في يوم الجمعة لعشرٍ بقين من صفر سنة 99هـ/717م، مات الخليفة سليمان بن عبدالملك، وتولى الخلافة من بعده ابن عمه، وصهره، ووزيره عمر بن عبدالعزيز، بعهدٍ منه، وبمشورة التابعي الجليل، رجاء بن حيوه الكندي. وقد باشر هذا الخليفة، عهده في الخلافة، بإحياء سنة الخلفاء الراشدين، في ولاية أمور المسلمين، وجعل جهده الأكبر، منصبا على رد المظالم، وإقامة العدل، وتحقيق المساواة بين الناس، وإصلاح الأمور المتعلقة بالجوانب المالية، والإدارية، والقضائية، في الولايات المفتوحة، بما في ذلك، إعادة النظر في أمراء هذه الولايات، واختيار الرجل المناسب للواجب المناسب.

ولم تكن ولاية أفريقية، بمنأى عن اهتمام هذا الخليفة العادل: الذي كان، كما هو معروف، نسيجا وحده بين الخلفاء الأمويين، خاصة في النظر إلى علاقات السلطة، بإدارات البلاد المفتوحة[1]. فقد شهدت هذه الولاية، في خلافته، عهدا جديدا لا سابقة لها به، فقد اختار لولايتها، رجلا صالحا، فاضلا، ورعا، كفؤا، ومن الموثوقين بهم عنده، ألا وهو التابعي الجليل، إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، مولى بني مخزوم، وكان ذلك في المحرم، سنة 100هـ، وجعله: على حربها، وخراجها، وصدقاتها[2]، وأوصاه بأن يحكم بين أهلها بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويفقههم في الدين [3].

ولم يكتف الخليفة بذلك، بل أرسل معه عشرة من التابعين، من أهل العلم، والفضل، والرواية، لمساعدته في هذه المهمة الخطيرة، وهي تفقيه أهل إفريقية، في دينهم، وإقرائهم القرآن، ونشر اللغة العربية، لغة القرآن، في أوساط القبائل البربرية، وقد عُرفت هذه البعثة باسم "البعثة العُمرية"[4].

وأولئك العشرة، بجانب إسماعيل بن عبيد الله، هم: إسماعيل بن عبيد الأنصاري، مولاهم  (107هـ)، المعروف باسم "تاجر الله، لأنه جعل ثلث كسبه لله، يصرفه في وجوه الخير، وبكر بن سوادة الجذامي ( 128ه)، وحبّان بن أبي جبلة القرشي، مولاهم (125هـ)، وعبدالله بن يزيد المعافري الحبلي (100هـ)، وسعد بن مسعود التجيبي، وعبدالرحمن بن رافع التنوخي، وموهب بن حيّ المعافري، وجعثل بن هاعان الرعيني (115هـ)، وطلق بن جابان  الفارسي.

ويقال بأن ثلاثة من هؤلاء العشرة، دخلوا الأندلس وهم: المعافري، والقرشي، والجذامي. ذكر ذلك أبو العرب القيرواني، في (طبقات علماء أفريقية)[5].

وأيا كان الأمر، فقد وصل هؤلاء العشرة، إلى القيروان، حاضرة ولاية، أفريقية في عام 100هـ، وعلى رأسهم والي أفريقية الجديد إسماعيل بن عبيد الله، وأهل إفريقية، أي البربر، يومئذ من الجهل بتعاليم الإسلام، وأوامره ونواهيه، بحيث لا يعرفون أن الخمر حرام، "حتى وصل هؤلاء التابعون، فبينوا تحريمها[6]" لهم، وعلموا الناس الحلال والحرام، وساعدوا ولاة أمور المسلمين على مقاومة النحل الخارجية، وتركيز أحكام الإسلام بين البربر، وانتهت إليهم الإمامة والرئاسة في العلم، وحفظ السنة، واللغة، وأيام العرب، في المغرب، وقد فتح الله بهم على أفريقية، أضعاف ما فتحه السيف، فإنهم أقروا الدين في نصابه، وأعادوا السيف إلى قرابه، وحل العلم والاجتهاد، محل الجلاد والطراد، حسبما نقلته الأخبار، ودلت عليه الآثار[7].

ولم يكن نشاطهم مقتصرا على مدينة القيروان، وما حولها بل، الظاهر، من تراجم هؤلاء، أنهم كانوا نشيطين في دعوتهم وجهادهم، يتجولون في المغرب من أدناه إلى أقصاه[8].

وكان هؤلاء الفقهاء العشرة فضلا عن علمهم، وفقههم، يتصفون بالزهد، ويمارسونه، وكانوا نموذجا، لمن أتى بعدهم من الصالحين، والعلماء العاملين، في أفريقية والمغرب. كما أنهم كانوا قبل ذلك، أبطال معارك وفرسان ميادين، في البر والبحر، وشارك بعضهم مشاركة فعالة في معارك فتح المغرب، والأندلس، وجزيرة صقلية، وبعضهم استشهد في هذه المعارك.

وقد نجح أمير أفريقية الجديد، إسماعيل بن عبيد الله، واحد أولئك العشرة، نجاحا كبيرا وباهرا، في مهمته، في إصلاح شئون ولاية أفريقية، وتفقيه أهلها، وعده المؤرخون أحسن ولاة بني أمية، في المغرب، وتصفه المصادر التاريخية، فتقول: كان حسن السيرة، عالي المنزلة، وفي غاية الزهد والتواضع، وبأنه سار في أهل المغرب بسيرة العدل والحق[9].

