عندما يختار المسيحيون رئيس الجمهورية المسيحي في لبنان، ويختار الشيعة رئيس مجلس النواب الشيعي، ولا يختار أهل السنة رئيس الوزراء بل تختاره الطوائف الأخرى!!!!

عندما يتحول بلطجية حزب الله وحركة أمل، الذين اعتدوا على المتظاهرين من أول يوم للحراك الشعبي، وحرقوا خيم المعتصمين إلى مظلومين، وأهل السنة هم المعتدون!!!!

أليست تلك المظالم استمرارا للمظالم التي تعرض لها أهل السنة منذ استقلال لبنان؟

فعند تكوين الدولة بتدبير فرنسي أوربي، حيث تم ترحيل مسيحيي سوريا وتهجيرهم إلى جبل لبنان من قبل فرنسا بتشجيع أوروبي، ثم تم ضم الحواضر السنية على الساحل في طرابلس وبيروت وصيدا، لتصنيع دولة لبنان وفصلها عن الشام ويرأسها مسيحي ماروني له معظم الصلاحيات، بينما تم اسناد منصب رئيس الوزراء كمنصب شكلي لترضية السنة، وآخر رئيس مجلس النواب للشيعة.

وتحول أهل السنة إلى أكثر الطوائف خسارة التي خرجت من الحرب الأهلية اللبنانية، فقد اعتمد السنة في المقام الأول على قوات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، والتي اعتبروها تمثل الذراع العسكرية لهم في الحرب التي اندلعت بين الطوائف بتوافق إسرائيلي سوري بغرض تصفية الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، ومن ثم اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان ومن بعده سيطر الجيش السوري بزعامة الأسد على لبنان، وتمت تصفية الوجود السني المسلح سواء الفلسطينيين أو بعض الجماعات السنية التي تسلحت من بعد ابعاد الفلسطينيين أمثال حركة التوحيد في طرابلس أو حركة المرابطون في بيروت، بينما احتفظت بقية الطوائف بسلاحها سواء الموارنة او الشيعة أو الدروز، لذلك ومع نهاية الحرب جرى توزيع المناصب في مؤتمر الطائف، ليس بنسبة أعداد الطوائف حيث كان السنة هم أكبر الطوائف عددا في لبنان، ولكن وفق ميزان القوة العسكرية لدى كل طائفة.

وبالرغم أنه عند انتهاء الحرب الأهلية، اعتمدت الدولة اللبنانية بتشجيع من النظام السوري على شخصية رفيق الحريري الزعيم السني في إعادة اعمار لبنان باتصالاته الدولية الواسعة، مما أدى إلى تحسن طفيف لوضع السنة في لبنان، ولكن النظام السوري اغتاله خشية من هذا النفوذ، مما أعاد الشعور بالمظلومية لدى هذه الطائفة الأكبر في لبنان، لأنه وبالرغم من التحقيق الدولي إلا أنه انتهى بضياع دم الرجل، بعد أن زاد تسلط حزب الله على الدولة اللبنانية ورهن القرار اللبناني بالنفوذ الإيراني في المنطقة.

لقد تعمق الإحباط عند أهل السنة، لأنه في كل مرة وفور ظهور زعامة سنية ذات شخصية قوية، سرعان ما يتم اغتيالها ...تكرر ذلك مع رياض الصلح عام 1951 ثم رشيد كرامي عام 1987.

ثم كانت فترة الجماعات الجهادية في لبنان في أعقاب الثورة السورية، حيث شهدت مناطق السنة تجييش الجيوش الأجنبية ومليشيات إيران التي أتت لقمع ثورة الشعب السوري، وبالتالي امتدادته في لبنان التي كان طبيعيا ان يكون حضنا لبعض الجماعات المسلحة، مما أدى إلى اصطفاف الشيعة مع الموارنة لتصفية الوجود العسكري اللبناني السني، خشية أن ينقلب عليهم في لبنان ليطالب بحقوقه الضائعة.

عندما اندلعت مواجهات واشتباكات في صيدا وطرابلس والبقاع، شارك في قمعها حزب الله تحت يافطة الجيش اللبناني، ثم صدر حكم إعدام غيابي بحق المطرب فضل شاكر في عام 2013 على خلفية الانتماء لجماعة الأسير الجهادية، ثم إعلان المجند في الجيش اللبناني عاطف سعد الدين في يوليو من عام 2014، انشقاقه عن الجيش اللبناني، لأنه هو وكل سني كما قال في فيديو انشقاقه، يعلم أن الجيش اللبناني صار أداة بيد حزب الله.

وشهدت الساحة اللبنانية حينذاك قيام أحد المغنيين الشيعة، ويدعى علي بركات بغنائه "يا تكفيري مهما طال.. حزب الله راسك فيه يطال.. ما تفكر إنو الشمال... يحمي وجودك أو عرسال".

