البيان/ الأناضول

لم تكن احتجاجات يهود الفلاشا (الإثيوبيين) الأسبوع الماضي والتي تجددت الإثنين، الأولى، ولكنها الأكثر عنفًا لتعيد طرح أزمة المهمشين من جديد على الساحة الإسرائيلية.

وكثيرا ما تشتكي الأقليات في الكيان المحتل بما فيها اليهود من أصول إثيوبية وروسية وذوي الأصول الشرقية من ممارسات تمييزية ضدهم، ويقول ناشطون فلاشا إنهم يعانون من سياسة تمييزية ضدهم في مؤسسات الحكومة تجعلهم مواطنين من درجة ثانية.

ولطالما اشتكى المواطنون العرب (قرابة مليون و900 ألف مواطن ويشكلون 21% من السكان) أيضًا من معاملة القانون الإسرائيلي لهم كمواطنين من الدرجة الثانية، ولكن في حالة الإثيوبيين فإن الحديث عن مواطنين يهود.

** الفلاشا 187 ألفا

واستنادا إلى دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، في تقرير اطلع عليه مراسل الأناضول، فإنه نهاية العام 2017 بلغ عدد اليهود من أصل إثيوبي في إسرائيل 148 ألفا، بينهم 87 ألفا ولدوا في إثيوبيا و61 ألفا في إسرائيل.

وخلافا لليهود الآخرين من أنحاء العالم، فإن هجرة اليهود الإثيوبيين تمت غالبا في سياق اتفاقات سرية وعبر بلدان ثالثة.

** "قانون العودة"

أطلقت حكومة تل أبيب شارة السماح لليهود الإثيوبيين بالهجرة إلى إسرائيل عام 1975، وقررت آنذاك، أن ما يسمى "قانون العودة" ينطبق أيضًا على اليهود الإثيوبيين.

وكان الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، قد أقر "قانون العودة" عام 1950، وأعطى بموجبه كل يهودي وعائلته "الحق" في الهجرة إلى إسرائيل والحصول على الجنسية بناءً على ديانته.

وفي العام 1977، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن، مخاطبًا جهاز المخابرات الخارجية "الموساد": "اجلبوا لي يهود إثيوبيا".

وعلى الفور توجه رئيس عمليات "الموساد" ديفيد كيمحي، إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وأبرم اتفاقا مع رئيسها آنذاك منغستو هيلا مريام، يقضي بتقديم السلاح مقابل السماح لليهود بالهجرة إلى إسرائيل.

** بداية هجرة الفلاشا

استنادا إلى هذا الاتفاق فقد وصلت أول مجموعة من يهود إثيوبيا وعددها 120 شخصًا إلى إسرائيل عام 1977.

ولكن عندما أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، موشيه ديان، في فبراير/شباط 1978، إن إسرائيل زوّدت إثيوبيا بالسلاح مقابل السماح بهجرة اليهود، سارع منغستو إلى إغلاق الحدود.

إلّا أن "الموساد" بدأ عام 1979 بتسهيل خروج اليهود من إثيوبيا إلى السودان ومنها إلى إسرائيل، وتم إخراج 32 إثيوبيًا يهوديًا.

** "عملية موسى"

وعام 1984 تم إطلاق "عملية موسى" التي تمت بموجب اتفاق سري بين حكومة إسرائيل والرئيس السوداني آنذاك جعفر النميري، والتي تسمح بإخراج 6 آلاف يهودي إثيوبي في 12 رحلة سرية عبر الخرطوم مرورًا بأوروبا وصولًا إلى إسرائيل، وفقًا لمصادر رسمية وأهلية إسرائيلية.

وتسبب الكشف عن الاتفاق الذي قضى بمنح السودان المال مقابل السماح بهجرة يهود إثيوبيا، بحالة من الغضب في الدول العربية، الأمر الذي أدّى إلى وقف "عملية موسى"، بحسب المصادر ذاتها.

لكن "الموساد" تمكن في مارس/آذار 1985، من إخراج 500 يهودي في عملية سرية باستخدام طائرة كبيرة مملوكة للولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى مدى السنوات اللاحقة نفذ "الموساد" العديد من العمليات السرية نقل فيها آلاف الإثيوبيين، أبرزها "عملية سلمان" التي أبرمت بين حكومتي تل أبيب وأديس أبابا، لتسهيل هجرة 34 ألف يهودي إلى إسرائيل في الفترة بين عامي 1991 و1992.

لم تتوقف عملية نقل اليهود الإثيوبيين منذ ذلك الحين، لكن بوتيرة أقل، وهي مستمرة حتى يومنا هذا، وقد أشارت دائرة الإحصاء الإسرائيلية أن 1467 من يهود إثيوبيا هاجروا في العام 2017 إلى إسرائيل.

وتلفت الدائرة إلى أن 60% من الفلاشا يقيمون وسط أو جنوب إسرائيل، لكن وجودهم الأبرز يتركز في مدينة كريات ملاخي (وسط) حيث يقيم 16% منهم.

