لقد كان لغزوة بدر الكبرى، التي وقعت في 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة، أهمية كبرى، ودلالات عظمى، في التاريخ الإسلامي، نذكر منها، ما يلي:

أولا: أنها كانت أول مواجهة عسكرية حاسمة بين قوى الحق والخير والنور والفضيلة، المتمثلة في الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، من جانب، وقوى الظلام والشرك والوثنية والشر، المتمثلة في قريش وحلفائها في مكة، من جانب آخر، قريش التي آذت المسلمين غاية الأذى، واضطهدتهم أشدّ الاضطهاد، ونكلت بهم شر تنكيل، حتى أجبرتهم على الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة، تاركين ديارهم، وأهليهم، وأموالهم، ثم ظلت تناوئ الإسلام، وترفع راية الحرب عليه، وتحاد الله ورسوله، حتى بعد الهجرة النبوية، إلى المدينة، هذه الأخيرة التي أصبحت قاعدة ومنطلقا للدعوة إلى الإسلام، بل وصلت قريش في غطرستها وصلفها وعدوانيتها، إلى حد التهديد باجتياح المدينة، وسفك دماء أهلها، وسبي نسائهم وذراريهم، لكونهم آووا الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه.

ثانيا: أنها تعتبر، بما ترتب عليها من نتائج كثيرة وكبيرة لصالح الإسلام والمسلمين، هي الحدث الأبرز والأكبر الثاني في تاريخ الدعوة الإسلامية، بعد حدث الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والذي يعتبر هو الحدث الأبرز والأكبر في تاريخ هذه الدعوة الإسلامية، باتفاق الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والذين جعلوا من حدث الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، بداية للتاريخ الإسلامي، وذلك في عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ثالثا: أنها كانت غزوة ومعركة مصير بالنسبة للإسلام والمسلمين، فقد واجه المسلمون خلالها تحت قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم قوة الشرك الأولى في جزيرة العرب، والتي هي قريش، والتي كانت قد حشدت بأسها، وكل إمكانياتها، وألقت بكل ثقلها العسكري والسياسي والاقتصادي والمادي والمعنوي لحسم صراعها الضاري والمرير مع الإسلام والمسلمين، وذلك باستئصالهم والرسول صلى الله عليه وسلم من الوجود، مستغلة ما كانوا عليه يومئذ من الضعف، وضيق ذات اليد، وقلة العدد، والعتاد، والمؤن، وقد خاضها المسلمون ولسان حالهم " نكون أو لا نكون"، وقد قدّر الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية هذه المعركة بالنسبة للإسلام والمسلمين، بقوله في دعائه الذي دعا به ربه قبيل نشوب القتال مع المشركين يوم بدر" اللهم أن تهلك هذه العصابة ، يعني المسلمين، لا تُعبد بعدها في الأرض".

رابعا: أنها كانت أول تجربة قتالية حقيقية يخوضها المسلمون تحت قيادة النبي صلى الله عليه وسلم، ويُبتلى فيها إيمانهم بالله سبحانه وتعالى، وبالرسول صلى الله عليه وسلم، وباليوم الآخر، ويُعرف من خلالها مدى شجاعتهم الإيمانية، ومدى استعدادهم للتضحية في سبيل الله وسبيل عقيدتهم، والدفاع عنهما بأرواحهم ودمائهم وأموالهم، ومدى اندفاعهم للاستشهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمته، بعد التسلح بأسباب النصر التي لا بد منها وهي الأيمان بالله والإخلاص في نصرة دينه، والتوكل عليه حق توكله، والثبات والشجاعة والأقدام، عند مواجهة الأقران وغيرها، حيث لم يسبق لهم أن خاضوا تجربة قتالية مثل هذه التجربة، من قبل.

خامسا: أنها كانت مناسبة لإظهار مدى نجاح الرسول صلى الله عليه وسلم، في تربية وتهذيب وأعداد هذه الجماعة المسلمة، التي آمنت بالله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ورفعت لواء الإسلام، والتصدي للوثنية والشرك في جزيرة العرب، وذلك خلال السنوات الماضية من عمر الدعوة الإسلامية، ومدى استيعاب هذه الجماعة، لتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم، والالتزام بها، وبمبادئ الإسلام الحنيف وقيمه، ومثله العليا، قولا وعملا، سلوكا وممارسة.

سادسا: أنها تمثل ذروة النشاط العسكري الجهادي الذي قام به المسلمون منذ وطأت أقدامهم المدينة، وهي، بالتالي، الدرس العملي أو التطبيقي الأكبر والأعظم والأبرز في فن الحرب والمواجهة العسكريةـ، والذي يتلقونه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، نتيجة قيادته المباشرة لهذه الغزوة، فقد تعلموا منه لأول مرة كيف تخاض الحروب، وكيف يتم الاستعداد والتخطيط لها، وما هي عوامل الانتصار فيها، وكان ذلك امتدادا وتكملة لما تعلموه واستوعبوه في الغزوات والسرايا والأعمال العسكرية السابقة، والتي كانت غزوة بدر الكبرى تتويجا لها.

سابعا: أنها كانت غزوة نزل فيها قرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، وهي من الغزوات القليلة جدا التي ذكرت باسمها صراحة في القرآن الكريم، إشارة إلى فضلها وأهميتها وامتنان الله بها على عباده المؤمنين. قال تعالى: } وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ { ]آل عمران: 123-126]. وقال تعالى: } كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ { [الأنفال: 5-8].

ثامنا: أن هذه الغزوة المباركة تضمنت الكثير من الدروس والعبر والعظات، وتجسدت فيها الكثير من المعاني العظيمة، والقيم الرفيعة، التي لا غنى للمسلمين عنها في كل عصر وفي كل مصر، وفيها بالنسبة للمسلمين في وقتنا الحاضر الذي منيوا فيه بالهزائم والنكسات على أيدي أعدائهم، أمل كبير، وحافز قوي لتجاوز واقعهم الأليم والتغلب على الصعاب، ومواجهة الهزائم، والانتصار عليها، وفي مقدمتها هزيمتهم النفسية والمعنوية، شريطة إخلاص النية، وصحة العزيمة، والصدق مع الله، ومع النفس، ومع الناس. كما أن غزوة بدر الكبرى فيها أمل للمظلومين والمقهورين من المسلمين وغير المسلمين في إمكانية الانتصار على الظالم الذي ظلمهم وتعدى على حقوقهم، مهما بلغت قوته وسطوته، وذلك إذا ما اتحدت كلمتهم، ووضعوا أيديهم في أيدي بعض، وثبتوا في المطالبة بحقوقهم، واتخذوا كل الوسائل المتاحة أمامهم للدفاع عنها، وتوكلوا على الله حق توكله.

تاسعا: أنها كانت معركة هامة جدا من الناحية التاريخية، فهي أول معركة حاسمة في تاريخ الإسلام، دفاعا عن الدين والعقيدة، وأعظمها كآبة للمشركين، وإعلاء لكلمة الإسلام، لذلك فلا تذكر غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، البالغة ثمان وعشرين غزوة، إلا وتصدرتها غزوة بدر الكبرى، ولا تذكر المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام، إلا وتصدرتها غزوة بدر الكبرى.  

***