تصادف هذه الأيام مرور الذكرى الثانية والثلاثين للانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي اندلعت شرارتها الأولى في الثامن من ديسمبر عام 1987، في مخيم جباليا بقطاع غزة، عقب حادثة دهس متعمدة من سائق شاحنة إسرائيلي، حيث قام بدهس مجموعة من العمال الفلسطينيين على حاجز "إريز"، الذي يفصل قطاع غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، فانتفض الفلسطينيون مستخدمين الحجارة كأداة للهجوم والدفاع ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، ومن هنا أيضا جاءت تسمية هذه الانتفاضة بـ "انتفاضة الحجارة"، في البداية ظنَّ الاحتلال أن هذه المواجهات عبارة عن ردّ عابر على جريمة حادث الدهس، لكن سرعان ما انتقلت المواجهات كالنار في الهشيم إلى كافة المدن والمخيمات الفلسطينية، لكن قوات الاحتلال الغاشمة قامت بالرد العنيف على الانتفاضة، وذلك عن طريق إغلاق الجامعات الفلسطينية، كما أبعدت مئات النشطاء ودمرت منازل الفلسطينيين، واعتقلت نحو ما يقرب من 60 ألف فلسطيني من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.

شكّل الشباب الفلسطيني عصب هذه الانتفاضة، التي بمثابة أكبر هبة جماهيرية يخوضها الشعب الفلسطيني بعد احتلال العصابات الصهيونية لبقية الأراضي الفلسطينية في الخامس من يونيو 1967، وكان الشباب هم العنصر الأساسي المشارك فيها، تحت قيادة وتوجيه القيادة الوطنية الموحدة للثورة، والتي كانت عبارة عن اتحاد مجموعة من الفصائل الفلسطينية السياسية تهدف بشكل أساسي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي والحصول على استقلال فلسطين، وقد صادف اندلاع هذه الانتفاضة إعلان الشيخ "أحمد ياسين" عن تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وتطورت وسائل وعمليات المقاومة النوعية خلال الانتفاضة، فتدريجيًا تحولت الإضرابات والمظاهرات ورمي الحجارة واستخدام المقاليع إلى هجمات بالسكاكين والأسلحة النارية، وقتْل لعملاء الاحتلال، وأسر وقتل الضباط والجنود الإسرائيليين والمستوطنين، وكانت هذه هى المرة الأولى التي تُضاف فيها كلمة "انتفاضة" إلى القاموس العربي وقواميس اللغات الأخرى من حيث ترجمتها، لتأخذ الأحداث ضجة إعلامية كبرى، لاسيما في الإعلام الغربي الذي اهتم بتغطيتها، رغم محاولات الاحتلال الصهيوني للتعتيم عليها.

خلال هذه الانتفاضة المباركة ارتوى ثرى فلسطين بدماء 1162 شهيدًا فلسطينيًا دفعوا حياتهم فداءً لوطنهم وثأرًا لمن سبقوهم بالشهادة، وكان من بينهم نحو 241 طفلًا، في حين بلغت حصيلة الجرحى والمصابين أكثر من 90 ألف جريح، كما دُمر أكثر من 1200 منزلٍ فلسطينيٍ، واقتلاع 140 ألف شجرة من الحقول والمزارع الفلسطينية، بصورةٍ عمديةٍ من قوات الاحتلال الصهيوني، إضافة إلى مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المنتجة، ومصادرة الأموال وسرقة البضائع التجارية من محال التجار المساهمين في الانتفاضة، ولم تخلُ الانتفاضة من وحشية المحتل الذي يعشق الدماء، إذ نفذ عدة مجازر في "نحالين" ومخيم "النصيرات" وحي "الشيخ رضوان" و"الصبرة" و"الدرج" في غزة وخان يونس، لكن رُبّ ضارة نافعة، فقد أخذت الانتفاضة طابعًا شعبيًا لم تعتاده فلسطين من حيث وحدة الموقف والتعاضد الاجتماعي والتكافل الأسري وشمولية المواجهة في كافة مدن وقرى فلسطين، إلى جانب اتساع ساحة الاشتباك المباشر مع قوات الاحتلال والمستوطنين اليهود.