لقد دفع أهل السنة في لبنان ثمنا غاليا لقمع الثورة السورية.

ومنذ أن بدأ الشباب اللبناني في أكتوبر الماضي، متجاوزين الحالة الطائفية في التحرك ضد مفاسد النظام اللبناني، والحالة المتردية من الخدمات والاقتصاد ومستوى المعيشة التي وجد فيها اللبنانيون أنفسهم يرتعون فيها، والذي تسبب فيها في المقام الأول سيطرة المكون الشيعي التابع لإيران على مفاصله، باعتباره يملك القوة العسكرية الأكبر في لبنان وتعج ترسانته ميليشياته بسلاح يفوق ما يوجد لدى الجيش اللبناني كما يفوقه عددا وتدريبا.

أظهر الحراك الشعبي في لبنان، وكشف على أن أهل السنة هم أكثر الطوائف معاناة وفقرا في لبنان في لبنان ...في عكار وطرابلس والبقاع، لذلك كانت المشاركة السنية هي الأبرز في تلك الانتفاضة.

ولكن كيف واجه حزب الله هذه المظاهرات التي تطالب بوجود دولة لبنانية قوية، لا شك أنها تهدد وجوده واستفراده بالساحة؟

تركزت استراتيجية حزب الله في عدة خطوات:

في البداية عمل على شيطنة الحراك، باتهام المشاركين فيه بأنهم مدفوعون من السفارات الغربية وبعض السفارات العربية.

 وعندما عجز عن ذلك، توجه الي أدواته الطائفية ومنها صبيانه في الشارع وهتافاتهم شيعة ...شيعة، وحرقوا خيم المعتصمين من المتظاهرين، بل حرقوا خيم الشيعة المتظاهرين في كفر الرمان وبعلبك وصور والنبطية.

لقد كان الدافع الأساسي في تصرفات حزب الله من بلطجة وتخوين، هو اعادة جذب القاعدة الشيعية وجمهورها اليه مرة اخرى واعادة تعبئتهم، بعد ان بدأت تنفض من حوله نتيجة للوضع الاقتصادي المتردي والصعوبات المعيشية، مع تناقص الدعم الذي تقدمه إيران نتيجة الحصار الغربي وفرض الرقابة الدولية على مصادر تمويل حزب الله.

وبعد ان فشلت الخطوات السابقة، انتقل الحزب الي الخطة (ب)، وهي ايقاظ الفتن الطائفية والمذهبية وضرب الحراك، الذي يريد تجاوز الحالة الطائفية والمذهبية، بإعادة احياء هذه الخلافات وتفكيكه من داخله.

ويقول محمد الحسيني أمين ما يطلق عليه المجلس الإسلامي العربي، وهو منظمة شيعية لبنانية مناوئة لحزب الله: انه منذ بداية الحراك في ١٧ اكتوبر الماضي، أسس الحزب غرفة عمليات تدير التعامل مع هذه المظاهرات، وأضاف الرجل أن الغرفة تلك هي التي أخرجت الفيديو، الذي يسب فيه متحدثه أهل البيت، وفي نفس الوقت هو من اخرج الفيديو المضاد الذي يسب فيه المتحدث الصحابة .... بل ان الحزب لديه عملاء داخل كل طائفة لبنانية، يسميهم سرايا المقاومة.

ثم انتقل الحزب إلى مرحلة جديدة، بدفع عملاءه الي تهديد السنة بالسابع من مايو جديد، وهو ذكرى الاجتياح العسكري لميليشيات الحزب أحياء السنة في بيروت عام ٢٠٠٨، وارغام السنة على سماع سب الصحابة وعائشة رضي الله عنهم، وجاءت هذه الأحداث حين أرادت الحكومة بزعامة سعد الحريري وقتها فرض سيطرتها على مطار بيروت الدولي، بإخضاع كاميرات المراقبة في المطار إلى الجيش اللبناني بدلا من سيطرة ميليشيا حزب الله.

تلك هي الخطوات التي مارسها حزب الله على الأرض في الشهريين الماضيين، في محاولة انهاء الانتفاضة الشعبية.

مشكلة أهل السنة في لبنان أن كل طائفة لها ممثلها ومن يدافع عنها سواء من طرف إقليمي أو دولي عدا أهل السنة حتى ظهروا بمظهر أن لا ظهير لهم في العالم العربي السني الذي كان يفترض أن يلجأوا إليه وما زاد الطين بلة وما يشجع الآخرين عليهم هو أن النزاعات والتشرذم صارت عنوانا رئيسيا لهم وان كان هذا التشرذم لأهل السنة في لبنان فقط ولكن في جميع أنحاء المنطقة العربية.