مجددًا؛ يعود الجنرال "قاسم سليماني"، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، إلى دائرة الضوء، لكن ليس من باب لقاءات تجمعه بقادة ميليشياته هنا أو هناك، أو من باب التصريحات العنترية التي يُلقي بها كعادة كل القادة الإيرانيين، فسبب العودة هذه المرة مختلف تمامًا، لقد قُتِلَ "قاسم سليماني"، هكذا أعلنها التلفزيون العراقي في وقتِ باكر من صباح الجمعة، قبل أن تتوالى البيانات والتصريحات المتوعدة من جهة، والمرحبة والفرحة بالخبر من جهات عديدة، فمن هو الجنرال "قاسم سليماني" الذي تعتبره إيران بطل أسطورتها العسكرية؟، وكيف سيؤثر مقتله على طبيعة الأوضاع في المنطقة مستقبلًا؟، وهل ستتأثر أجندة العمليات الإيرانية في دول المنطقة التي كان "سليماني" يشرف عليها بشكل مباشر؟

ضربة في الصميم

جرى اغتيال "قاسم سليماني" بعدة صواريخ من طائرة مسيرة، الصواريخ استهدفت سيارتين كانتا تقلان سليماني ومسؤولين آخرين من قيادات وأعضاء في الحشد الشعبي، كان أبرزهم الرجل الثاني بميليشيا الحشد الشعبي "أبو مهدي المهندس"، ومسؤول مديرية العلاقات في الحشد "محمد الجابري"، ومسؤول الآليات "حيدر علي"، وقد وقعت عملية استهداف "سليماني" ومن معه قرب منطقة الشحن في مطار بغداد الدولي، بعد لحظات من خروج "سليماني" من الطائرة التي أقلته من لبنان إلى بغداد، مسؤولون عراقيون أكدوا أن العملية قد جرت قرب الساعة الواحدة صباحًا بتوقيت بغداد، وأن جثة "سليماني" قد تمزقت إلى أشلاء. أما وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" فقد أكدت أن العملية التي استهدفت مطار بغداد، وقتلت قادة إيرانيين بينهم "سليماني"، كان الهدف منها هو ردع أي خطط إيرانية في المستقبل لشن هجمات ضد أمريكا، وأضافت الوزارة أن "ترامب" قد أمر بقتل "سليماني"، بعد أن تأكد أن الأخير صادق على قرار الهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد قبل أيام قليلة.

أعقبت الضربة الصاروخية مباشرة؛ تغريدة من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" حيث نشر فيها علم بلاده فقط، كدلالة على إنتصاره، ثم سرعان ما توالت التغريدات المؤيدة للعملية والمشيدة بنجاحها، أبرزها تعليق السيناتور الجمهوري "توم كوتون"، الذي كتب أن "سليماني كان العقل المدبر لإرهاب إيران طوال عقود"، أما السيناتور "ليندسى غراهام"، فقد غرّد قائلًا: "ضربة للنظام الإيراني الذي تلطخت يده بالدماء"، مؤكدًا على أن "سليماني أحد أكثر أعضاء النظام الإيراني قسوة وشراسة"، كما أعلن غراهام عن تقديره للعمل الجريء الذي قام به ترمب ضد العدوان الإيراني، ووجه غراهام رسالة للحكومة الإيرانية، قائلًا: "إن كنتم تريدون المزيد فستحصلون عليه.. إذا استمرت إيران في مهاجمة أمريكا وحلفائها فسيدفعون ثمنًا باهظًا"، في حين غرد السيناتور "ماركو روبيو"، بأن الإجراءات الأمريكية تتوافق مع التحذيرات التي أطلقتها، مضيفًا أن إيران ووكلاءها أخطأوا بشكل سيئ بتجاهل تحذيرات واشنطن، مشدداً على أن فيلق القدس الإيراني قد اختار التصعيد منذ البداية، ومازالت التغريدات والتصريحات تتوالى حتى اللحظة.

ذراع المرشد

"عندما يظهر في العلن، لا يظهر إلا في احتفالات المحاربين القدماء، أو لمقابلة مرشد الثورة الإيرانية، إنه ذلك الرجل الذي عندما يدخل غرفة بها عدد من الناس، يذهب فيجلس وحيداً في ركن الغرفة، لا يتكلم، لا يعلق، فقط يجلس ويستمع"، هكذا تحدث الكاتب "ديكستر فيلكينز" عن "سليماني" ذات يوم، فالجنرال الغامض لا يُعرَف عنه إلا القليل، تحدث كثيرون عن سلطاته المطلقة وتأثيره البالغ في السياسة الخارجية الإيرانية، وتناولت التقارير الإعلامية دوره الحساس في إدارة مشروع التمدد الإيراني والإمبراطورية الفارسية في العالم بأسره، وليس منطقة الشرق الأوسط فقط، فهو واحد من أهم الأذرع العسكرية للمرشد الأعلى "علي خامنئي" أو بالأحرى الذراع اليمنى له.

