ولا طمع فيها، لكن لما اختلفت جاء التدمير الذاتي. والاختلاف فتنة عظيمة يتبعها فتنة أعظم ألا وهي فتنة الدماء. والمتأمل في تاريخ أمتنا القديم والحديث سيلحظ ذلك بوضوح.

انظر كيف فعل الاختلاف زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكيف فعل الاختلاف في زمن علي ومعاوية رضي الله عنهما وصولاً إلى زمننا هذا الذي فعل فيه المسلمون ببعضهم ما لم يقدر عليه عدوهم.

إن ما نراه اليوم في أمتنا العربية والإسلامية من اقتتال واضح بين الإخوة في الدين والمعتقد ليجسد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولعله عقاب واضح من رب العالمين على ابتعاد الأمة عن دينها، وتخليها عن رسالتها، فبأسها بينها شديد، وسيظل البأس شديداً ما لم تستجب لأمر ربها وتوجيهات نبيها، وسعت لتوحيد كلمتها، واجتماع صفوفها.

تغليب المصالح على المفاسد:

في ظل أوضاع أمتنا الإسلامية التي لا تخفى على أحد وما آلت إليه من التشرذم والهوان، يتحمل كل فرد من أفرادها المسؤولية أمام الله، فيبادر للتوعية بتعظيم حرمة الدماء والتقاتل بين المسلمين، مع السعي لتقوية الصلة بينه وبين إخـوانه من المسلمين، والتعالي على الاختلافات والشتات الذي أدى إلى الفشل وفتح الباب واسعاً للفوضى التي دمرت الإنسان قبل الأوطان.

وإن كان على الأفراد أدوار وواجبات فالحكام والزعماء عليهم كذلك مسؤوليات جسام؛ فالظلم والاستبداد وغياب الحريات أسباب لإراقة الدماء؛ فهم مطالَبون بتحكيم شرع الله في جميع جوانب الحياة ابتداءً، ثم تغليب المصالح على المفاسد من أجل حقن الدماء، فهم المسؤولون عما يحصل في حدود دولهم، من تأمين المعيشة والحماية اللازمة وحفظ الدماء، فضلاً عن مقاومة الأعداء، وإذا لم ينجحـوا في هذه الأمور فعليهم ترك مواقعهـم ولا مبرر على الإطلاق لبقائهم على كراسيهم؛ من أجل حفظ بلادهم وحقن دماء شعوبهم.

رضي الله عن الخليفة الحيي عثمان بن عفان، فلقد كان رحمه الله نموذجاً رائداً في تحمل مسؤولياته تجاه شعبه؛ إذ لما تم الحصار، وأحاط الخارجون عليه بالدار وخيروه بين أن يخلع نفسه أو القتل، فرفض أن يخلع نفسه وقال: لا أخلع سربالاً سربلنيه الله، يشير إلى ما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بينما كان قلة مِن الصحابة - رضوان الله عليهم - يرون خلاف ما ذهب إليه، وأشار عليه بعضهم بأن يخلع نفسه ليعصم دمه، ومِن هؤلاء المغيرة بن الأخنس رضي الله عنه، لكنه رفض ذلك، ولم يتردد عثمان رضي الله في الخلع من عدمه، ولا شك أن موقفه هذا موقف حكيم ذلك أن الاستجابة لمطالب الثوار وهم فئة قليلة من الأمة وليسوا من أهل الحل والعقد ولا من فقهاء الشريعة ستكون لها آثار خطيرة على مسيرة الأمة وهيبة الخلافة وعلاقة الراعي بالرعية، وكان ثمن ذلك أن دفع الخليفة حياته وهو يعلم بمصيره ويستسلم له وهو أمر ثقيل على النفس لكنه قدم مصالح الأمة على مصلحته الشخصية[10].

وعثمان رجل من الرجال الذين تربَّوا في مدرسة النبوة ورأى كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم  ينظر في المصلحة ويغلِّبها على المفسدة، ومن ذلك تَرْكُه صلى الله عليه وسلم  قتل المنافقين خشية فتنة تنفير الناس من الدخول في الإسلام، فقال صلى الله عليه وسلم : «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»[11].

إن غياب هذا السلوك النبوي فتح الباب واسعاً أمام التساهل في إراقة الدماء، بالتأويل تارة، وبالباطل تاراة أخرى؛ فلا مبرر لقتل أحدهم حتى وإن كان مخطئاً؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم  لم يقتـل المنافق ابن سلول، ولا خطأٌ أكبر من النفاق، ومع ذلك ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم  أروع المثل في مسألة النظر إلى المآلات، وقلده في ذلك سيد شباب أهل بيته سيدنا الحسن بن علي رضوان الله عليهم جميعاً؛ فسيدنا الحسن بن علي عصم دماء المسلمين بتنازله لمعاوية رضي الله عنه رغم أنه الأحق بالخلافة، لكنه سعى لتكون الأمة جسداً واحداً ويعطل الفرصة على أولئك الذين ينتظرون وقوع الفتنة بين المسلمين لينالوا منهم.

