غداة رجوع، موسى بن نصير من الأندلس (ومعه طارق بن زياد) إلى الشام في آخر سنة 95هـ، استخلف عليها ابنه عبد العزيز، فكان أول ولاتها. وترك والده معه من العساكر، ووجوه القبائل، من يقوم بحماية البلاد، وسد الثغور، وجهاد العدو.: وكان عبد العزيز، والمتأثر إلى حد كبير، بشخصية والده القيادية، وبراعته في اكتساب ولاء الناس ومودتهم، نموذجا جيدا للوالي الناجح، حيث رافق والده في كثير من الحملات العسكرية، وتتبع ممارساته في الإدارة والحكم، وورث عنه الشجاعة، كما ورث عنه المرونة، والنظرة البعيدة في السياسة، وكان الوالد قد ترك لابنه مهمات، لا تخلو من الخطورة، فتصدى لها بجديّة وحزم[1]، فقد قام عبد العزيز، بأمر الأندلس خير قيام: فضبط سلطانها، وضم نَشَرَها، وسدّ ثغورها، وافتتح في ولايته مدائن كثيرة، مما كان قد بقي على أبيه موسى منها[2]، وكان خيرا فاضلا، وبقي أميرا إلى سنة سبع وتسعين، وقيل: ثمان وتسعين، فقتل بها[3]، والصواب الأول كما سيأتي. وقد جاءت عملية قتله، بعد زواجه من ايجلونا أرملة الملك لذريق، آخر ملوك القوط، حسب رواية بعض المؤرخين، ولم يصرّح ابن القوطية بذلك، وإنما اكتفى بالقول بأنها " امرأة من القوط تدعى أم عاصم[4]". ورغم أن أيجلونا هذه "دخلت الإسلام بعد ذلك، وكنيت أم عاصم نسبة إلى الطفل (عاصم) الذي أنجبته من زوجها الجديد "[5]، كما جزم بذلك المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال. ورغم أن الكثيرين من النصارى، قد أسلموا على يد عبد العزيز ، كما ذكر المؤرخون، إلا أنه، ونتيجة لإقامته معها، وإنعزاله عن الناس، متأثرا بما جرى لوالده في دار الخلافة، بدمشق، سرت إشاعات، بين الجنود في الأندلس، منها أنه قد وقع تحت تأثير هذه الزوجة القوطية، بحيث أصابت حياته التي انعكست عليها بعض سمات ومظاهر الملوك القوط، وأبرزها وضع تاج النصارى على رأسه، في منزله، كما قيل. بل ذهبت بعض الإشاعات، إلى حد اتهامه، بالميل إلى النصرانية. وأكثر الناس أن هذه الحكاية لا تصح، وإنما قتلوه بأمر سليمان لهم بذلك إذ نكب والده[6].

وقيل أن كبار الجند، كتبوا بما أنكروه من أمره، إلى الخليفة سليمان بن عبد الملك (96-98هـ)، فبعث إليهم، أن يحتالوا عليه حتى يتخلصوا منه، وأبرزهم حبيب بن أبي عبدة بن عقبة بن نافع، وزياد بن نابغة التميمي، وزياد بن عذرة البلوي. إلا أن التابعي الجليل عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، وكان حينذاك، واحدا من كبار القادة الذين دعوا للاشتراك في هذه المؤامرة، نأى بنفسه عن المشاركة فيها. كما لم تؤثر فيه الإشاعات التي تم الترويج لها، حول انحرافات عبد العزيز بن موسى بن نصير، وخروجه عن جادة الحق والصواب، ولبسه التاج وتنصره، لتسويغ وتبرير عملية اغتياله، فإن: مثل تلك الإشاعة، لا تؤثر في الذين خبروا مزايا عبد العزيز، تقيا ورعا، كما لا يصدقها العقلاء، الذين في السلطة أو خارجها[7]. بل إن عبد الرحمن الغافقي، لم يأل جهدا في محاولة منع هذه الجريمة، والصدوع بكلمة الحق، في وجه المتآمرين، دون أدنى مواربة أو تردد أو خوف. فإنه عندما جاء إليه أولئك المـتآمرون، الذين كانوا من وجوه الجند من العرب، والذين كانوا قد عقدوا العزم، على تنفيذ عملية الاغتيال، فأعلموه (بخطتهم، وبما دبروه)، ثم أقرءوه كتابا، زعموا أنه من الخليفة سليمان بن عبد الملك، يأمرهم فيه بقتله. رد الغافقي بتخويفهم وتحذيرهم، من مغبة الأقدام على هذه الجريمة، وذكرهم بأيادي موسى بن نصير البيضاء عليهم، وقال لهم بالحرف:

"قد علمتم يد موسى عند جميعكم، صغيركم وكبيركم، وإنما بلغ أمير المؤمنين، أمرٌ كُذِبَ عليه فيه، والرجل لم ينزع يدا من الطاعة، ولم يخالف فيستوجب القتل، وأنتم ترون، وأمير المؤمنين لا يرى، فأطيعوني، ودعوا هذا الأمر".