** صعوبة الاندماج

ويواجه اليهود الإثيوبيون صعوبة في الاندماج داخل المجتمع الإسرائيلي، نظرًا لعدة أسباب أبرزها سياسة التمييز التي يواجهونها.

ويقول "مركز انغيلبرغ للطفولة والشباب" (خاص) في دراسة أصدرها عام 2017، بعنوان "اندماج الأولاد الإثيوبيين الإسرائيليين المراهقين"، إنه تم إيلاء اهتمام متواضع للمشاكل الخاصة بالمراهقين الإثيوبيين، وإنه لم يكن هناك نقاش عام تقريبًا حول كيفية تحسين وضعهم.

وتفيد معطيات دائرة الإحصاء المركزية، أنه في العام 2017، كان التكوين العمري للمهاجرين من إثيوبيا "شابًا نسبيًا" مقارنة بالمهاجرين الآخرين، وكان متوسط أعمارهم 20 عامًا، مقارنةً بـ 31 عامًا بين المهاجرين الآخرين.

** انتفاضة المراهقين

ولوحظ في الاحتجاجات التي اندلعت في إسرائيل خلال الأيام القليلة الماضية، أن غالبية الأشخاص الذين خرجوا إلى الشوارع كانوا من المراهقين.

واستنادا إلى معطيات دائرة الإحصاء، فإن نحو 45% من طلاب الفلاشا كانوا عام 2017 يدرسون في مدارس دينية حكومية، مقابل 51% يدرسون في مدارس حكومية عادية، و4% في مدارس يديرها المتدينون اليهود.

** تقوقع الفلاشا

وينظر إلى الجالية الإثيوبية على أنها "متقوقعة على نفسها"، فقد تزوج 88% منهم من أشخاص يحملون نفس الأصول، فيما كانت نسبة الطلاق في أوساطهم أعلى بمعدل الضعف مقارنة مع المستوى في أوساط اليهود.

ومقارنة مع بقية الإسرائيليين اليهود، فإن نسب الفقر في أوساط الفلاشا تظل الأكثر ارتفاعًا.

** 41 بالمئة من الفلاشا فقراء

استنادا إلى معطيات "المشروع الوطني للجالية الإثيوبية" (خاص)، فإن 41% من عائلات الفلاشا كانت في حالة من الفقر عام 2012، مقارنة مع 15% في أوساط العائلات اليهودية الأخرى.

كما كان 49% من الأطفال اليهود الاثيوبيين يعيشون في حالة فقر مقارنة مع 24% في أوساط الأطفال اليهود الآخرين.

وتشير معطيات دائرة الإحصاء، أن مداخيل الفلاشا أقل من مداخيل بقية اليهود، فيما تلفت العديد من الدراسات إلى ارتفاع نسب البطالة في أوساطهم مقارنة مع الآخرين.

ويخدم 90% من الفلاشا في الجيش الإسرائيلي، فيما تم تمثيل اليهود الإثيوبيين في الكنيست الإسرائيلي أكثر من مرة من خلال أحزاب يمينية ووسطية.

** مقتل 11 إثيوبيا ودم الفلاشا "فاسد"

واستنادًا إلى صحيفة "معاريف" العبرية، فقد قتل 11 شابًا من الجالية الإثيوبية في اشتباكات مع ضباط الشرطة، منذ العام 1997.

وبلغ التوتر ذروته عندما تم اكتشاف أنه في الفترة بين عامي 1984 و1996، تم إتلاف جميع كميات الدم المتبرع به من الإثيوبيين بواسطة بنك الدم الإسرائيلي.

وبررت "جمعية نجمة داود الحمراء" ذلك آنذاك، بأن الهدف كان حماية متلقي التبرعات من الأمراض المعدية التي كانت سائدة في إثيوبيا.

وكانت الحكومات الإسرائيلية قد أعلنت على مدى السنوات الماضية، تشكيل العديد من اللجان الحكومية لتشجيع اندماج الفلاشا في المجتمع غير أن النتائج تبدو بطيئة.

وقالت راشيل غيل يوسيف، إحدى الناشطات في تنظيم المظاهرات الاحتجاجية، لصحيفة "يديعوت احرونوت"، الإثنين، "عندما لا تتعامل السلطات مع هذه المشكلة وعندما لا يولي الشعب أهمية، فإننا سنظل نعد موتانا الأطفال، نحن نعيش في خوف والآباء يخشون على أطفالهم".

وخاض أبناء الجالية الإثيوبية عدة مواجهات مع الشرطة على خلفية التمييز على مدى سنوات، لكن احتجاجات الأيام الأخيرة كانت الأعنف.

فقد أعلنت الشرطة الإسرائيلية إصابة أكثر من 100 من عناصرها، واعتقال أكثر من 150 من الفلاشا.

وما زال التوتر مستمرا، في ظل عدم وجود حلول للتمييز الذي يعاني منه الفلاشا والذي يبقيهم مهمشين، ومواطنين بدرجة أقل من اليهود الغربيين.