كان يحلم في شبابه أن يكون "ملكًا للعالم"، هكذا تحدث ذات يوم عن أحد أحلامه، قبل أن يصبح قبل أيام قليلة زعيمًا لحزب المحافظين ورئيسًا لوزراء بريطانيا، إنه "بوريس جونسون"، الساكن الجديد في "10 داوننغ ستريت"، والذي تعهد بقيادة بريطانيا للانفصال عن الاتحاد الأوروبي بحلول 31 أكتوبر المقبل، سواء من خلال اتفاق أو بدونه، لكـن إذا الخروج من الاتحاد دون إتفاق هو أبرز كوابيس لندن، فإن ثمة أزمات أخرى تلوح في الأفق؛ أبرزها استقالات حزب المحافظين والأزمة الدستورية التي قد تنجم في البرلمان وتعيق تشكيل أي حكومة جديدة، والأسوأ أن جونسون الذي يمثل إحدى صور الشعبوية الترامبية في لندن قد أتى إلى منصبه بأقل من 100 ألف صوت من عموم الشعب البريطاني، فكيف سيقنع شعبًا بأكمله بأنه الخيار الأمثل لقيادتهم ؟!

وُلِدَ "بوريس جونسون" عام 1964م في نيويورك، وانتقل والداه إلى بريطانيا وهو طفل صغير، درس في كلية "إيتون كوليج"، وكان مغرمًا بدراسة اللغة الانجليزية والآداب الكلاسيكية، فدرس الآداب القديمة في أوكسفورد، وانتخب رئيسا لاتحاد الطلبة فيها عام 1984 م. حياته العملية بدأت عندما عَمِلَ كصحفي في "ديلي تلغراف"، ثم أصبح مراسلها للاتحاد الأوروبي، ونائبا للمدير، قبل أن يصبح مديرا لصحيفة سبيكتيتور عام 1991م، لاحقًا فضّل أن يبتعد عن مهنة المتاعب ليطرق باب العمل السياسي، ويصبح نائبًا في مجلس العموم عن حزب المحافظين عام 2001م، لتتوالى مناصبه في هيكل السلطة في بريطانيا، إذ عُيّنَ عام 2004 وزيرا للدولة مكلفًا بالفنون، ثم اضطر إلى الاستقالة بعد فضيحة إحدى علاقاته الغرامية، ولكنه عاد إلى الحكومة مجددا عام 2005م، في منصب وزير للدولة مكلف بالتربية، قبل أن تعينه رئيسة الحكومة السابقة "تيريزا ماي" وزيرًا للخارجية في عام 2016م، غير أنه استقال في 2018م احتجاجا على سياستها في ما يتعلق بتدبير ملف بريكست.

كان جونسون مرشحا لرئاسة الوزراء بعد "ديفيد كاميرون" عام 2016م، لأنه القائد الأبرز في حملة بريكست، وكانت له شهرة كبيرة عندما كان وقتها رئيسا لبلدية لندن، إلا أنه انسحب في آخر لحظة، وبالرغم من كل هذه المناصب التي تقلدها، إلا أنه قد اكتسب العديد من الخصوم والمعارضين، الذين يرون أنه غير جدير بتولي المناصب العليا في البلاد، وقد وصفه نائب رئيس الوزراء السابق "نك كليغ"، بأنه: "دونالد ترامب، لكن معه قاموس"، وهذا الوصف على بساطته ليس ببعيد عن لب الحقيقة، فالراجلان لا يتشابهان في الشكل ولون الشعر فحسب، بقدر ما تتماهي تصريحاتهما الشعبوية وسياساتهما الشمثيرة للجدل، ولا عجب أن يكون الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" هو أول المهنئين لـ "جونسون" من خلال تغريدة على موقعه المفضل "تويتر"، قال فيها عن جونسون أنه "سيكون عظيماً".

فعلى خطى ترامب؛ عُـرِفَ جونسون بتصريحاته المثيرة، وميله إلى الدعابة والتهكم وتوجيه النقد الحاد، وقد اشتهر بالإثارة والاستعراض في عمله السياسي، وهو ما جعل كثيرين يصابون بالدهشة بعد توليه وزارة الخارجية في حكومة "ماي"، ومن بين أبرز تصريحاته المحرجة، تلك التي قال فيها إن أصول الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الكينية جعلته يكره تراث بريطانيا وتاريخها، قبل أن يوجه له انتقادات لاذعة بعد دعوته البريطانيين للبقاء في الاتحاد الأوروبي، كما شبّهَ المرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية الأمريكية "هيلاري كلينتون" بــ "بممرضة سادية تعمل في مصحة للأمراض العقلية"، وفي خضم حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وصف الاتحاد الأوروبي بأنه "مشروع زعيم النازية، أدولف هتلر الذي حاول إنشاء دولة أوروبية واحدة".