فأبوا، ومضوا على رأيهم[8] "، كما جاء في هذه الرواية التي وردت في كتاب (الإمامة والسياسة) المنسوب لابن قتيبة، وسماه عبد الله بن عبد الرحمن الغافقي، وجاء اسمه على هذا النحو أيضا، في تاريخ البخاري، وهو خطأ. والمهم أنهم مضوا على رأيهم، ونفذوا جريمة الاغتيال. وكان ذلك في صدر رجب من سنة 97هـ (يناير 716م) بمدينة أشبيلية، بمسجد رفينة[9]. قال ابن القوطية: وكان ذلك، أي مقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير، بمسجد ربينة، المشرف على مرج أشبيلية، إذ كان ساكنا، في كنيسة ربينة، وإذ نكح امرأة من القوط، تُسمى: أم عاصم، كان يسكن معها، في هذه الكنيسة، وكان قد ابتنى على بابها المسجد، الذي قتل فيه، وكان دمه فيه، على عهدٍ قريب[10].

هكذا كان موقف عبد الرحمن الغافقي، من حادثة اغتيال عبد العزيز بن موسى بن نصير، الوالي الأول للأندلس، ومكمل الفتوح. لقد ظل الغافقي ملتزما بالبيعة، التي في عنقه له، ومعترفا بجميل والده عليه، ووفيا لهما، حتى النهاية، ولم يغير، أو يبدل، ولم تغره الدنيا، ولم ير أي مسوغ لسفك دمه، خاصة، وهو، أي عبد العزيز بن موسى بن نصير، بنظر الغافقي: "لم ينزع يدا من الطاعة، ولم يخالف، فيستوجب القتل". وهذا الموقف، غير مستبعد، من رجل تربى على أيدي الصحابة الكرام، الجيل الذي رضي الله عنه، وأنزل السكينة عليه، وشهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية، وحسبك برجلٍ صحب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وأخذ عنه ما شاء الله أن يأخذ، وتأسى به أعظم التأسي[11]، عبد الله ابن عمر، الذي كان أحرص الناس على السنة، واقتفاء آثار النبي صلى الله عليه وسلم، ولزوم الجماعة، والحذر من الوقوع في دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم، والذي وصفه الأستاذ خالد محمد خالد أيضا في كتابه ( رجال حول الرسول) ، بـ : " المثابر الأواب، الذي لا ينحرف عن نهجه، قيد شعرة، ولا يند عن بيعة بايعها، ولا يخيس بعهد أعطاه". وبعض هذه الصفات، كما نرى، قد انعكست في شخصية تلميذه التابعي عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي.

وقد حقق سليمان في قضية عبد العزيز، فوجد أنه بريء مما نسبوه إليه "، فألفى ذلك باطلا، وأن عبد العزيز، لم يزل صحيح الطاعة، مستقيم الطريقة "، كما جاء في ( الإمامة والسياسة) المنسوب لابن قتيبة[12]، ولذلك اعتبرت هذه العملية، من أعظم أخطاء الخليفة سليمان بن عبد الملك.

***


 

 


[1] إبراهيم بيضون، الدولة العربية في أسبانية، دار النهضة العربية- بيروت، ط2، 1406هـ/1986م، ص86، 89.

[2] المقري، نفح الطيب (1/281)، تحقيق إحسان عباس، دار صادر- بيروت، 1968.

[3] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، اعتنى بطبعه أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية، بدون تاريخ، ص668.

[4] ابن القوطية، ‏تاريخ افتتاح الأندلس، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتاب المصري القاهرة ، دار الكتاب اللبناني بيروت، ط2، 1410هـ/ 1989، ص37.

[5] ليفي بروفنسال، تاريخ اسبانيا الإسلامية، ترجمه إلى الاسبانية إميليو جارثيا جومث، ترجمه إلى العربية علي عبد الرءوف وآخرون، المجلس الأعلى للثقافة -القاهرة، 2000، ص45.

[6] ابن عذاري، البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب(2/30)، تحقيق بشار عواد معروف ومحمود بشار عواد، دار الغرب الإسلامي – تونس، ط1، 1434هـ / 2013.

[7] محمود شيت خطاب، قادة فتح الأندلس (2/41)، مؤسسة علوم القرآن- بيروت، منار للنشر- دمشق، ط1، 2003.

[8] ابن قتيبة (ينسب له) ، الإمامة والسياسة (2/112)، انتشارات الشريف الرضي، إيران، ط1، 1413هـ.

* قلت: وقد كشفت تحقيقات الباحثين أن هذا الكتاب من تأليف أحد أحفاد موسى بن نصير وكان مقيما بمصر.  

[9] محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس من الفتح إلى بداية عهد الناصر، مطبعة لجنة التأليف والترجمة- القاهرة، ط4، 1389هـ/1969م، ص72.

[10] ابن القوطية: المرجع السابق، ص37.  

[11] عبد الرحمن رأفت الباشا، صور من حياة التابعين ، دار الأدب الإسلامي، ط. مزيدة ومنقحة، 1997م/1418هـ، ص389. 

[12] السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس، مؤسسة شباب الجامعة- إسكندرية، 2001، ص 114 حاشة: 3.