تأخر رئيس الحكومة السودانية عبد الله حمدوك بالإعلان عن قائمة وزراء حكومة الفترة الانتقالية في السودان، والتي جاءت بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير، وذلك من أجل التشاور بين المجلس السيادي وقوى الحرية والتغيير ومكونات المشهد السياسي في البلاد، حيث أعلن حمدوك، أن التأخر في إعلان التشكيلة الحكومية، سببه الحرص على تمثيل كل أطياف المجتمع السوداني في حمل الحقائب الوزارية.

ولكن المتتبع للحالة السودانية يتساءل: هل استطاعت قوى الحرية والتغيير –بالفعل- التأثير على العسكر في البلاد لإخراجهم من المشهد برمته من خلال الضغط الشعبوي؟ أم أن هناك اتفاقات تمت بين العسكر ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب لمنع تفاقم الأزمات في البلاد وتقسيم السلطة لتشمل كافة الأطياف؟ خصوصاً في ظل تدخل بعض الدول العربية والإقليمية على خط تلك الثورة؟ ثم إلى أي أجل ستظل تلك الأطراف متمسكة بالوحدة، خصوصاً وهناك التباين بين كل حزب وآخر؟ فحالة عدم الانسجام بين مكونات عناصر الحكومة والذين يعودون لخلفيات قومية عربية أو ليبرالية وغيرها من تقاطعات فكرية ستظل حائلا أمام الاتفاق على علاقات داخلية وخارجية متوازنة، سيما في محور التطبيع مع إسرائيل والتعامل مع سياسة المحاور في المنطقة. وهل النظم العسكرية القائمة ستقبل بالتأثير على مقدراتها العسكرية لاحقاً؟ وأخيراً، هل الشعب السوداني مؤهل بالفعل لممارسة الديمقراطية بعد عقود من الحكم الدكتاتوري؟

إن الكثير من دول المنطقة تعلم دور السودان الحيوي والمهم، خصوصاً موقعها الجيواستراتيجي، واحتواؤها على العديد من الثروات والمعادن، بالإضافة إلى نهر النيل، الشريان الواصل لجمهورية مصر العربية. لذا التحكم والسيطرة على النظم القائمة بالسودان أمر مصيري للعديد من بلدان العالم، ويندرج ضمن الأمن القومي خصوصاً لدول الطوق هناك، ولا يتوقف الأمر فقط عند تلك الدول، بل ينحو باتجاه دولة الاحتلال الصهيوني، التي تعتبر تزويد المقاومة الفلسطينية بالعتاد والسلاح يمر من خلال السودان ثم مصر وصولاً إلى غزة، وهو ما دفع دولة الاحتلال القيام بعمليات قصف داخل الجمهورية السودانية إبان حكم البشير أكثر من مرة.

إن ما يجري على الأرض يوضح طبيعة العلاقة غير الصحية بين أفراد المؤسسة السياسية السودانية، خصوصاً المؤسسة الرسمية الناشئة، فهناك ابتزاز لتمرير الحالة الموجودة اليوم في السودان، والسعي لرفع الحصار عن بلد أنهكه الجوع، كما أن هناك محاولات خفية من أجل لجم الحالة الثورية، وكل ذلك يتم من خلال استرضاء العالم الظالم للحصول على جزء أكبر من كعكة المكتسب السياسي، وما تصريحات وزير الشؤون الدينية والأوقاف نصر الدين مفرح القسم، إلا مثالاً بدأ يظهر وسيتمدد بتصريحات وسلوكيات من شأنها تفتيت الدولة السودانية الجديدة، فقد دعا ذلك الوزير الأقلية اليهودية التي غادرت السودان إبان الفترات السابقة، بالعودة إليه مجددا متعهدا بالحفاظ على التعايش الديني والمذهبي.

وإن الجملة التي أطلقها رئيس الوزراء السوداني حمدوك: "نحن في شهر عسل مع العالم". تعني أن حالة الانتعاش بين علاقات الخرطوم بالعواصم الأوروبية وغيرها بعد قطيعة امتدت عقوداً قد لا تدوم، فهل ستنتهي فترة الانتعاش وشهر العسل بعد سقوط البشير لتعود ضعيفة كأداة بيد الاستعمار الكلونيالي المهيمن على مؤسسات صناعة القرار العالمية أو تعيش الحصار مجدداً.

السودان الذي دخل في عزلة طويلة وانهار اقتصادياً، وورث تركة ثقيلة من التحديات والصعوبات الاقتصادية بسبب ذلك، لن يكون بمقدوره ممارسة الديمقراطية بشكل حقيقي ووازن.

لذلك فإن حل أزمات السودان لن يكون مجانياً بالمطلق، فمن حاصر تلك الجمهورية لن يرفع عنها ذلك الحصار مجاناً، بل سيكون له الكثير من المطالب المغلفة بثوب المدنية والإصلاح، وصولاً إلى تماهي الحكومات المتعاقبة مع الأنظمة العربية المجاورة، والتي تسعى في النهاية لتحقيق سلام مع الاستعمار ودولة الاحتلال الصهيوني الوظيفية كي تنعم بعيش رغيد، وما تصريحات السفير والخبير الدبلوماسي الصادق المقلي قوله إن كثيراً من المفاوضات جرت خلال الفترة الماضية لانضمام السودان لمنظمة التجارة الدولية فشلت بسبب حق النقض الذي استخدمته واشنطن دليل على أن هناك ثمن لكل شيء عند أولئك الذين يعبثون بأمن أمتنا العربية ويسيدون عليها من يبيع مقدراتها بلا ثمن.

الديمقراطية السودانية ستظل عرجاء، شأنها شان غالبية الدول العربية، حتى تعود الأنظمة لشعوبها، وترفض الابتزاز الامبريالي والاشتراكي العالمي.