تعاقبت على هذه الانتفاضة المباركة عدة حكومات صهيونية، سواء من اليسار أو من اليمين، وكذلك لكلا الجهتين معًا في حكومة وحدة برئاسة "اسحق شامير"، و"اسحق رابين" الذي كان وزيرًا لجيش الاحتلال آنذاك، وهو من قرر استخدام سياسة "تكسير العظام" بحق الفلسطينيين، فشرعت قوات الاحتلال في استخدام أبشع السبل لقمع الانتفاضة، وقد قام مصور بالتقاط مشاهد مروعة لجنود صهاينة وهم يقومون بتحطيم أيدي وأرجل فتية فلسطينيين في أحد جبال نابلس، وهو الأمر الذي أثار ضجة عربية ودولية من الانتهاكات الإسرائيلية، وسادت حالة الغضب الدولي تجاه ما يحدث، لكن الاحتلال ظل في مكابرته واستخدامه للقوة الغاشمة، فاستدعى ما أسماه بـ "قوات حرس الحدود" لقمع الانتفاضة، وزعمت الحكومة الصهيونية إصدار قواعد للتعامل مع حشود الفلسطينيين خلال المواجهات، تتعلق بكيفية ومتى يتم إطلاق النار، لكن تلك القواعد كانت مجرد مزاعم واهية ولا وجود لها على أرض الواقع، إذ كان الجنود يتعمدون إطلاق النار بشكل مباشر على رؤوس وصدور الفلسطينيين، وفي ظل الاعتقالات اللا محدودة قام الاحتلال بفتح سجون عديدة لاستيعاب العدد الهائل من الفلسطينيين الذين اعتقلتهم، وحولهم إلى الاعتقال الإداري بدون أي محاكمات.

ظلت شعلة الانتفاضة متوهجةً إلى أن هدأت بتوقيع منظمة التحرير الفلسطينية، بزعامة "ياسر عرفات" اتفاق سلامٍ مع رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك "إسحق رابين" يوم 13 سبتمبر عام 1993، والمعروف باتفاق أوسلو للسلام، وبالرغم من أنه قد أعاد شيء من الهدوء إلى الأوضاع، إلا أنه تسبب في انقسام حاد داخل المجتمع الفلسطيني، بعدما اعترفت منظمة التحرير بـ"حقّ إسرائيل في الوجود ونبذ الإرهاب"، بمعنى أنّ أراضي 1948 باتت خارج إطار الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وخارج الاستحقاقات القانونية للفلسطينيين، هذا إلى جانب مجموعة من البنود الضبابية الأخرى التي دفع الشعب الفلسطيني أثمانًا كبيرة لها طوال السنوات الماضية، لكن الطامة الكبرى في مفاوضات أوسلو أنها قد أسفرت عن إخماد الهبة الجماهيرية الكبرى التي كانت تزداد مع الوقت وتحقق مكتسبات على الصعيدين الداخلي والدولي، وبدلًا من ذلك غرق الفلسطينيون في مفاوضات عبثيّة وطويلة لا نهاية لها، وعلى الجهة الأخرى كان المحتل الصهيوني يحقق مزيدًا من المكتسبات، سواء على الأرض من حيث اتساع رقعة المستوطنات وزيادة عدد المستوطنين، أو على الصعيدين السياسي والدبلوماسي.

مرت سنوات عديدة على انتفاضة الحجارة، ومضى عهد اتفاق أوسلو، وتدفقت بعده المقترحات الغربية والعربية الهادفة إلى إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، خلال تلك السنوات زار المفاوض الفلسطيني عواصم ومدن كثيرة حول العالم، أطال الجلوس حول الموائد المستديرة والمستطيلة ومختلفة الأشكال، لم يحصل سوى على الوعود التي تُنفذ، والمقترحات التي لا ترى النور، والكثير من الصور التذكارية لتخليد المفاوضات في ذاكرة أتعبتها المفاوضات التي لا تجدي نفعًا، فيما كان المحتل الصهيوني مستمرًا في إجراءاته غير المسبوقة التي تستهدف تهويد فلسطين من البحر إلى النهر، تلك الإجراءات لن تتوقف إلا عبر لملمة شتات الفصائل والأطراف الفلسطينية، واستعادة روح الانتفاضة الأولى، ومنح الشعب فسحة لترميم وإعادة تأهيل نفسه لاسترداد دوره المقاوم كي ويسطّر بطولات جديدة تحكي صمود شعبٍ أبيٍ لا يزال يناضل من أجل وطنه في مواجهة هذا المحتل الغاشم.