إن الهوان الذي انغمست فيه الأمة الإسلامية والذل الذي خلف تشرذماً ودماء؛ سببه عدم توحدها تحت راية الدين، وغياب مفهوم الحوار البنَّاء لحل المشكلات والوصول إلى صيغة مُرْضيَة ترضي كافة الأطراف، فضلاً عن غياب تقديم المصلحة العامة للأمة على المصالح الضيقة، ناهيك عن عدم توحدها، فلو استجابت الأمة للشعار الذي رفعه آخر سلاطين الخلافة العثمانية: «يا مسلمي العالم اتحدوا» ما كان لمشروع مصطفى كمال أتاتورك أن ينجـح، ولَـمَا تكالبت علينا دول الغرب بقيادة فرنسا وبريطانيا، وما رأينا اتفاقية سايكس بيكو التي نتج عنها تقاسم منطقة الوطن الإسلامي بين فرنسا وبريطانيا إلى دويلات متنافرة متقـاتلة على حدود صنعها العدو، كل قطر يحرص على مصلحته الشخصية ولا يهتم بحقوق الأمصار الأخرى، وخاصة المجاورة له؛ فاليوم ما تزال الحدود (العربية - العربية) تشهد نزاعات وخلافات على مناطق تقول دولتان في الوقت نفسه إنها جزء من أراضيها، كالحاصل اليوم بين مصر والسودان على منطقة حلايب وشلاتين الحدودية. أو كالحاصل بين المغرب والجزائر بسبب مطالبة المغرب بمنطقتي بشار وحاسي بيضة باعتبارهما منطقتين (مغربيتين)، وكذلك الجزائر.

انظر إلى الحرب التي وقعت بين ليبيا وتشاد بدءاً من عام 1973 وحتى 1987م، والتي سالت فيها كثير من الدماء، بعد تدخل ليبيا القذافي في الشؤون التشادية واحتلال قطاع أوزو الحدودي الغني باليورانيوم والمنغنيز بناء على تصورات غير دقيقة؛ إذ كان يزعم القذافي أن الإقليم كان تابعاً للدولة السنوسية استناداً إلى الاتفاقيات التي وقَّعتها دولتا الاحتلال (إيطاليا في ليبيا وفرنسا في تشاد)، وكان دافع القذافي أنه ينظر إلى القطاع على أنه البوابة التي تمكنه من استخدام تشاد قاعدةً لتوسيع نفوذه في إفريقيا الوسطى. حيث اعتبر العقيد معمر القذافي أن تشاد هي مجاله الحيوي، الذي يجب أن يوليه اهتمامه الأساسي، وذلك لضمان الحصول على موارد بديلة لمورد البترول الذي كان مقدراً له أن ينضب خلال خمسين عاماً.

ومنذ دخول ليبيا الحرب وحتى خروجها منهزمة بعد الدعم الفرنسي الذي تلقته تشاد بقيادة الرئيس حسين حبري، سالت دماء مئات بل آلاف من الليبيين وما تزال عظام الجنود الليبيين منثورة، في صحراء أوزو شمال تشاد، أما ملف الجرحى فهو مما يدخل في غياهب النسيان ويبقى أسير الروايات التي تحكي عن رميهم في البحر أو الصحراء.

وعلى الرغم من تدخل منظمة الوحدة الإفريقية لرأب الصـدع بين المتخاصمين في ظل تأجيـج بعض البلدان العربية لحالة الحرب وتغافل بعض البلدان الأخرى؛ إلا أن تغليب المصالح على المفاسد كان مختفياً حيث كان العقيد القذافي يجمِّل أفكاراً تتجاوز حدود ومقدرة بلاده غير شرعية وغير منطقية، ولو استغل القذافي المعطيـات التي فرضها التـاريخ والجغرافيا ومن قبلهما الدين لعصمت الدمـاء التي بلغت 6000 جندي ليبي علاوة على أسر ما لا يقل عن 2000 جندي آخر؛ ذلك أن تشاد هي الدولة الأكثر تداخلاً مع ليبيا اجتماعياً عبر القبائل ولتاريخهما المشترك[12].

كذلك لـم يبتعد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عما فعله نظيره الليبي معمر القذافي؛ فلقد غزا الأول دولة عربية شقيقة تاركاً ندبة لا تزول وجرحاً لا يُنسى في ذاكرة الشعب الكويتي المسلم.

