مع تزايد الضغط الشعبي في لبنان لتغيير النظام السياسي سواء في برامجه وأشخاصه، تقف القوى الشيعية في لبنان موقف العداء لتلك التظاهرات، حيث تعتبرها محاولة من اللبنانيين من غير الشيعة لإنهاء احتكار الأحزاب والحركات الشيعية للقرار السياسي اللبناني.

ومن هذه المحاولات ما جرى اليوم في النبطية بالجنوب اللبناني حيث حاولت شرطة بلدية النبطية فضَّ الاعتصام الذي كان موجودا في وسط المدينة، بعد تجمّع حشد من الأهالي لليوم السابع على التوالي، وذلك بعد أن شعرت القوى المحلية والتي تسيطر عليها حركة أمل وحزب الله بتزايد عدد المتظاهرين بعدما كان عددهم قليلاً الذين بادروا إلى قطع الطريق، تاركين الطرق الجانبية مفتوحة بما لا يعوق حركة الأهالي، كما جرت إصابة مصوّر تليفزيون "الجديد" خلال محاولة فضّ الاعتصام وتوقف بث المحطة من المنطقة.

وقبلها بيومين كادت أن يتحول الأمر في بيروت للاقتتال بين الأحزاب الشيعية والمتظاهرين، عندما تصدى الجيش اللبناني لمسيرة الدراجات النارية التي رفعت أعلام حزب الله وحركة أمل وجابت شوارع بيروت، وذلك بعدما حاولت الدراجات النارية من اختراق ساحة التظاهرات في رياض الصلح وساحة الشهداء، وتمكن الجيش من ردعهم.

المشكلة الكبرى أن هؤلاء ممن يطلق عليهم رافضة لبنان، أن غالبيتهم لم يكونوا من سكان لبنان بل استوطنوها في العقود الأخيرة وهم رأس حربة إيرانية في المنطقة.

ولكن السؤال الآن من أين جاءوا هؤلاء وكيف تغلغلوا في النسيج اللبناني حتى فوجئ الناس أنهم أصبحوا الطائفة الثانية في لبنان من حيث العدد بعد السنة؟

عرف التشيع طريقه إلى لبنان مع سيطرة الفاطميين العبيديين على مصر والشام، ثم ما أعقب سقوطهم على يد صلاح الدين الأيوبي، حيث هرب زعماء الفاطميين ودعاتها إلى جبال لبنان، ونُقل عن أبي شامة رأيه أنّ الرفض ازداد في أيّام الفاطميين، فأفسد عقائد أهل الجبل الساكنين في ثغور الشام.

شهد العصر الشيعي انكماشا وانحسارا للمذهب الشيعي في مصر والشام، لكن العصر المملوكي كان انتعاشا للمذهب الشيعي في لبنان، نظرا لعدم اهتمام المماليك بأمر العقيدة.

نعم عاشت قبائل عربية من أصول يمنية في جبل عامل، وتشيع بعضها، وصدر هذا الجبل المذهب الشيعي إلى بلاد فارس أيام حكم الشاه إسماعيل الصفوي بعد أن كانت غالبية سكان إيران على مذهب أهل السنة والجماعة، ولكن سرعان ما رد الفرس الشيعة المذهب مرة أخرى إلى الدول المجاورة ومنها إلى لبنان.

وفي عام 1960 برز الإمام موسى الصدر الإيراني، الذي مهد لقيام الكيان الشيعي المستقل في لبنان عبر تأسيس عدة لجان اجتماعية وثقافية ومؤسسات دينية وخدماتية. وكان الصدر العلاقة الشيعية الإيرانية الأولى في تاريخ لبنان الحديث، قبل ظهور أفواج من الحرس الثوري الإيراني في الجنوب اللبناني والبقاع. بعدما انتصرت ما يطلق عليها الثورة الإسلامية في إيران، ووصل الخميني إلى السلطة وأعلِنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتزامن ظهورهم في لبنان مع مواجهات عنيفة على الجبهة العراقية لوقف التمدد الفارسي في اتجاه الخليج ومنع امتداد الثورة إلى شيعة العراق.

هكذا وفّرت الجمهورية الشيعية الإيرانية دعماً معنوياً ومادياً للمجموعة الشيعية في لبنان، وازداد انجذاب شيعة لبنان للدراسة في الحوزة الدينية في قم الإيرانية.

وشكلت الجمهورية الإيرانية قوة دفع للكيان الشيعي اللبناني عبر الدعم المالي وبناء المؤسسات التعليمية والطبية والاجتماعية. ويؤكد الباحث طلال عتريسي، أن إيران لم تبدأ من الصفر في رسم معالم الواقع الشيعي الجديد في لبنان، وإنما بدأت مع كيان شبه مُكَوّن ويقصد هنا الباحث شيعة جبل عامل.

