"سننتقم له من أميركا شرّ انتقام"

هذه الجملة كتبها رئيس مصلحة تشخيص النظام محسن رضائي، في تغريدة له متوعدا الولايات المتّحدة بـ "الانتقام" لمقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، فجر الجمعة الماضي.

وتقول صحيفة نيويورك تايمز، إن الضربة الأميركية استهدفت سيارتين كانتا تقلان سليماني وعددا من قيادات الميليشيات الموالية لإيران في العراق، بينما كانوا يغادرون مطار بغداد الدولي.

وتنقل الصحيفة عن مسؤولين أميركيين، إن السيارتين تعرضتا للعديد من الضربات الصاروخية أطلقتها الطائرة المسيرة، ما أدى إلى "مقتل خمسة أشخاص" من بينهم سليماني والمهندس ومسؤول التشريفات في الحشد الشعبي رضا الجابري.

هذا الاغتيال يعتبر التصعيد الأكبر منذ أن بدأت سلسلة من الاتهامات المتبادلة بين إيران وأمريكا، عندما اتهمت إيران الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أخرى بالوقوف خلف الاحتجاجات الشيعية التي رفعت شعارات مناهضة للوجود والتدخلات الإيرانية في العراق، وخاصة ضد الأحزاب السياسية الحليفة لإيران.

وبعدها تعرضت القوات الامريكية في العراق لنحو 27 هجوما منذ الأول من أكتوبر الماضي، حسب تصريحات رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارك ميلي، كان اخرها الهجوم بأكثر من 30 صاروخا على قاعدة عسكرية عراقية تستضيف قوات أمريكية، أسفر عن مقتل مقاول أمريكي واصابة اخرين، ردت عليه الولايات المتحدة بضربات جوية استهدفت مواقع تابعة لفصائل الحشد الشعبي في سوريا والعراق، حيث نفذت الولايات المتحدة منذ مساء الاحد، 29 ديسمبر خمس ضربات جوية على مواقع لمخازن أسلحة وللقيادة والسيطرة التابعة لكتائب حزب الله أدت إلى سقوط 28 قتيلا وعشرات الجرحى.

وللرد على هذه الضربة، قامت الميلشيات الشيعية المسلحة في العراق والتي تنضوي تحت راية ما يطلق عليه الحشد الشعبي، بتنظيم مظاهرات حاشدة في بغداد تمكنت خلالها من اختراق المنطقة الخضراء المحصنة والوصول إلى مبنى السفارة الأمريكية، ومحاصرته ولكن المفاوضات بين الطرفين كانت قد اتفقت على انسحاب المظاهرات الشيعية من أمام السفارة والاكتفاء بذلك، واظهاره كأنه الرد الشيعي على الضربة الجوية لمخازن أسلحة الحشد الشعبي، ولكن على ما يبدو فقد خالفت الميليشيات هذا الاتفاق، وأضرمت النار في السور الخارجي للسفارة الأميركية في بغداد، مما دفع أمريكا إلى الرد.

تنبع أهمية قاسم سليماني أنه تعتبره بعض الأوساط أنه بمثابة الرجل الثاني الأكثر أهمية في النظام الإيراني بعد مرشد الثورة... فهل هذا حقيقي؟

ينظر إلى اللواء سليماني، قائد فيلق القدس، بانه القائد العسكري الإيراني الأكثر أهمية من بين قادة الحرس الثوري الذين لعبوا ادوارا ساهمت في تعزيز نفوذ إيران في المنطقة، من خلال تشكيل ودعم عشرات المجموعات الشيعية المسلحة في العراق ولبنان وسوريا واليمن.

فمن المعروف أن الحرس الثوري الايراني يتكون من خمسة فيالق رئيسة، ثلاثة من هذه الفيالق تعتبر تقليدية وقريبة من دور الجيش الإيراني، وهي الفيالق البرية والبحرية والجوية فمهامها تتداخل مع مهام قوات الجيش الإيراني الذي يتكون أيضاً من هذه الأنواع الثلاثة الرئيسية بالإضافة إلى وجود فيلقين مهمين:

قوات التعبئة (الباسيج)، وتتركز مهامه في الداخل الإيراني وفيلق القدس وهو منوط بالدور الخارجي وهذا الفيلق يرأسه قاسم السليماني.

