تعيش الجزائر والسودان على وقع ما عرف بــ" الربيع العربي" طمعاً في تحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية وترسيخ سيادة القانون وإنهاء الدولة القومية التي توارثتها الشعوب العربية عن الإستعمار إما الفرنسي أو البريطاني، لكن هذا السقف الثوري الذي وضعته الجماهير من خلال شعاراتها لا يمكن تحقيقه من خلال الهتافات وانتظار عملية جراحية ينفذها أي نظام سلطوي استجابة لتلك الهتافات. 

دائماً تقودنا العاطفة إلى الدفع بإتجاه توقع مستقبل مشرق للعناوين الثورية التي نسمعها في ميادين التظاهرات وهذه للأسف تجربة مريرة مرت بها الكثير من الشعوب سببها انعدام الوعي واختلاف البناء الفكري وانقسام المجتمع وعدم إدراك تركيبة النظام السياسي في الدولة. فعلى سبيل المثال لا الحصر لدينا التجربة التونسية المتواصلة منذ سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي في منتصف يناير2011، فبعد أشهر قليلة من إعلان حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم في مارس 2011 أعلن الباجي القايد السبسي عن إنشاء حركة نداء تونس ولم تكن سوى غطاء سياسي جديد لنفوذ حزب التجمع. استمرت أزمات تونس الاقتصادية والسياسية والأمنية ودخلت في مرحلة تصارع ما بين أقطاب الدولة العميقة التي تمثل مصالح رجال الأعمال و"أبناء فرنسا" وما بين القوى الوطنية التي تبنت خطاباً رافضاً لتمدد واستمرار نفوذ بقايا دولة بن علي.

وفي العراق كان ولا يزال هناك تجربة مريريه يجب الاتعاظ منها، بدأت في يوليو 2003 حينما دخلت أول فرق الاستخبارات الأمريكية تمهيداً لاحتلال بغداد بزعم إسقاط نظام الطاغية صدام حسين وتأسيس نظام ديمقراطي يحكم العراقيين! على الأرض إنتهى نظام صدام حسين لكن بعد 16 عاماً من الحرب لم تأتي الديمقراطية للعراقيين بل جاءت فرق القتل الإيرانية والأمريكية لتصفية مقومات الحضارة في العراق ونهب ثرواته وإضعاف قدرته العسكرية التي لطالما شكلت قوة ردع في وجه النظام الإيراني، واستبدلت واشنطن النظام القديم بنظام جديد جل مكوناته إما عملاء لإستخبارات الأمريكية أو الحرس الثوري الإيراني.

في الجزائر ومنذ أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إستقالته من منصبه، تبدلت أدوار الكثير من الشخصيات التي تتربع على هرم السلطة ووضع بعضها في السجن مثل سعيد بوتفليقة مستشار الظل والجنرال محمد مدين عراب الحملة الأمنية التي استهدفت الجبهة الإسلامية للإنقاذ عقب إلغاء نتائج انتخابات 1991 بسبب فوز الجبهة فيها.  لا تزال الكثير من الأصوات تتجه إلى خيار التظاهر والإحتكام إلى سلطة الدستور ووضع الشعب الجزائري أمام خيارات المواد (102، 7،8)، وجميع تلك الخيارات سواء كانت تتجه إلى الإعلان عن تنظيم انتخابات في يوليو المقبل أو تمديد الفترة الإنتقالية للسلطة التي جاءت من إفرازات التظاهرات الحالية فإن أمام الجزائريين مرحلة معقدة لن تنتهي إلا بإنهاء سطوة ونفوذ الدولة الفرنسية في بلادهم. ففي الوقت التي كانت شركة رينو الفرنسية تعلن عن خسائر ضخمة عام 2014بفعل المقاطعة الأوربية لروسيا، أعلنت الحكومة الجزائرية في نفس العام عن عقد شراكة مع الشركة الفرنسية لإنشاء مصنع لها في مدينة وهران بقيمة 800 مليون يورو.

