تعد الثورات العربية حدثًا فارقًا في تاريخ المنطقة، وذلك لأنها حدثت بصورة متزامنة وغير متوقعة على الإطلاق، واندلعت في تونس لتصل إلى مصر وليبيا وسوريا وكذلك دول الخليج مثل البحرين واليمن، وكل تلك الثورات أدت إلى إعادة صياغة المفاهيم الأمنية لعدد من دول الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الولايات المتحدة صاحبة المصالح في العالم العربي بسبب احتوائه على النفط الوقود الحيوي الذي لا تستطيع أي دولة عظمى التفريط في قدرتها على الوصول إليه.

وعن هذا الموضوع كتب د. مارك لينش في مركز الأمن الأمريكي الجديد دراسة في مايو 2011 يتحدث فيها عن الأبعاد الاستراتيجية للثورات العربية وتداعياتها على السياسة الأمنية للولايات المتحدة الامريكية، ويقول في بداية الدراسة أنه مع موجة الثورات التي ضربت العالم العربي يعتقد الكثير من الباحثين والمراقبين أن ذلك سيكون له تداعيات ضخمة على الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، وتدور التكهنات حول إذا ما كانت تلك الثورات قد أضعفت إيران أم قوتها، كما تدور تساؤلات حول دور طهران في إشعال أو استغلال بعض القلاقل في المنطقة القريبة منها وهي الخليج العربي، وكذلك تدور تساؤلات حول كيفية تعامل أهم الأنظمة في الدول العربية مع الدولة الإيرانية في الفترة المقبلة، وإذا ما كانت موجة التظاهرات يمكن أن تصل إلى إيران ذاتها أم لا.

ولكن بين كل تلك الشكوك يبدو أن هناك نقطة واضحة تمامًا، وهو أن أسس استراتيجية إدارة أوباما تجاه إيران قد تهدمت تمامًا، وهذا التقرير يحاول أن يرسي أهم محددات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه إيران وإعادة ضبطها بناء على الوضع الإقليمي الحالي في الشرق الأوسط.

وفي تلك الدراسة يقترح مؤلفها د. مارك لينش عدة توصيات سياسية لإدارة أوباما، من بينها النقاط التالية:

1- يجب على الولايات المتحدة التعامل مع الجماهير الجديدة التي بدأت في استلام سلطاتها التي كانت منزوعة عنها من قبل، فيقول الكاتب أنه يجب على الإدارة الأمريكية أن تضع رؤية جديدة تؤدي إلى انحياز الولايات المتحدة إلى طموحات الجماهير في العالم العربي وإيران، ويجب عليها أن تظهر التزامًا في ممارساتها وسياساتها أيضًا.

2- يجب على الولايات المتحدة أن تركز على الحريات العامة وعلى حقوق الإنسان، ويجب على الولايات المتحدة أن تدعو إلى تلك الحقوق العالمية والحريات في إيران والتي تحدثت عنها الولايات المتحدة فيما يتعلق بالثورات في كل المنطقة، كما يجب على الولايات المتحدة أن تزيد من تركيزها على حقوق الإنسان فيما يتعلق بتوجهها تجاه طهران بصفة خاصة.

3- استغلال نقاط الضعف الإيرانية، ويجب على الإدارة الأمريكية أن تطلق حملة تواصل استراتيجي مخصصة للتركيز على عدم علاقة إيران بالثورات العربية وعلى قوتها الناعمة المتضائلة وكذلك نفوذها الذي بدأ في الخفوت، ويجب على الولايات المتحدة أن تتجنب أية إغراءات لإعطاء إيران صورة مركزية في التحولات التي تجري في المنطقة.

4- يجب على الولايات المتحدة أن يكون لها دبلوماسية لتشكيل المستقبل، فمن غير المتوقع أن تنجح الحلول التفاوضية لوقف البرنامج النووي الإيراني على المدى القصير، والوقت غير مناسب لطرح مبادرات عامة جديدة، ولكن يجب على الولايات المتحدة في المقابل أن تستمر في دفع الدبلوماسية منخفضة المستوى وتعمل على معايير بناء الثقة التي تهدف إلى تحقيق إمكانية حرية التحرك للولايات المتحدة عندما تتغير الظروف بين البلدين.

5- يجب الحذر من الانزلاق إلى حرب مع إيران ويجب على الإدارة الأمريكية الحذر من أية دوامات سريعة يمكن أن تجعلها تنزلق إلى حرب مع إيران بناء على حسابات خاطئة كما حدث مع العراق، أو بسبب الخوف من البرنامج النووي الإيراني أو بسبب نشوب نزاعات بالوكالة في المنطقة مثل حالة حزب الله على سبيل المثال، ويجب على الولايات المتحدة أن ترفض الجهود لتبني أية تدخلات عسكرية مثل النموذج الذي تبنته أمريكا في ليبيا وعدم انزلاق الولايات المتحدة في ذلك مع إيران، ويجب أن تستمر في مقاومة الدعوات التي تهدف إلى التدخلات العسكرية.

وتلك التوصيات توضح إدراك المحللين لأهمية استخدام الولايات المتحدة لقوتها الناعمة في الفترة المقبلة للتواصل مع الجماهير العربية من أجل استغلال الزخم الثوري الذي ينتشر في المنطقة لتحقيق مصالحها، كما نشر مركز الأمن الأمريكي الجديد أيضًا دراسة عن أهمية الإنترنت في السياسة الخارجية الأمريكية في الفترة المقبلة وكيفية استغلاله لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، وذلك كله يوضح أهم ملامح المسار الذي تريد الولايات المتحدة السير فيه في عصر الثورات العربية.

كما أنه يتضح من مثل تلك التوصيات أن الولايات المتحدة سوف تهدف إلى تقليب الرأي العام الإيراني ضد النظام هناك واستغلالها لما أسمته الحقوق العالمية مثل حقوق الإنسان والحق في التظاهر وخلافه، من أجل الضغط على الأنظمة غير الموالية للولايات المتحدة وعلى رأسها إيران، وكذلك محاولة عزل نظام طهران والتأكيد على خفوت قوته الناعمة وأن النفوذ الإيراني لم يعد قويًا في المنطقة العربية وأن البديل الذي اجتذب أنظار العرب من المحيط إلى الخليج هو الثورات العربية وليس تصدير الثورة الإيرانية بنمطها الشيعي، وأن الولايات المتحدة ربما تروج لتلك النماذج في الفترة المقبلة كأحد أهم أهداف سياستها الخارجية لنشر الديموقراطية في العالمين العربي والإسلامي.