ومن ثم أسس سليماني مناطق نفوذ متقدمة لمجموعات شيعية مسلحة متعددة الجنسيات في سوريا التي يراد لها ان تكون منطلقا لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة على إسرائيل.

ويسود اعتقاد على نطاق واسع في الأوساط العراقية، ان سليماني ساهم بشكل رئيسي بعد أحداث الموصل 2014 في تشكيل ودعم وتسليح فصائل الحشد الشعبي والدفع بقيادات أجنحتها السياسية إلى صدارة المشهد السياسي في الحكومة ومجلس النواب.

فسليماني كان من بين المشاركين الرئيسيين في الدائرة المحدودة لصناعة القرار السياسي الايراني.

والسؤال الملح المطروح حاليا والذي تنتظره المنطقة، ما هو الرد الايراني المتوقع الذي ترد به على مقتل هذا القائد الذي له تلك الأهمية؟

نتأمل مبدأيا الرسائل المتبادلة الايرانية الأمريكية عقب قتل هذا الرجل، سواء عبر التصريحات أو عبر الوسطاء، فهذه الوسيلة تمكننا إلى حد ما توقع طبيعة الرد الايراني على مقتل سليماني

فالرئيس الأمريكي ترامب، قال في تغريدة له على تويتر، بعد ساعات من مقتل سليماني، أن "إيران لم تكسب حربًا أبدا"، مضيفا "لكنها لم تخسر تفاوضًا" وهذا يبين رغبة أمريكية في استمرار التفاوض مع إيران.

وبعدها أعلنت إيران أنها تلقت رسالة من الإدارة الأمريكية عقب مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، مؤكدة أنها قدمت الرد المناسب على الرسالة عبر السفير السويسري في طهران. ولكن ماذا تتحدث هذه الرسالة؟

واعترف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، في تصريح لوكالة "إرنا" الرسمية، أنهم تلقوا رسالة من الإدارة الأمريكية عبر الحكومة السويسرية، وأشار موسوي إلى أنهم استدعوا للمرة الثانية، اليوم، السفير السويسري في طهران الذي يرعى المصالح الأمريكية في إيران، مضيفاً: نقلنا له ردنا المناسب على الرسالة الأمريكية.

ولكنه رفض أن يفصح عن فحوى الرسالتين.

ولكن جواد ظريف وزير الخارجية الايراني في تصريح له نشرته صحيفة العربي الجديد، وصف الرسالة بأنها كانت "غير عاقلة بتاتاً". وأكمل قائلاً: "رددنا عليها بكل حزم".

ويعود نائب قائد الحرس الثوري الإيراني علي فدوي السبت فيشرح بعضا من مضمون الرسالة الأمريكية، فيقول للتليفزيون الإيراني إن بلاده تلقت رسالة من واشنطن تقول فيها إذا أردتم الانتقام، انتقموا بشكل متناسب مع ما فعلناه، وأشار فدوي إلى أن الولايات المتحدة ليست في موقع يخولها "تحديد" الرد الإيراني، وقال فدوي "على الأميركيين أن يتوقعوا انتقاماً شديداً. هذا الانتقام لن يكون محصوراً في إيران".

وأكد أن "جبهة المقاومة على امتداد مساحتها الجغرافية الشاسعة على استعداد لتحقيق هذا الانتقام"

ولكن المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي قال، إن إيران "ستتجنب أي خطوات متسرعة في الرد على اغتيال قاسم سليماني".

وقال: "الجمهورية الإسلامية سترد بحزم بالتأكيد على اغتيال سليماني بما يلبي تطلعات الشعب الإيراني والمرشد وشعوب المنطقة".

وحذر شكارجي من أنه "إذا تصرف الأمريكيون بجنون بعد الرد الإيراني فسيتلقون ردا أكثر إيلاما"، معتبرا أن الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية عن أي حرب قد تندلع في المنطقة.

