مرّ ربع قرن على إنتهاء حرب البوسنة وذكرى جريمة سربرنتشا التي راح ضحيتها أكثر من ثمانية آلاف شخص بينهم نساء وأطفال وكُهّل قتلتهم مليشيات صربية بقيادة رادوفان كاراديتش الذي صدر حكم بحقه الأسبوع الماضي من قبل محكمة الجنايات الدولية بالسجن مدى الحياة. على الأرجح سيكون سجن مليء بالرفاهية لا يختلف كثيراً عن "الزنزانة" التي يقضي فيها السفاح النرويجي (أندرس بريفيك)، فقد خصص للسفاح جناح من ثلاث غرف بها آلة ركض، وثلاجة، وتلفزيون مع مشغل أقراص دي في دي، وجهاز ألعاب سوني "بلاي ستايشن"،كما منحته المحكمة الحق في إكمال دراسته الجامعية!. (بريفيك) لم يختلف كثيراً عن الخلفية التي خرج منها (برنتون تارانت) منفذ جريمة مسجد النور في نيوزيلندا مؤخراً والتي راح ضحيتها 50 مسلماً كانوا يؤدون صلاة الجمعة.

بريفيك والذي تفاخر بتفوق عرقه الأبيض وخلال محاكمته أدى التحية النازية، قال عقب قتله 77 شخصاً في مخيم للمهاجرين عام 2011، "أنا في عملية (استشهادية) تهدف لإيقاف (الغزو الإسلامي) لأوروبا"، واصفًا نفسه بصليبي العصر الحديث في مواجهة "الجهاديين" الذين يُعتبرون جزءًا من تنظيم كبير.

هذه النماذج لم يكن صعودها من قبيل الصدفة بقدر ما أضحى نتاج صراع يدعمه العمل السياسي الغربي في الشرق الأوسط وتعززه الخطابات الكنيسة التي بدأت تظهر إلى العلن بفضل الطفرة التي يعيشها الإعلام الجديد، فقبل أسابيع ظهر مقطع لقس فرنسي يحرض على المسلمين ويناشد أتباع كنيسته بقتلهم دفاعاً عن أوروبا المسيحية، والغرابة أن لا أحد اتهمه بالدعشنة أوهاجم كنيسته مثلما تصنع الشرطة الفرنسية ليل نهار مع المساجد في باريس!.  

 (تارانت) لم يكن أول من استشهد بحرب كوسوفو بين الخلافة العثمانية و التكتل المسيحي قبل 600 عام بل استخدم تلك الذكرى قبله الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش خلال خطاباته في حرب كوسوفو عام 1989 ليحذر الصرب من خطر المسلمين في البوسنة وكوسوفو.

من التبعات الإيجابية لهجوم مسجد النور أنه جعل الكثير من المسلمين يعيدون مشاهدة الأحداث من زاوية أكثر اتساعاً بعد أن كان التركيز فقط على سجون الصين العملاقة التي تزج بها أكثر من مليون مسلم أيغوري وقوانينها القمعية التي تهدف لمحاربة المسلمين، ومجازر العصابات البوذية بحق المسلمين في ميانمار والصراع بين باكستان والهند حول كشمير المسلمة وهجمات الأنتي بلاكا المسيحية على المسلمين في افريقيا الوسطى.  إن الصراع الحقيقي بين الإسلام والكنيسة المسيحية الأصولية الذي أخفته لعقود أقنعة السياسة والمنظمات الدولية التي إبتكرتها المنظومة الغربية لتبرير تدخلاتها في المنطقة العربية والعالم الإسلامي قد فضحه التعصب الذي بدأ ينفجر ويخرج عن السيطرة في صفوف المسيحيين الأصوليين الذين يعتقدون أنهم دخلوا في معركة خاسرة مع تزايد أعداد المهاجرين المسلمين في الغرب وزيادة قوة تأثيرهم وفاعليتهم في المجتمعات، وهذا الأمر ترجمه بوضوح سرعة تشكل كم كبير من الأحزاب اليمينية المسيحية التي بدأت تحقق نجاحات منقطعة النظير وخلال فترات وجيزة في الحصول على السلطة والسيطرة عليها، وهذه الحقيقة تكفي لتوضيح عمق الأصولية المسيحية في الغرب وجذورها الحقيقية في المجتمعات التي لطالما قدمت نفسها على أنها مجتمعات علمانية تبحث عن الحوار المشترك والقيم الديمقراطية.