ظهيرة يوم 25/4/2019م ذكرت وكالات الأنباء المحلية العراقية أن بعض شباب مدينة العمارة العراقية الجنوبية نجحوا في إنقاذ فتاة حاولت الانتحار، وذلك في ظاهرة باتت تغزو المجتمع العراقي بسرعة شديدة وغريبة!

وفي بداية شهر نيسان/ أبريل 2019، أفاد مصدر أمني، بأن "إحدى دوريات نجدة بغداد تمكنت من إنقاذ حياة فتاة مراهقة تبلغ من العمر 14 سنة قامت برمي نفسها من الطابق الرابع من إحدى العمارات السكنية في منطقة حي العامل، جنوب غربي بغداد"!

وهكذا في كل يوم صرنا نسمع مثل هذه الأخبار المؤلمة والمزعجة في العراق!

ومع تنامي هذه الظاهرة القاسية فإن الحديث عنها - وعن مجمل الظواهر السلبية في البلاد- مؤلم جداً، والأشد ألماً ووجعاً الحديث عن الانتحار، لأن فيه قتل للنفس الإنسانية!

ومع الانتحار الفردي بدأت ظاهرة أخرى تنمو في البلاد متمثلة بعمليات القتل الجماعي في داخل بعض العوائل العراقية مما يشكل حالة نادرة لم تكن معروفة في المجتمع العراقي!

وسنحاول هنا ذكر بعض الحوادث التي وقعت خلال الفترة الأخيرة دون التوقف عندها!

آخر هذه الجرائم وقعت قبل عدة أيام في مدينة خان بني سعد في محافظة ديالى (45) كلم شرق بغداد، حيث قتل أحد الآباء أربعة من أولاده بقرية السلام!

وقبلها كانت جريمة من نوع آخر ضحيتها المواطن محمد سلمان من أهالي قضاء الخالدية بمحافظة الأنبار غرب العراق الذي قتلته زوجته بالرصاص!

وبعدها صادقت محكمة تحقيق العمارة على أقوال متهم أقدم على قتل والده وإصابة شقيقته في منطقة حي الرسالة التابعة لمدينة العمارة الجنوبية نتيجة خلافات عائلية!

ووفقا لبيانات وزارة الداخلية العراقية، فإن معدل الجرائم العائلية ارتفع بشكل مسبوق في البلاد، وبلغ منذ مطلع 2018 أكثر من 100 جريمة قتل، عدا عن تسجيل 58 حالة انتحار في البلاد، أكثر من نصفها في جنوب العراق وإقليم كردستان.

منظمات حقوق الإنسان في العراق، أشارت أن حالات الانتحار بلغت (3000) حالة وبدوافع مختلفة للفترة بين 2015- 2017م وهي أرقام مفزعة عند مقارنتها مع حوادث الانتحار للفترة بين 2003- 2013م والتي ذكرت أكثر من (1500) حالة ولكن غالباً ما تكون هذه الحالات أقل من حوادث الانتحار الفعلية لتفادي معظم المجتمع التبليغ عنها.

وذكر المجلس أن "وسائل الانتحار وأساليبه تعددت، مثل تعاطي السم والمخدرات والكحول والأدوية التي تؤدي إلى الوفاة كذلك الحرق والأسلحة النارية والارتماء في النهر أو البحر والسقوط من الأبنية المرتفعة والجسور، وأن أسباب الانتحار متعددة منها الشعور بالعجز واليأس والاكتئاب وانهيار معنويات الشخص والانطواء والانعزال والعنف الأسري في الطفولة أو مرحلة الشباب"!

وفي محاولة للحد من ظاهرة الانتحار في العاصمة بغداد، وجه مجلس المحافظة بوضع حاجز أمني على الجسور في العاصمة، وذلك للحد من حالات الانتحار، التي انتشرت في الآونة الأخيرة.

لا شك أن هنالك جملة من الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية تشجع على هذه الظواهر المؤلمة، وفي الغالب هنالك عوامل داعمة لتلك الأسباب ومنها المستوى الدراسي للضحية، ومستوى تحصيل الآباء والأمهات وبقية أفراد العائلة، والوعي الديني والحالة الاجتماعية وغير ذلك من العوامل الإنسانية والمجتمعية.

وهنا تشخص أمامنا عشرات الأسئلة المحيرة، ومنها:

- هل الانتحار الفردي، أو الجماعي من الظواهر المألوفة في المجتمع العراقي؟

- هل التفكك الأسري، والفقر، والمخدرات والبطالة، والأمراض النفسية المركبة هي التي تشجع الشباب على الانتحار؟

- ما هي العوامل المشجعة لدفع أحد أفراد الأسرة لقتل بقية عائلته؟

- ما هو دور المؤسسات الدينية والرسمية ومنظمات المجتمع المدني لإيقاف هذه الكارثة الاجتماعية؟

- من أين يمتلك هؤلاء تلك الجرأة في تناول السموم أو قطع الأوردة أو شنق أنفسهم أو الحرق، أو غيرها من صور القتل البشعة، وهل هؤلاء يتعاطون المخدرات قبل هذه الجرائم؟

وفي نهاية هذه الجولة المؤلمة يمكن القول إن الانتحار الفردي، أو الاغتيالات الأسرية ظاهرة فريدة وغريبة عن المجتمع العراقي المعروف بتمسكه بقيمه الدينية والأخلاقية والاجتماعية.

القضية ليست بهذه السهولة، ولا يمكن المرور عليها مروراً عابراً، بل ينبغي الوقوف عند حيثياتها لأنها تمس أرواح الأبرياء داخل الأسر، وكذلك تدفع الضعفاء للهروب من الحياة نحو الموت، وكأنهم يلوذون من الرمضاء بالنار!