ويصعد سفير إيران بالأمم المتحدة طبيعة الرد فيقول لشبكة سي إن إن بأن الرد على عمل عسكري يكون بعمل عسكري.

وبعد أن التقى جواد ظريف وزير الخارجية الايراني بالسفير القطري، صرح بأن طهران لا تريد زيادة التوتر وتعتبر أن وجود القوات الأجنبية هو سبب عدم الاستقرار.

ولكن يعود عضو مجلس خبراء القيادة أحمد خاتمي ليصرح: اتخذنا قرارا بالثأر لدماء سليماني ولكنه يقول رد إيران سيكون وفق متطلبات أمننا.

وفي تصريح للرئيس الايراني حسن روحاني:" إيران لن تنسى جريمة واشنطن باغتيالها سليماني وستدرك أمريكا خطأها على مدى السنوات القادمة"، هل يفهم منه أن الرد لن يكون الآن؟ هذا ما يبدو من هذه التصريحات.

ويؤكد مسؤول بالخارجية الأمريكية على تلك الحقيقة حين يقول: أستبعد قيام إيران بشن أعمال انتقامية لأن واشنطن تتحدث اللغة التي يفهمها النظام.

بينما يؤكد مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين: إيران أمام خيارين إما التصعيد وسيكون ذلك خيارا خاطئا أو وقف حروبها بالوكالة.

ويبدو أن خيارات إيران في الرد محدودة في ظل عاملين مهمين:

أولا/ الورطة الاقتصادية التي تعيشها إيران حاليا، وهي ما عبر عنها الرئيس الايراني حسن روحاني قبل أربعة أيام فقط، حين صرح بان طهران خسرت 200 مليار دولار بسبب العقوبات الأميركية، وعدم تمكنها من إدخال عائدات النفط والعملة الصعبة خلال العامين الماضيين.

ووفقا لوكالة "إيسنا" الإيرانية، أكد روحاني، أن هذا المبلغ يشمل عائدات بيع النفط وكذلك اعتمادات خارجية بمبلغ 100 مليار دولار أخرى، وأقر روحاني بتأثير العقوبات وسياسة الضغوط القصوى الأميركية معلقا: "نواجه حاليا أسوأ انواع العقوبات، والمرء لا يستطيع الاستمرار دون الماء والطعام مهما كان قويا".

ثانيا/ الورطة الثانية التي تجد فيها إيران نفسها هو تخلخل القاعدة الشعبية للنظام سواء في الداخل أو الخارج، وتمثل ذلك في تصاعد الاحتجاجات الشعبية في إيران والتي بدت في الأسابيع الأخيرة، والتي وصفتها اذاعة البي بي سي بأنها كانت أشد عنفا عن أي حراك سابق، وتشارك فيها الطبقات العاملة والأفقر في المجتمع، أما في الخارج فالمظاهرات العراقية الشيعية والتي امتدت لحرق مقرات القنصليات الايرانية في معاقل الشيعة في كربلاء وغيرها، وكذلك المظاهرات المعبرة عن الفرح بمقتل سليماني يوحي بحجم الرفض للتغلغل الايراني وهيمنتها على العراق.  

إيران في معضلة حقيقية، فهي مضطرة إلى الرد العسكري للحفاظ على صورتها كقوة اقليمية لا تريد الظهور بمظهر الضعف وبين معاناتها من الظروف الداخلية والخارجية المعاكسة فهي في أضعف حالاتها.

ولذلك فهل يقتصر النظام الايراني على الرد السياسي، بالاستفادة من الحدث سياسيا واعادة تجميع الشعب الايراني حوله، والظهور أمام العالم بالمظلومية، والمطالبة بإخراج امريكا من العراق، واعادة ضبط الاوضاع في لبنان لصالحه، ومن ثم إطلاق التصريحات أن الرد سيكون في الوقت والمكان المناسبين، وهي صيغة تحفظ ماء الوجه؟

أما سيكون عسكريا محدودا، سواء في لبنان في الجولان أو في العراق أو في مضيق هرمز أو في الخليج عن طريق الحوثي أو في سفارة من سفارات امريكا؟

الخيار الأول أقوى من الثاني وهذا ما سوف تثبته الأيام القادمة.