منذ استقلال الجزائر عام 1962وهي تتقلب في أحضان أوتقراطية الثورة التي إلتزمت بإخضاع الشارع الجزائري لنسق من المبادئ الإشتراكية لغاية الحفاظ على سقف منخفض من الحرية سواء على الصعيد الشخصي أو الأيديولوجي، فتلك الثورة هي التي قررت لون التعاطي مع القضايا المصيرية مثل أن يقبل بلد المليون شهيد بالمستعمر الفرنسي شريكاً رئيسياً في إقتصاد البلاد، وكذلك تقديم العون للتدخل الأمريكي في بلدان الساحل والصحراء وتجنب التدخل في الملف الليبي وإلتزام الحياد فيه حتى لا تصل العدوى إلى الجماهير التي تخضع لفرنكفونية الجيش منذ عقود فتصبح مطالب الحرية أعمق بكثير من طرد المستعمر بل صنع هوية جديدة للجمهورية الجزائرية تحفظ الحقوق وتلزم الناس بواجباتهم دون تفرقة بين عرق أو لون بل حاضنة واحدة عمقها الإسلام. 

منذ ما قبل تجديد إنتخابه زوراً عام 2014 لرئاسة البلاد لولاية رابعة والرئيس عبد العزيز بوتفليقة يعيش حالة صحية متردية لا يقبل فيها الجدل إذ خاض جولات علاج في العقد الأخير أكثر من مرات ظهوره على الهواء أمام الجزائريين، لذلك بدأت المطالبات الجماهيرية تزيد في حدتها للمطالبة بتنحيته لكون البلاد تغرق في المزيد من أزمات الاقتصاد ومحاولات أقطاب الحكم ورجال الأعمال وأبرزهم، سعيد بوتفليقة، الذي كان يعد الشخصية الأقوى في عهد شقيقه، إظهار وجه جديد للدولة عبر إطالة أمد حكم الرئيس المريض، لكن في الانتخابات الأخيرة التي كانت مقررة في 2019 استغل الجيش بزعامة قايد صالح تضخم الإحتجاجات ضد لوبي كبير من رجال الأعمال وقادة دوائر أمنية مختلفة منها المخابرات للهيمنة على الدولة في المرحلة المقبلة على الإعتبار أنه جسر عبور ما بين الدولة القديمة والثورة.  ونجح الجيش بإجبار عبد العزيز بوتفليقة على الإستقالة وبالتالي كشفت صفحة أكثر سواداً للجزائريين تمثلت في أن الدولة العميقة في الجزائر أعمق بكثير مما كان يدور في أذهانهم، فقد بدأت حملة ضخمة من صالح استهدفت جميع الحرس القديم الذين كانوا يحيطون ببوتفليقة، وكانت تلك خطوة جيدة فسرت على أنها في سياق تصالح الجيش مع الثورة وطي صفحة الماضي، لكن الأيام أثبثت أن ما يجري كان جزء من حرب باردة بين أقطاب تتصارع على السلطة استغلالاً لحالة الفراغ السياسي الموجود.

قبل الثورة الجارية في الجزائر كان بوتفليقة الوجه الأبرز للسلطة لكن بعد إقالته، اتضح أن الجيش هو الممسك الفعلي بزمام الحكم، وهي صورة ذهنية بدأت تتشكل حديثاً خلافاً لما سبق، إذ اعتبر الجزائريين الجيش ثابت من ثوابتهم كونه تشكل بفعل نواة غرستها ثورة التحرير، وحتى عقب العشرية السوداء التي راح ضحيتها مئات الآلاف بسبب صراع على السلطة بين جماعة إسلامية وبين جبهة التحرير الوطني التي كان يمثلها الدولة العسكرية.

جاءت استقالة بوتفليقة وسط غياب خطة خلافة تحفظ للبلد استقرارها، وبدلاً من تأمين عملية ديمقراطية تفرز منظومة حكم تمثل الشارع الجزائري، لجأ الجيش للضغط بإتجاه تغيير بعض القوانين التي تطيل الفترة الإنتقالية وكذلك تهديد المتظاهرين واعتبارهم أداة من أدوات الفوضى التي يجب قمعها، وفرض انتخابات رئاسية بالقوة قبيل إجراء أي تعديل على الدستور السابق أو حتى تنظيم انتخابات برلمانية.

أفزع إعلان رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، من داخل ثكنة عسكرية عن تنظيم انتخابات رئاسية في ديسمبر نشطاء الثورة وأكد لهم ما كان ضمن دائرة الشك لديهم ألا وهو تمكين الجيش لنفسه في المرحلة المقبلة لذلك زادت وتيرة المفاوضات وزادت معها الصدمات عقب الإعلان عن قائمة المرشحين للإنتخابات الرئاسية وجميع من ذكر فيها هم فعلياً ممن تربوا في أحضان النظام السابق.

بدأت الجزائر تشهد صداماً بين خيار الدولة المدنية والجيش الذي يريد أن يصدر لهرم السلطة قيادات يضمن رعايتها لمصالحة الاقتصادية الضخمة في البلاد.

إن ما يمكن الوصول إليه هو أن الصورة الذهنية الذهبية التي كان يحتفظ بها المواطن الجزائري حول الجيش أصبحت هشة ومعرضة للتشويه بفعل إقاحم الجيش لنفسه في الصراع مع الثورة بدلاً من حمايتها وضمان سير المرحلة الإنتقالية في الاتجاه الصحيح.  ورغم وجود تمييز كبير بين أبناء الجيش وبين الطبقة المهيمنة على الجيش من نخبة حاكمة إلا أن الأمور تزداد ضبابية وتعقيداً مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية.

فقد أيقن الشارع الجزائري أن قائمة المرشحين الخمسة الذين رشحوا أنفسهم للانتخابات الرئاسية ماهي إلا لعبة إشغال للرأي العام ومجرد غطاء لعدم فضح خيارات الجيش لهذه المرحلة، وأصبح إدراكهم جلي بأن هذه الانتخابات ما هي إلا وسيلة للتجديد لهذا النظام بدلاً من إنهائه. أخطر ما يمكن مشاهدته في هذه المرحلة هو أن الجيش لن يتوانى في تكرار عشرية سوداء جديدة بهدف الحفاظ على سلطته داخل الدولة ومصالحة لا سيما مع حملات الإعتقالات والقمع التي ينفذها خلال أيام الاحتجاجات رغم حفاظ المتظاهرين على سلميتهم.