تتويجا لإعلان الملك المغربي محمد السادس في نهاية تموز / يوليو الماضي، خلال خطاب للشعب بمناسبة الذكرى العشرين لتوليه الحكم، أن الحكومة بقيادة حزب العدالة والتنمية مقبلة على تعديل في تشكيلتها، قبل انقضاء النصف الأول من شهر تشرين أول / أكتوبر، تاريخ افتتاح السنة التشريعية في البرلمان. أٌعلن في 9 تشرين أول / أكتوبر عن تعديل حكومي شامل بالمغرب، واستقبل الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط رئيس الحكومة وأعضاءها الجدد، قبل يومين من افتتاح الدورة الأولى للبرلمان المغربي.

الحكومة الجديدة شملت في هندستها تغييرا شاملا في خفض وتقليص عدد أعضائها من 39 وزيرا وكاتبا إلى 23، بعد تجميع عدد من القطاعات الوزارية وحذف كتابات الدولة وهي قطاع حكومي أقل من الوزارة يكون تحت مسؤولية وزارة ما، وتضم الهيكلية الجديدة 18 وزيراً و5  وزراء منتدبين يرأسون وزارات ملحقة بوزارة رئيسة، إلى جانب رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، وباتت الحكومة في نسختها الجديدة تضم  4سيدات أسندت لهن وزارات (التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة(، بعدما كانت في نسختها السابقة تضم  8 نساء.

وتعتبر هذه النسخة أصغر حكومة في تاريخ المغرب السياسي الحديث، ويعود تاريخ الحكومات المصغرة في المغرب إلى فترة ما بعد الاستقلال بين منتصف الخمسينيات والستينيات، حيث كان عدد أعضاء الحكومة حينها يتراوح بين 11  إلى 20  وزيرا.

وانبثقت الحكومة الجديدة من أحزاب الأغلبية الخمسة بعد إعلان حزب التقدم والاشتراكية الانسحاب في اللحظات الأخيرة للمشاورات، وأسندت لحزب العدالة والتنمية الذي يقود الائتلاف الحكومي سبع وزارات، وأربع لحزب التجمع الوطني للأحرار، ووزارتان لحزب الحركة الشعبية، ووزارة لكل من الاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بينما عين تسعة وزراء تكنوقراط دون انتماء سياسي في وزارات حساسة وإستراتيجية أهمها وزارة الداخلية، ويقودها عبد الوافي لفتيت ووزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ويرأسها ناصر بوريطة، في حين كُلف أحمد التوفيق بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وهو من الحكومة السابقة ولم يتغير .وتم تكليف عبد اللطيف لوديي وزيراً منتدباً لإدارة الدفاع الوطني، ونور الدين بوطيب وزيراً منتدباً لدى وزير الداخلية، وحسن الجز ولي وزيراً منتدباً مكلفاً بالتعاون الإفريقي، ومحمد الحجوي أميناً عاماً للحكومة، وخالد آية الطالب وزيراً للصحة، وإدريس عويشة وزيراً منتدباً مكلفاً بالتعليم العالي.

إن الناظر لتشكيلة الحكومة الجديدة وتعديلاتها يرى أنها راعت العديد من المعايير التي طالب بها الملك محمد السادس في خطابه السابق والمتمثل في تقليص عدد الوزراء واختيار الوزراء على أساس الكفاءة، والحرص على فعالية الهيكلة الحكومية. وإدخال الكفاءات الجديدة، والحرص على أن يراعي فيها حضور النساء وبعض الشباب، لكن في الوقت ذاته يؤخذ على التشكيلة الجديدة للحكومة احتفاظها بالوجوه نفسها في بعض القطاعات الوزارية خاصة بعض الوزراء الذين استمروا لما يزيد على عشر سنوات في مواقعهم مثل وزيري الفلاحة والصيد البحري والأوقاف. وكذلك مدى جدوى هذا التغيير في ظل اقتراب موعد الانتخابات التشريعية حيث لا يفصل المملكة سوى عام ونصف العام عن الموعد المزمع لإجرائها في 2021. لذلك سيكون أمام الحكومة بتشكيلتها الجديدة، التي واجهت انتقادات لاذعة طالت عدداً من وزرائها، فضلاً عن طريقة عملها والخلافات بين أعضائها، عام ونصف عام قبل إجراء الانتخابات لتحسين ظروف المواطنين المغاربة وتلبية احتياجاتهم اليومية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية الأساسية، والحد من الفوارق الاجتماعية، وتعزيز الطبقة الوسطى وتحسين وضعية الفئات الهشة والمحرومة والرفع من مستوى التعليم والصحة وخلق فرص العمل. فهل بمقدورها تحقيق ذلك في هذه المدة القصيرة؟

يكمن عاملين أساسيين وراء التعديل الحكومي الذي تم في حكومة العثماني الثانية الأول:  ضرورة إجراء تغير في الوزارات السيادية وإبعادها عن اللون السياسي والخضوع لممارسات الأحزاب بسبب حيويتها وحساسيتها والثاني:  الفشل الكبير الذي ظهرت عليه الحكومة السابقة في التعاطي مع قطاعات خدماتية ذات طابع اجتماعي واقتصادي كالصحة والتعليم والشغل.

لذلك على الحكومة أن تسرّع وتيرة عملها بالقطاعات الاجتماعية، بالإضافة إلى تدارك الاختلالات التي أضاع فيها المغرب سنوات من النقاشات العقيمة والفراغ المؤسساتي، والقرارات المتخذة خلال الأيام المائة الأولى من تولي الحكومة الجديدة كفيلة بإعطاء صورة عن مدى فاعليتها.