وتقول بعض المصادر، أن لبنان كانت 90% منها سنة ودروز وبعض العلويين ثم هاجر إليها الصدر في السبعينات وشيع كثير من أهل السنة، الذين كانوا وقتها شبه ضائعون وكانوا منبهرين بالحضارة الغربية، فدعمته إيران الثورة فشيع كثير من إخواننا السنة.

ثم جاءت مرحلة تغلغل الحرس الثوري الإيراني في لبنان، فقد أشار الأمين العام للمجلس الإسلامي العربي محمد علي الحسيني خلال مقابلة صحفية أجريت معه، إلى أن الحرس الثوري الإيراني تم تشكيله من أجل تصدير الإرهاب.

وقال: إن الحرس الثوري الإيراني تأسس في الأصل على أساس تصدير الفكر الإرهابي وتصدير التطرف والتعصب في المنطقة، معتبرا أن الثورة الإسلامية بإيران قامت على إرهاب المواطنين.

وأضاف الحسيني: إن الشعب الإيراني يعاني أشد المعاناة من هذه الطغمة الحاكمة في نظام الملالي الإيراني، الذين يدعون الحكم بالإسلام وهم بعيدون كل البعد عنه، بل مشوهين للدين الإسلامي السمح، فقد استولوا على السلطة بعد أن أرعبوا قلوب الملايين من الشعب وقتل من قتل وأعدم من أعدم، ولم تسلم من الإعدامات النساء الحوامل بل لم يسلم حتى الأطفال، ثم بدأ هذا النظام بنشر فكر الموت وثقافة الموت من إيران إلى كل العالم، حيث أصبح الإيمان بولاية الفقيه من أصول الدين، وهذا يعتبر تحريفا بالدين. وتابع الحسيني بحسب موقع عراقنا: إن النظام الإيراني بأسره هو نظام إرهابي، هو نظام ينادي بقتلنا جميعا سنة وشيعة مسلمين، وغير مسلمين وكل من لا يؤمن بولاية الفقيه، هذا النظام يدعو عليه ومن بعد الصلاة بالموت له، حيث يقولون الموت لأعداء ولاية الفقيه، مؤكدا أن هذا يعتبر إرهابا فكريا.

وعن الحرس الثوري زاد الحسيني: إن يد الإرهاب للحرس الثوري المتمثل بفيلق قدس طالت شعبنا في العراق وطالت شعبنا في لبنان.

ثم جاءت مرحلة أخرى مصاحبة لوجود الحرس الثوري الإيراني متمثلة في حزب الله ليسطر فصلا جديدا للفرس الشيعة في لبنان، وفي إحدى المناسبات في تاريخ 5/3/1987، قال الناطق باسم حزب الله في ذلك التاريخ إبراهيم الأمين: نحن لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران في لبنان ولبنان في إيران، ويقول حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله: إننا نرى في إيران الدولة التي تحكم بالإسلام، والدولة التي تناصر المسلمين والعرب، وعلاقتنا بالنظام علاقة تعاون، ولنا صداقات مع أركانه ونتواصل معه كما أن المرجعية الدينية هناك تشكل الغطاء الديني والشرعي لكفاحنا المسلح.

ويقول الشيخ حسن طراد إمام مسجد الإمام المهدي، إن إيران ولبنان شعبٌ واحد وبلدٌ واحد، وكما قال أحد العلماء الأعلام: إننا سندعم لبنان كما ندعم مقاطعاتنا الإيرانية سياسياً وعسكريا.

ويقول الأمين العام السابق لحزب الله: صبحي الطفيلي في لقاء معه، إنّه كان في زيارة إلى الجمهورية الإيرانية، واتفقوا على إنشاء مقاومة في لبنان، وبدأ الحزب عمله وأتى آلاف الإيرانيين ليقوموا بمهمة الدعم والتدريب لهذا الحزب.

ومن المعلوم أن إيران قد قامت بإرسال الحرس الثوري إلى لبنان، للقيام بالتأسيس الفعلي لحزب الله والمساعدة في تدريبه ودعمه، وكان عدد المُوفدين من الحرس الثوري الجمهوري 2000 شخص، كما قام الحرس الثوري الجمهوري الإيراني بدوره في نشر عقيدته في وادي البقاع اللبناني والمناطق التي يسيطر عليها الحزب، وأسّسوا المستشفيات والمدارس والجمعيات الخيرية.

فهذه نبذة عن تاريخ تغلغل الفرس في لبنان فغالبية الشيعة، ومصدر قوتهم هي من خارج لبنان، وبالتحديد إيران الفارسية الشيعية