السودان وليبيا وغيرها من بلدان العربي لا تزال تحتكم إلى نفوذ مركب من عدة مكونات هو انتاج عقود من الإستعمار والتجهيل والإفقار والتعاطي مع تلك البلدان من قبل الغرب على أساس أنها مناطق نفوذ وليست أوطان لشعوب تسعى إلى الحرية والعيش بكرامة واستقلال.  لذلك قبل السعي إلى تحقيق عدالة دستورية في بلاد مابعد الإستعمار وجب أولاً تعزيز دور التعليم والوعي كلبنة أولى في حياة الشعوب ثم تعزيز الأنظمة والقوانين وسلطة القضاء وحماية وتقديس الهوية الدينية لمجتمع المسلم إنطلاقاً من دورها الرئيسي في دعم ومساندة القضاء والسلطة الدستورية كونها جزء متأصل من هذه الهوية. إن تمكن المجتمع من تحقيق تلك الخطوات وهي لاشك مهمة ضخمة ومعقدة عمادها الأول يبدأ من الأسرة والمسجد والمدرسة، بعدها يمكن السيطرة على الإعلام الذي يوفر حاضنة لكل التدخلات الخارجية و الثقافات الشاذة والمستوردة وكذلك الحد من نفوذ أركان الدولة العميقة سواء كانوا من لوبيات رجال الأعمال أو جماعات الضغط التي يتم دعمها خارجياً بالإضافة إلى إخضاع الأجهزة الأمنية لسلطة القانون وتعزيز مفهوم الولاء لدولة والمجتمع وليس المدرسة العسكرية.

الأزمة الحقيقية التي تأتي دائماً بعد التظاهرات في أي بلد عربي وبعد تنحية أي رئيس تكمن في الخيارات التالية وهي خيارات لا تؤثر حتى وأن تم تحقيقها في تغيير الواقع. فالمؤسسة العسكرية العربية ليست مجرد جهاز أمني يخضع لسلطة القانون بل هي مدرسة فلسفية لديها تقاليد وموروثات تداولتها لعقود منذ تأسيسها. أهم هذه الفلسفات عدم منح فرصة لأي تمثيل مدني لمناقشة مصير تلك المؤسسات حتى وإن افترضنا أن هذا التمثيل وصل بصندوق إقتراع! بالإضافة إلى أن المنظومة العسكرية غالباً تربت على كونها تمتلك سلطة أعلى من سلطة الدستور بسبب دورها في حماية البلاد ومهمتها التي تستوجب التضحية والحاجة لبراغماتية صنع القرار دون تعطيلها بالنصوص والتشريعات التي تستلزم موافقة التمثيل المدني.

 الأمر الآخر هو أن الخيارات ما بعد الثورة تكون دائماً محصورة مابين أصحاب الخبرات في الحكم من مخلفات النظام السابق أو جيل جديد من الأحزاب اقتصرت خبرته على الهتافات في الشوارع أو التنظير على شاشات التلفزة دون أدنى خبرة في التعاطي مع مؤسسات عامة لديها مسؤوليات ضخمة اتجاه المجتمع مثل توفير الأمن وتعزيز الاستقرار الاقتصادي و إدارة مؤسسات الدولة وضمان توفير احتياجات المجتمع والحفاظ على علاقات جيدة مع الجوار، فعلى سبيل المثال لا الحصر يغلب على المشهد النخبوي السوداني المعارض اليوم نشطاء أحزاب اليسار التي استغلت الثورة الشعبية لتصنع واجهة تمثيل مدني تختبئ خلفها للمشاركة في السلطة التي حرمها منها صندوق الانتخابات.

الأمر الأخير الذي دائماً ما يكون عورة من عورات الثورات العربية هو استبدال الهوية العربية الإسلامية التشريعية بالحديث عن المساواة والديمقراطية واستجلاب التجربة الغربية في هذا الأمر دون إستيعاب تداعياته على التركيبة السكانية ومستقبل الدولة كمنظومة سيادية لها علاقات خارجية مرتبطة بهويتها السياسية.