وتذكر هذه المصادر، أنه أسلم على يديه كثير من البربر، وأنه كان حريصاً على إسلامهم، وأن الخليفة عمر بن عبد العزيز كان يرسل إليه بالرسائل لدعوة أهل الذمة للدخول في الإسلام، فيقرأها عليهم في النواحي، لذلك غلب الإسلام على المغرب، في عهد هذا الوالي[10]، التابعي، وكان كأميره، بارا تقيا عادلا، وتعد ولايته من أجمل أيام الدهر على أفريقية، وملحقاتها. وقد امتاز عهده الميمون بنشر العلم، والتهذيب، وتوزيع الفقهاء والمعلمين، على البلاد[11].

وقد بلغ من توفيق إسماعيل في إقرار السلام في البلاد أنه "لم يبق في ولايته يومئذٍ، من البربر أحد إلا أسلم" كما يقول ابن عبد الحكم، ولم يبالغ راويتنا الجليل كثيرا في ذلك، فالواقع أن حسن سياسة إسماعيل بن عبيد الله، وحرصه على نشر الإسلام بين البربر، قد كسب للدين عددا عظيما جدا منهم، فلو قلنا أن ولايته ثبتت الإسلام في أفريقية ما بالغنا، لأن المغرب أصبح بعد ولايته بلدا إسلاميا، يغلب على أهله الإسلام[12]، بمعنى أن البربر، صاروا جميعا مسلمين، صادقين في إسلامهم، ومتحمسين لرفع راية الجهاد، في سبيل الله، ولنشر عقيدتهم الجديدة، أكثر من تحمس العرب أنفسهم، بل وتعربوا، وصاروا يتحدثون العربية، ويكتبونها، ويخطبون بها، بفصاحة: واكتسبوا ما تفيده تلك اللغة، من تفكير، وتعبير، فصارت لهم نفس العقلية العربية، وصار يوجد فيهم الفقهاء، والشعراء، والخطباء .. كذلك صارت حياتهم ومعاملاتهم قائمة على أساس الشريعة الإسلامية[13].

ولولا الإسلام، لما بقيت للعروبة بقية في هذه الربوع التي ظلت على مرّ العصور، هدفا للحملات الصليبية المتعاقبة، وحسبك مائة وثلاثون عاما، استيطانا مسعورا، وتغريبا مسموما، وفرنسة حاقدة[14].

ودخول العروبة إلى هذه الربوع في ظل الإسلام، هو الذي ضمن لها المقومات الأساسية، من لغة وحضارة، وفكر وثقافة، ودعم هذه المقومات بالروح والعقيدة.. ومن هذا المنطلق، حفظ الإسلام للعروبة في شمال أفريقيا مواقف وبطولات على مر العصور، وأنجب لها أبطالا وقوادا وبناة حضارة[15].  

***


 


[1] بيضون، الدولة العربية في إسبانية، دار النهضة العربية-بيروت، ط2، 1406هـ/1986م، ص95.

[2] ابن عبد الحكم، فتوح مصر، تحقيق الحجيري، ط1، دار الفكر-بيروت، 1416هـ/1996م، ص232.

* وفي رواية أن دخول إسماعيل، القيروان كان في سنة 99هـ. [المالكي، (1/126)]

[3] المالكي، رياض النفوس (1/116)، حققه البكوش، (دار الغرب الإسلامي-بيروت ط1، 1983، ط2، 1994).

[4] حول هذه البعثة انظر، الصلابي، الدولة الأموية (2/302-306)، دار المعرفة –بيروت، ط2، 1429هـ/ 2008م، الحجي، التاريخ الأندلسي، دار القلم-دمشق، ط5، 1418ه/1997، ص150-152.

[5] حسين دويدار، المجتمع الأندلسي في العصر الأموي، مطبعة الحسين-القاهرة، ط1، 1414هـ/1994، ص16.

[6] ابن عذاري، البيان المُغْرب (1/48)، تحقيق كولان وبروفسنال، دار الثقافة-بيروت، ط3، 1983.

[7] الثعالبي، تاريخ شمال أفريقيا، جمع وتحقيق أحمد ميلاد ومحمد إدريس، دار الغرب الإسلامي-بيروت، ط1، 1407/1987، ص118، 119

[8] الحجي، ص152.

[9] نجيب زبيب، الموسوعة العامة في تاريخ المغرب والأندلس (2/115) دار الأمير للثقافة–بيروت، د.ت.

[10] فلهوزن، تاريخ الدولة العربية، معرّب، الألف كتاب (136)، لجنة التأليف والترجمة-القاهرة، 1968، ص285.

[11] الثعالبي، ص118- 119.

[12] مؤنس، فجر الأندلس، الشركة العربية للطباعة -القاهرة، ط1، 1959، ص157، وابن عبد الحكم، ص232.

[13] العبادي، في تاريخ المغرب والأندلس، دار النهضة العربية-بيروت، د.ت، ص47.

[14] الخرفي، عروبة المغرب العربي، مجلة العربي، العدد322-سبتمبر 1985، ص48. 

[15] الخرفي، ص49.