على مدى سنوات؛ تم تسويق "سليماني" على أنه "الجنرال الأسطورة"، خاصةً بعد أن ظل لفترة طويلة يعمل كالذئب في ظلام الكواليس، تبارت وسائل الإعلام المحلية في الاحتفاء به وصنع هالة إعلامية حوله، بالرغم من أنه قليل الظهور إعلاميًا، عملاً بمبدأ "من ليس له سر، ليس له سحر"، من عرفوه عن قرب تحدثوا عن شخصيته البراغماتية التي تجمع بين المتناقضات، يُعرف في بلاد الشام لدى العلويين والشيعة بـ "الحاج قاسم"، هو الرمز الأبرز للتدخل الإيراني في العراق وسوريا واليمن ولبنان، كثيرة هي الصور التي أُلتقطت لسليماني على الجبهات، لدرجة أن صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية قد وصفته بأنه صانع السياسة الخارجية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط، لكن هذا غير صحيح بالكامل، فقد أدار "سليماني" عمليات في أماكن بعيدة للغاية عن الشرق الأسوط، مثل: لاجوس ونيروبي وواشنطن وتايلاند ونيودلهي، وقد وصلت هذه العمليات إلى 30 عملية على الأقل بين عامي 2012 و2013، أهمها كانت عملية فاشلة في واشنطن، عندما حاول فيلق القدس اغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة.

ردود فعل متباينة

بمجرد الإعلان عن مقتل "سليماني"؛ تباينت ردود الأفعال الدولية، ففي إيران، وهى المعنية أكثر بما حدث، إذ قال الرئيس "حسن روحاني" إن "إيران والدول الحرة في المنطقة ستنتقم لمقتل سليماني"، في حين خرج المرشد الأعلى "علي خامنئي" عن صمته، وتوعد الولايات المتحدة "بانتقام قاس"، أما وزير الخارجية "محمد جواد ظريف" فقال أن الأمر "يمثّل تصعيدًا خطيرًا للغاية ومتهوّر"، مضيفًا أنّ "الولايات المتحدة تتحمّل مسؤولية كل عواقب مغامرتها المارقة"، في حين توّعد رئيس مصلحة تشخيص النظام في إيران والقائد السابق للحرس الثوري "محسن رضائي"، الولايات المتّحدة بـ"شر انتقام لمقتل سليماني"، وبالتزامن فقد عقد مجلس الأمن القومي الإيراني اجتماعًا استثنائيًا طارئًا للبحث في آليات الرد المتاحة على هذا الهجوم.

أتباع إيران في المنطقة لم يتأخروا عن الرد أيضا، فالحوثيون دعوا لرد سريع ومباشر ضد القواعد الأمريكية في المنطقة، أما "حسن نصر الله"، الأمين العام لميليشيا "حزب الله" اللبناني، فقد دعا لمعاقبة "القتلة المجرمين المسؤولين عن مقتل سليماني"، مؤكدًا أن "القصاص العادل مسؤولية كلّ المقاومين في العالم"، فيما وصف المرجع الشيعي الأعلى في العراق "علي السيستاني" الضربة الجوية التي أسفرت عن مقتل سليماني بـ "الاعتداء الغاشم الذي ينتهمك السيادة العراقية والمواثيق الدولية"، أما زعيم التيار الصدري "مقتدى الصدر"، فقد غرّد عبر حسابه على تويتر، أمراً بـ "جهوزية المجاهدين وجيش المهدي وغيره من الفصائل العراقية المسلحة المتحالفة معه بهدف حماية العراق"، واصفًا مقتل سليماني، بـ"استهداف الجهاد والمعارضة والروح الثورية الدولية"، أما سوريا فقد دانت عبر إعلامها الرسمي الهجوم ووصفته "بالعدوان الأمريكي الجبان".

في الولايات المتحدة؛ عمّت حالة من الترحيب والإرتياح في صفوف الجمهوريين المؤيدين لترامب، في حين كان الديموقراطيين على النقيض منهم، إذ دعت رئيسة مجلس النواب "نانسي بيلوسي" إدارة ترامب إلى إطلاع المشرعين على الفور على تفاصيل الضربة الجوية وما يعتزم البيت الأبيض فعله بعد ذلك، وأضافت في بيان صادر عنها: "لا يمكن لأمريكا والعالم أن يتحملوا تصاعد التوترات إلى درجة اللاعودة"، مضيفةً أن الضربة نُفِذَت دون تصريح باستخدام القوة العسكرية من الكونغرس، في سياق متصل فقد دعت الولايات المتحدة مواطنيها إلى مغادرة العراق فورًا، وذلك بعد ساعات قليلة من تنفيذ العملية، فيما قامت الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات أمنية مشددة في محيط السفارة الأمريكية ببغداد، وإغلاق الجسر المعلق المؤدي إليها.

