منذ احتلال القسم الشرقي من القدس في عام 1967م، والاحتلال الصهيوني لم تغفل له عين ولم يدخر جهدًا في السعي للسيطرة على القدس بأكملها وتهويد معالمها وتزييف تاريخها، من خلال نزع الهوية العربية والإسلامية، وفرض طابع يهودي مستحدث عليها، بهدف جعلها عاصمة موحدة وأبدية لكيانهم المزعوم، وكانت عملية نقل السفارات إلى القدس هى آخر الوسائل التي يسعى الاحتلال لإنجاحها، عبر تحفيز الدول بالمساعدات المالية وحثّها على نقل سفاراتها من تل أبيب إلى القدس. فهل ستنجح خطة الاحتلال لتهويد عاصمة فلسطين التاريخية، عبر صكوك السفارات المنقولة إليها؟

يُقصد بتهويد القدس، التغيير الكامل لمعالم المدينة دينيًا وثقافيًا وجغرافيًا وتاريخيًا وبشريًا، وطمسها ببصمة يهودية خالصة لإثبات إدعاءاتهم بأحقيتهم بها أمام العالم. من أجل ذلك؛ كثفت إسرائيل من حضور المستوطنين اليهود إلى المدينة لتكون مقر إقامتهم الدائم، حيث توفر لهم المسكن من خلال بناء مستوطنات جديدة، وهدف إسرائيل من ذلك هو خلق أمر واقع يمنع تقسيم المدينة مجددا، وليكون وجود المستوطنين عاملًا حاسمًا في أي اتفاق مستقبلي. فبعد وقوع نكسة 1967م، وتحديدًا فى 8 يونيو 1967م كان الحاخام "شلومو جورين"، حاخام جيش الاحتلال الإسرائيلى، واقفًا على الحائط الغربي للحرم القدسي يقيم شعائر الصلاة اليهودية، إيذانًا بسرقة هوية المدينة وبداية تهويدها، وفي يناير 1976م أقرت محكمة الاحتلال المركزیة حق اليهود في الصلاة داخل ساحات المسجد الأقصى، حيث بدأت عمليات تدنيسهم للمسجد المبارك.

قبل عقدين، كان بإمكان فلسطينيو الضفة الغربية أن يصلوا بمركباتهم الخاصة إلى مدينة القدس دون الحاجة لتصاريح خاصة. أما الآن يبدو التهويد واضحًا بحق القدس، و"الأسّــرلة" صارت تشمل كل شئ في المدينة التي ظلت نقطة صراع بين حضارات قديمة منذ قرون خلت، حيث ينتشر أكثر من 13 معبرا وحاجزا وبوابة تفصل الضفة الغربية عن القدس، أقيم معظمها في أعقاب اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م، كما أن ثمة طابع إسرائيلي صارخ على المرافق العامة للقدس، سواء الشرقية أو الغربية، حتى أسماء الشوارع تمت عبرنتها، وباستثناءات قليلة يعيشها المقدسيون، لكن إلى متى يمكنهم الصمود في وجه حرب التهويد!، خاصةً في ظل نظام ضريبي مرتفع، وعنصرية وتحريض إسرائيلي بحقهم، وعمليات هدم مساكنهم ومنشآتهم التجارية والصناعية، وما هو أسوأ من ذلك هى عمليات الهدم الذاتي، حيث تجبر الشرطة الإسرائيلية المواطنين الفلسطينين على هدم منازلهم بأيديهم، ومن المجحف أكثر بحقهم أن من يغيّر مكان إقامته في القدس، يفقد حقّه بالعودة إليها، وتغيير مكان الإقامة ليس إلى خارج الكيان الصهيوني فقط، وإنما حتى خارج الحدود البلدية للمدينة، كل ذلك من أجل كسر التوازن الديموغرافي لمصلحة الإسرائيليين، وجعل السكان العرب أقلية معزولة في المدينة المقدّسة.

