لم يكن يتوقع الصهاينة ودولتهم المدعومة أمريكيا أن يواجه قادتها من القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين الإسرائيليين، سيناريو الملاحقة القضائية واحتمال تقديمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتهم ارتكاب جرائم حرب. عقب قرار المدعية في المحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا بأن هناك أساسا لفتح تحقيق دولي في شبهات ارتكاب جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وكانت بنسودا، قد أعلنت في 20 كانون أول / ديسمبر أنها تريد فتح التحقيق، قائلة إن "جرائم حرب ارتكبت أو ترتكب في الضفة الغربية التي تحتلها دولة الكيان، والقدس الشرقية وفي قطاع غزة"، وطلبت من المحكمة الدولية حكماً بخصوص الأراضي المشمولة ضمن صلاحياتها، وأكدت في بيانها أن الدراسة المبدئية وفرت معلومات كافية تحقق كافة المعايير اللازمة لفتح تحقيق، وأنها على قناعة بوجود أساس معقول لبدء تحقيق، مما أربك قادة الصهاينة وأحدث رعباً وتخبطاً في أوساطهم.

دولة الكيان ستواجه أيام صعبة على المستوى الأخلاقي، فهي لم تعد على الإطلاق واحدة من دول الديمقراطية ولم يعد جيشها الجيش الأخلاقي بين جيوش العالم، بل أنها دولة تمارس جرائم حرب ضد الإنسانية وسوف تلاحق على ذلك.

أمام هذا التطور الخطير اعتبرت دولة الكيان أن هذا القرار قرارا أسود ويوما سيئا في تاريخها، يحول محكمة العدل الدولية إلى سلاح سياسي موجها ضدها، واستبقت إجراء التحقيق باعتبار أنه لا صلاحية لمحكمة لاهاي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن المحكمة لا تملك صلاحية قضائية بالنسبة لدولتهم، وأي نشاط فلسطيني في المحكمة ليس نافذا قضائيا.

وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو أعلن أن بلاده تعارض بحزم أي تحرك للمحكمة الجنائية الدولية ضد دولة الكيان،

هذا التخوف الصهيوني الأمريكي منبعه أن عشرات المسئولين الصهاينة من عسكريين وسياسيين وأمنيين في الخدمة أو الاحتياط، وفي مقدمتهم نتنياهو ووزير الدفاع الحالي نفتالي بينيت، ووزير الدفاع الأسبق أفيغدور ليبرمان، ورئيس الحكومة الأسبق أيهود باراك، والوزير موشيه يعالون، ومن كانوا أعضاء في المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت) خلال الحملات العسكرية على قطاع غزة. باتوا الآن أمام احتمالية الملاحقة القضائية الدولية والاعتقال إذا سافروا إلى 120 دولة، إن تم فتح تحقيق دولي بشبهات ارتكاب جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

فيما يتجدد الأمل لدى الفلسطينيين الذين تعرضوا على مدى سبعة عقود متواصلة لانتهاكات واعتداءات ترقى إلى مستوى جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي على يد العصابات الصهيونية وسلطاتها العسكرية والأمنية.

 لذلك يرى الفلسطينيون على كافة المستويات، سواء الرسمية أو الحزبية أو المؤسساتية والمحلية أن قرار محكمة العدل الدولية هو انتصار للعدالة، وللحق الفلسطيني، وانتصار لكل فلسطيني ظلمته دولة الكيان منذ نكبة التهجير التي لحقت بالشعب الفلسطيني حتى اليوم، وما تم ارتكابه من جرائم حرب بحقهم وجرائم ضد الإنسانية، مؤكدين بأن هناك ما يكفي من الأدلة والبراهين التي تؤكد ارتكاب الكيان الصهيوني جرائم بشعة ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، كالقتل خارج نطاق القانون والذي بات سياسة ثابتة وممنهجة في سلوك الجنود الإسرائيليين تحت ذريعة كاذبة هي الدفاع عن النفس.

لا شك أن إعلان المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية عزمها فتح تحقيق في ارتكاب جرائم حرب محتملة، في الأراضي الفلسطينية، يعتبر تطورا هاما في موقف المحكمة الجنائية الدولية تجاه الطلبات الفلسطينية المتكررة للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها دولة الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو يؤشر إلى الدخول في معركة طويلة لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين في المحكمة الجنائية الدولية فهل تنجح المحكمة في تحقيق هذا الهدف أم أن هذه الفرصة ستفشل أمام التعقيدات والتحديات التي ستواجهها؟

منطقيا لا يمكن إغفال الدور الأمريكي المنحاز لدولة الكيان والضغط الكبير الذي ستمارسه لعدم إصدار أي قرار من شأنه إدانة حليفها الاستراتيجي، وستسعى بكل السبل وستضغط بكل ما تملك من أجل منع ذلك، وهذا هو المتوقع في ظل عقبات أخرى تتمثل في آليات عمل التحقيق، وإجراءات المحاكمة الطويلة في المحكمة، والعقبات والقيود القانونية التي ستواجهها هذه المحكمة، ولكن يظل هذا القرار الجريء الصادر عن محكمة الجنايات الدولية، نقطة انطلاق وبداية يمكن البناء عليها لتحقيق العدالة الإنسانية للشعب الفلسطيني تطبيقا للمثل القائل لن يضيع حق وراءه مطالب.

وأمام هذا الانجاز، يحتاج الفلسطينيون إلى ترتيب أوضاعهم وتكثيف جهودهم، من أجل إعداد ملف يوثق هذه الجرائم الصهيونية في مختلف الملفات التهجير والاستيطان ومصادرة الأراضي وسرقة الموارد الطبيعية والحصار والاغتيالات والاعتقالات، وتوثيق هذه الانتهاكات التي ترقى لجرائم الحرب وحصر أسماء قادة الصهاينة السياسيين والعسكريين والأمنيين المتورطين في هذه الجرائم، والتسلح بالخبرة القانونية المعززة بالأدلة والبيانات من أجل الاشتباك القانوني وتقديم الحجة الفلسطينية الدامغة لاسترداد الحق الفلسطيني.