دوليًا؛ فقد دعت بريطانيا، وزير خارجيتها "دومينيك راب"، كل الأطراف إلى خفض التصعيد، مؤكدًا أن "اندلاع نزاع جديد ليس في مصلحة أحد"، فرنسا من جهتها دعت إلى "إحلال الاستقرار في الشرق الأوسط"، أما وزارة الخارجية الروسية فقد اعتبرت أن "مقتل سليماني كان خطوة مغامرة ستفاقم التوترات في أنحاء المنطقة"، فيما قطع رئيس وزراء الكيان الصهيوني "بنيامين نتانياهو" زيارته الرسمية لليونان ليعود إلى الأراضي المحتلة، تحسبًا لأية تطورات خلال الساعات المقبلة، في حين دعت الصين إلى "الهدوء وضبط النفس".

طبول الحرب

"ترامب ألقى للتو إصبع ديناميت في برميل بارود"؛ هكذا علّق المرشح الديموقراطي للانتخابات الرئاسية الأمريكية للعام 2020 "جو بايدن"، تعقيبًا على مقتل "سليماني"، فالقرار الأمريكي باغتيال "سليماني" في هذا التوقيت قد يكون مفاجئًا إلى حد ما، خاصةً مع وجود مشروع لاستهداف سليماني منذ سنوات، لكن اتخاذ القرار هذه المرة يُنسب بالدرجة الأولى للرئيس ترامب، وهو متعلق إلى حد كبير بالحسابات الأمريكية الداخلية، فـ "ترامب" يريد أن يحقق انتصارات داخلية قبل الانتخابات المقبلة، خاصةً في ظل تعدد مشاكله السياسية، لكن تبعات قراره قد تقود إلى رفع التوتر إلى أعلى مستوياته، فهل بدأت طبول الحرب تدق في المنطقة؟!، وزير الدفاع الأمريكي "مارك إسبر"، قال إنه يتوقع أن تقوم الفصائل الموالية لإيران بشن هجمات جديدة على القوات الأمريكية، وقال "سنجعلهم يندمون عليها"، مؤكدًا أن واشنطن قد اتخذت ما يلزم من إجراءات وقائية لحماية الحلفاء والقوات الأمريكية، وأضاف إسبر: "نحن على استعداد لفعل كل ما هو ضروري للدفاع عن موظفينا ومصالحنا وشركائنا في المنطقة".

قد يكون من المستبعد حاليًا خيار المواجهة التقليدية بين إيران والولايات المتحدة كرد على مقتل "سليماني"، فالقدرة العسكرية والاقتصادية الإيرانية حاليًا لا تسمح لإيران بالمواجهة التقليدية، خصوصا بعد ما تعرضت له طهران طيلة الأعوام الماضية من استنزاف اقتصادي جراء العقوبات الاقتصادية، لكن غالب الظن أن الرد الإيراني سيكون عبر توجيه الأذرع الإيرانية في عموم المنطقة، لتنفيذ مهمة الانتقام لمقتل سليماني، ويمكن أن نستشف ذلك من تصريح المرشد "علي خامنئي"، عندما قال إن "استهداف سليماني هو استهداف لخط وتيار المقاومة في المنطقة بأسرها".

نحو الأفول الأبدي

لقد دأبت وسائل الإعلام الإيرانية على نشر صور سليماني على جبهات القتال، كبطل في الحرب، أو كقائد يثير الرعب والهلع أينما حلَّ، بالرغم من أن طهران كانت تحرص دائماً على جعل قياداتها العسكرية في الظل خوفًا من تصاعد شعبيتهم أو محاولة الانقلاب على حكم الملالي بعد الالتفاف الشعبي حولهم، لكن هذا لم يحدث مع "سليماني"، الذي جعلوا منه مادة رئيسية للأفلام الوثائقية ونشرات الأخبار ووضعوا صورته على طابع بريدي، معتبرين أنه أكثر السياسيين في إيران إخلاصًا وأقلهم فسادًا، هذه النجومية والشهرة الواسعة لم تمنحها الأيام لأي عسكري آخر في إيران منذ ثورتها الموصوفة بالإسلامية، لكنها أيضا لم تمحنه فرصة أطول بعد اليوم لينشر مزيدًا من العبث والفتن والقتل والخراب في دول المنطقة، لقد انتهت أسطورة سليماني إلى الأبد!