لكن في غياهب السياسة المعقدة، قد لا تنجح حيل التصريحات والاستعراض السياسي، فالانقسامات تزداد داخل حزبه، فيما تكثر الانتقادات من الأحزاب الأخرى صوبه، كما أن فوزه برئاسة الوزراء قد أسفر عن حملة استقالات عديدة في حزب المحافظين المنقسم بشدة، وإذا كان جونسون مؤهلًا للتعامل مع الأزمات الداخلية، فإن ثمة مشاكل حقيقية تنتظره في الخارج، سيتعين عليه فورًا الولوج إلى بحورها العميقة لحل أزمة الناقلات مع إيران، فاحتجاز إيران لناقلة نفط بريطانية في مضيق هرمز له تبعات عالمية، وإذا تفاقمت الأزمة فقد تؤدي إلى مواجهات عسكرية لا تقتصر على إيران وبريطانيا فحسب، بل ستشمل دولا أخرى. أما أكثر المسائل تعقيدًا أمامه سيكون اتفاق البريكست، والذي بدونه ستتحول بريطانيا بشكل تلقائي إلى "بلد ثالث" مع الاتحاد الأوروبي، وستتبع التجارة بين الطرفين قواعد منظمة التجارة العالمية. وفقًا لرؤية جونسون فإنه سيخرج من الاتحاد الأوروبي باتفاق أو بغير اتفاق، لكن هذا من شأنه يحدث هزة قوية في اقتصاد بريطانيا إذا تمّ الأمر دون اتفاق واضح ومحدد، كما أنه من غير المتوقع أن يكون الشركاء الأوروبيون أكثر تعاونًا في إنجاح الخروج وتحقيق المكاسب لبريطانيا، مثلما يظن جونسون.

يملك "جونسون" أيضا نظرة إيجابية نحو الاحتلال الصهيوني، كما يرى الإسرائيليون فيه صديقًا حميمًا، وقف طويلًا في وجه "جيرمي كوربين" واللاسامية المعادية لهم في حزب العمال، فمنذ أن تطوع يومًا في "كيبوتس كفار هنسي" وُلِدَ ارتباطه بالكيان الإسرائيلي وبدأ حبه له، وحينما تولى رئاسة بلدية لندن، أظهر التزامًا قويًا بحماية الجالية اليهودية في لندن في وجه تعاظم الانتقادات ضدها، بمجرد فوزه ذهبت الصحافة الإسرائيلية إلى الاحتفاء بهذا الفوز، مرحبةً بـ "الصديق الحميم الذي يحب إسرائيل"، وهذا يعني أن القضية الفلسطينية قد خسرت طرفًا دوليًا كان من الممكن التعويل عليه في موازنة مناصرتها دوليًا، والمؤسف أنها قد تواجه ترامب جديد، معادي للقضية ولحقوق الفلسطينيين.

ذات يوم؛ لم يكن أحد ممن اطمأنوا إلى فوز "هيلاري كلينتون" برئاسة الولايات المتحدة، يستطيع أن يتوقع أن شخصًا هزليًا، مغرورًا وجاهلًا بالسياسة بشكل كبير، مثل "دونالد ترامب"، يمكنه أن يقتنص المنصب، ربما فإن مثل هذا التوقع الخاطئ هو الذي دفع جونسون إلى أن يركب موجة البريكست، ويتعامل معها بطريقة متهورة ولا مبالية وعلى أنها مزحة، فأغّرته الأضواء وسار في درب الانفصال متبعا نزواته، متوقعا أن الشعب البريطاني سيرفض الخروج، لكن حدث مالم يتوقعه، فأصبح جونسون بيدقًا في يد المتشددين الداعين للبريكسيت، وههو ألان يجد نفسه على قمة هرم السلطة التنفيذية، يحاول تنفيذ وعوده وتصريحاته، حتى ولو اضطر بكل بساطة وهزلية أن يقول "سنخرج من الاتحاد دون اتفاق!".

رغم أن جونسون قد أُقيل من صحيفة التايمز بعد اتهامه بعدم الدقة في نقل التصريحات، إلا أنه قد ألّفَ العديد من الكتب، من بينها كتاب عن حياة رئيس الوزراء البريطاني السابق "ونستون تشرتشل"، وكتاب عن تاريخ روما، وآخر عن مدينة لندن، إلا أنه ألان يجد نفسه يكتب تاريخًا جديدًا للمملكة المتحدة، ولن يكون أمامه متسعًا من الوقت للتراجع عما يكتبه، ولن يُغفر له الخطأ أو يُسمح له بعدم الدقة.