إن بداية نزول القرآن في رمضان كان مقصدا أساسيا واختيارا من لدن عليم حكيم؛ كي تجتمع بركة القرآن: }كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ{ [ص:29] مع بركة الزمان(رمضان): }إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ { [ الدخان:3]،ليكون  ذلك بركة وخير لخير أمة أخرجت للناس، الذين يبحثون عن آفاق مستقبلية جديدة، فالعالم قبل نزول القرآن والرسالة المحمدية العالمية كان في حالة شلل عقدي وفكري وأخلاقي، فجاء رمضان بما يحتويه من مادة إيمانية وأخلاقية فأحدث في الكون كله تغييرا جذريا ،ولا تستطيع الأمة -ولن تستطيع - أن تستفيد من رمضان وتتخذه نقطة انطلاق للتغيير الحقيقي إلا إذا حققنا فيه المقصد الأسمى  من الصيام وهو التقوى، فالمقصد الأساسي للعبادات كلها تحقيق التقوى، قال تعالى:}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{ [البقرة:21].وكان صيام شهر رمضان من أجل العبادات التي تحقق التقوى، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ "(البقرة:183).

و التقوى لا كما يظن بعض الناس أنها تعني المنع والحرمان عن شهوتي الفم والفرج لفترة محدودة من الزمن، فهي بخلاف ذلك، فهي تقوى إيجابية تتعلق بالقلب والجوارح والفكر، وبكل ما يحيط بالإنسان من كائنات.

فتقوى القلب: طهارته وسلامته من كل شائبة تعكر صفاء التوحيد، فالعبد يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته، قال تعالى: } ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ  فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ { [الحج :32 ]، وقال تعالى: }لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ { [الحج:37 ]، وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-:" التقوى هاهنا" وأشار إلى صدره"[1].

وتقوى الجوارح: تكون بامتثال الأوامر: "فأتوا منه ما استطعتم"، واجتناب النواهي: "فانتهوا"، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم   يقول : " ما نهيتكم عنه ، فاجتنبوه ، وما أمرتكم به ، فأتوا منه ما استطعتم ..."[2].

تقوى الاتقان في كل عمل يعمله الإنسان في حياته كلها، ولا يكون أحدنا قابعا في محرابه خاشعا باكيا وفي الوقت نفسه مهملا لعمله، فصاحب هذا السمت الباهت  الذي يقصر في أعماله ولا يتقنها لا يحبه الله؛ لان الله يحب إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه كما ورد عن رسولنا-صلى الله عليه وسلم-،فرمضان ليس شهر يكسل فيه الناس ويسهرون  ليلا وينمون عن أعمالهم أو في أعمالهم بحجة الصيام.

وتقوى الفكر: أن تنظر بعين التأمل والتدبر في آيات الله المسطورة القرآن الكريم الذي حرك الصخر وخشعت له الجبال الراسيات:} لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{ [الحشر:21].

وننظر بعين التأمل والتدبر -كذلك- في آيات الله المنظورة في الكون والآفاق: } قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ  ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ  إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ [العنكبوت:20].

فالتفكر والتأمل في الكون والآفاق والأنفس من أعظم العبادات، ولقد سئلت أم الدرداء عن أفضل عبادة أبي الدرداء قالت: التفكر والاعتبار، وعن طاوس قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: يا روح الله، هل على الأرض اليوم مثلك؟ فقال: نعم من كان منطقه ذكرًا وصمته فكرًا ونظره عبرة فإنه مثلي.. وقال عمر بن عبد العزيز: الفكرة في نعم الله عز وجل من أفضل العبادة. وقال بِشْر: لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل.

وتقوى الله فيما يحيط بالإنسان من كائنات وجمادات: فالتقوى ليس مقصورة على العنصر البشري بل هي تقوى إيجابية مع الكون كله، سمائه وأرضه، وجماداته، حتى الحيوانات ،فالإنسان مطالب أن يحافظ على كل المكونات من حوله، فيحسن إلى البيئة بالحفاظ عليها وبقائها في صورته البديعة، ومن كل ضرر يحدث لها، وبذلك يكون قد صان صنع الله :  }صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ{ [النمل:88].

ويتقي الله في الحيوان فيحسن إليه، عن أبى هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" بينما رجل يمشى بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذى كان بلغ منى. فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ". قالوا يا رسول الله: وإن لنا فى هذه البهائم لأجرا فقال :" فى كل كبد رطبة أجر "[3].

وياله من دين عظيم عندما يتعامل حتى مع الجمادات بمبدأ التقوى، فقد كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم   يخطب إلى لزق جذع ، فأتاه رجل رومي فقال : أصنع لك منبرا تخطب عليه؟ فصنع له منبرا هذا الذى ترون - قال - فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب حن الجذع حنين الناقة إلى ولدها، فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم   فضمه إليه فسكن.[4].

إننا إن استطعنا أن نرسخ هذه المفاهيم الحقيقية للتقوى في شهر رمضان وسعينا جاهدين في تحصيلها وتطبيقها على أرض الواقع فإننا سنفتح لأنفسنا وللعالم كله صفحة حضارية إنسانية، وذلك بإظهار أخلاق الإسلام في تعاملاتنا مع ربنا(مرتبة الإحسان فتعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)،ومع أنفسنا "مرتبة الإيمان والاحتساب فنحقق إيمانا واحتسابا في الصيام والقيام وفي كل الأعمال الحياتية)،ومع الناس" مرتبة الإسلام والتي تظهر في أقوالنا وأفعالنا "إذا  فعلنا ذلك سيقبل العالم كله على الإسلام؛ لأنه رأى فيه ما يريده، رأى فيه الرحمة والإنسانية ،ورأى التقوى  والإحسان حتى مع الحيوانات  والجمادات.


 


[1] أخرجه مسلم - كتاب البر والصلة والآداب - باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله-.

[2] متفق عليه.

[3] متفق عليه.

[4] سنن الدارمي باب ما أكرم النبي- صلى الله عليه وسلم  -  بحنين المنبر.