ففي أغسطس من عام 1990م شن الجيش العراقي هجـوماً على الكويت استطاعت من خلاله القوات العراقية أن تضم دولة الكويت إلى أراضيها ثم شكلت حكومة صورية برئاسة العقيد علاء حسين تحت مسمى جمهورية الكويت.

نسي صدام حسين وقوف الكويت بجواره في حربه مع إيران وتزويده بالمال اللازم، ونسي حرمة الدماء وراح يغزو دولة مسلمة فنهب أهلها وسلبهم، وفي خبث واضح شجعت أمريكا صدام في خطوته هذه، ويبدو أنها كانت تشجعه على هذه الخطوة لتخلق لنفسها مكـاناً في جزيرة العرب وما حولها، ونتيجة لتهوره وتغييبه للمصالح اضطر بعض علماء الأمة الإسلامية أن يصدروا فتاوى تجيز الاستعانة بالكفار في محاربة دولة إسلامية معتدية؛ ذلك أن جيش صدام كان من القوة والمنعة ما لا يقدر عليه إلا دولة أقوى منه.

لقد حفر صدام قبره بيده حينما غاب عنه تبعات فعله المشين؛ من إشعال الصراعات الطائفية في المنطقة وتغلغل المشاريع الصفوية في العراق ومن ثَمَّ انتشارها على مستوى المنطقة وتحـويل العـراق بعد إسقاط نظام صدام إلى بلد يعج بالمشكلات، ومنبع للجماعات المسلحة التي هددت أمن المنطقة واستقرارها، وقبل ذلك كله إراقة كثير من الدماء المعصومة!

وما زال كثيـر من الزعماء والقادة الذين يحكمون بلاد الإسلام في بُعد تامٍّ عما يحفظ على البلاد أمنها، وعلى الشعوب دماءها؛ فترى منهم المتمسك بكرسيه حتى الموت ولو أريقت في سبيله دماء كل الشعب.

وما زال فقه الأولويات وتغليب المصالح على المفاسد غائباً عن كثير من حكومات الدول الإسلامية، فضلاً عن الأحزاب السياسية ومتصدري الخطابات الشعبية والوعظية، وما زالت الاستهانة بقتل الآمنين في زيادة ملحوظة، وكأنه لم يئن الأوان لحقن الدماء والاستجابة لوصية النبي صلى الله عليه وسلم : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا»[13]. وكأنه لم يئن الأوان لتغليب المصالح على المفاسد والحفاظ على مكاسب الأمة والاستعلاء على النزوات والشهوات والطموحات الفردية.

علماء الأمة وواجب الوقت:

إن المسؤولية الملقاة اليوم على عاتق علماء الأمة في ظل ما يحصل وما هو متوقع، أكبر من أي وقت مضى؛ إذ عليهم أن ينشطوا لوقف النـزيف الذي لم ينقطع عقوداً من دماء المسلمين، وللعمل على توحيد الأمة بتصحيح الانتماءات، ونبذ العصبيات، والبعد عن إذكاء النعرات التي تخدم أهداف أعداء الأمة.

وليعلم الأفراد أن من أراد السلامة لنفسه وأهله وشعبه، فعليه ألا يتورط في دماء المسلمين وغير المسلمين المعصومة، فضلاً عن الشماتة فيها أو الفرح بها، ولتدرك المجتمعات بمن فيها من حكام ومحكومين أن الترخص في قتل الناس - ولو تأويلاً - سيؤدي مع الوقت إلى إلفه، وهم ما سينعكس في تدهور المجتمع وضعف نسيجه لكثرة العداوات.

وأخيراً ليتذكر كل إنسان قول النبي صلى الله عليه وسلم : «لنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَماً حَرَاماً»[14].


 


[1] رواه الترمذي (1398)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».

[2] رواه البخاري (6469).

[3] أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

[4] الطاهر بن عاشور تفسير سورة القصص.

[5] رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجال الكبير ثقات‏.‏

[6] رواه الطبراني من رواية ابن عيينة عن إسماعيل بن مسلم، فإن كان هو العبدي فهو من رجال الصحيح، وإن كان هو المكي فهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات‏.‏

[7] رواه مسلم.

[8] الأمة المسلمة مقال للدكتور ماجد عرسان الكيلاني.

https://www.alukah.net/culture/0/43272/

[9] صحيح مسلم.

[10] كتاب: فتنة عثمان، للدكتور محمد عبد الله العبان.

[11] أخرجه البخاري، (4905).

[12] كتاب: النزاع الحدودي بين ليبيا وتشاد حول قطاع أوزو، السفير جلال عبد المعز.

[13] مجمع الزوائد للهيثمي.

[14] صحيح الجامع.