مخطط إسرائيل يرمي إلى إقامة ما يسمى بالقدس الكبرى، والتي ستكون على مساحة 600 كيلومترًا مربعًا، ويأمل اليهود في أن تكون القدس الكبرى هى عاصمتهم، وأن تكون على غرار العاصمة البريطانية (لندن)، وبتعداد 3.5 مليون نسمة، وسيتم هدم كل المساجد والكنائس المؤدية إلى المسجد الأقصى، على أساس أنه الهيكل الثالث، أو ما يسمى بهيكل سليمان، طبقا لمزاعمهم، وبالفعل يوجد حاليًا وجود 2104 كنيس يهودي حول الأقصى، كما أقيم جدار عزل حول القدس لفصل 125 ألف مقدسي عن مدينتهم، ومنع المصلين الآتين من الأراضي المحتلة عام 48، أو قطاع غزة، أو الضفة الغربيّة، أو حتى المقدسيين أنفسهم من الدخول إلى المسجد، مع وضع عراقيل وشروط مجحفة لمن يريدون الدخول للصلاة، على غرار منع الرجال الذين دون الـ 40 عامًا من دخول المسجد، فضلًا عن تحويل ساحاته إلى حدائق وساحات عامة مفتوحة أمام اليهود وتحولت تبعيتها إلى بلدية الاحتلال، هذا بخلاف سلسلة الأنفاق والحفريات الصهيونية التي تتم على قدم وساق في المدينة وتحت الحرم القدسي وأسواره، وتهديد المسجد بحيث أن هناك احتمال لسقوطه عند وجود هزة أرضية، أو بافتعال تفجيرات أسفل منه.

لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في ذكرى النكبة الفلسطينية، بأن القدس كوحدة واحدة عاصمة لإسرائيل، معترفًا بيهودية دولة الاحتلال، ومن ثمَّ تنفيذ وعده الانتخابي بمباشرة إجراءات نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، سوى الشرارة الأولى لانطلاق الخطة الإسرائيلية لنقل باقي السفارات الموجودة في تل أبيب إلى القدس، حيث أعقبه نقل غواتيمالا لسفارتها بالكامل إلى القدس المحتلة، ولا يألُ "بنيامين نتنياهو" جهدّا في مختلف الاجتماعات السياسية أو الجولات الدبلوماسية الخارجية، للترويج لهذه القضية، خاصةً لدى العديد من الدول الأوروبية، التي يمني نفسه بأن تنقل سفاراتها إلى القدس المحتلة.

وزير خارجية الاحتلال "يسرائيل كاتس" صرح قبل أيام قليلة بأنه قد أعدّ خطة حكومية لتحفيز دول العالم على نقل سفارات بلادها من تل أبيب إلى القدس، وأنه قد وضع مجموعة تدابير ومحفزات من شأنها تشجيع الدول على القيام بذلك، هذه الخطة الخبيثة والتي يعتبرها "كاتس" أولوية قصوى له،  قد أتت أُكُلها، إذ وافقت هندوراس والسلفادور على فتح سفارة في القدس، لكنهما طالبتا بفتح سفارة إسرائيلية كاملة في عاصمتيهما، كما أن دولًا أخرى ـ بحسب زعمه ـ قد عرضت عليه إسلوب المقايضة، أي أنها وافقت على نقل سفاراتها لكن مقابل الحصول على الدعم ومشاريع تنموية ومساعدات اقتصادية، وأيضا مشاركة إسرائيل في النفقات الاقتصادية المترتبة على الانتقال بالسفارات إلى القدس المحتلة، ومن خلال ما يمكن تسميته الرشاوى الدبلوماسية، تسعى حكومة الاحتلال إلى رصد مبلغ 15 مليون دولار كمساعدات للدول التي ستنقل سفاراتها إلى القدس.

بعض الدول كانت مترددة في قراراها، مثل باراغواي، التي افتتحت سفارة في القدس في مايو الماضي، لكنها تراجعت وأعادتها إلى تل أبيب، والمجر التي اكتفت في مارس الماضي بافتتاح مكتب تمثيل تجاري عوضا عن السفارة التي بقيت بتل أبيب، وعلى نفس خطى المجر سارت البرازيل، في حين نشبت خلافات داخلية في رومانيا وجمهورية التشيك بشأن نقل السفارات للقدس المحتلة، وتأتي خطوات تلك الدول وغيرها بشكل مخالف لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية الأعضاء، في نهاية نوفمبر الماضي، ضد قرار يوصي بتبعية مدينة القدس لإسرائيل، كما أن الجمعية أيضًا رفضت في ديسمبر الماضي، قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ورغم الإدانات العربية والدولية المتكررة، إلا أن الكيان الصهيوني يمضي في خطته، غير آبهٍ بأي قرار أممي أو استنكار دولي أو شجب واحتجاج شعبي، لقد تجاوزت إسرائيل كل الخطوط الحمراء، صحيح أن السفارات المنقولة ليست صكوك ملكية للصهاينة، فهي لا تثبت حقهم في القدس ولا تمحي حق العرب فيها، لـكـن في نفس الوقت فإن الشجب والإدانة لن يعيدا القدس إلى حاضنتها العربية والإسلامية، إذ لابد من تغيير النهج المتبع .. كي تتحقق النتائج المرجوّة.