في أبريل 2016 وصف السفير الأمريكي في الهند، روبرت بلاكويل، الشلل السياسي بين الولايات المتحدة وباكستان بأنه حلقة دائرية من الاتهامات المرتبطة بالقلق من الترسانة النووية الباكستانية. وفي يناير 2018 اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باكستان بممارسة " الخداع والأكاذيب"، وقام بتجميد مساعدات عسكرية بقيمة ملياري دولار.  وقد اعتادت واشنطن على تحويل المساعدات العسكرية إلى مدنية في حال أرادت معاقبة باكستان لكنها هذه المرة جمدتها بصورة نهائية، وبررت ذلك بدعم الاستخبارات الباكستاينة لحركة طالبان الأفغانية التي تخوض واشنطن معها مفاوضات منذ أشهر قبيل تنفيذ انسحاب 7000 آلاف جندي أمريكي من أفغانستان خلال الأشهر المقبلة.

كذلك وضعت الولايات المتحدة، إسلام آباد، على قائمة المراقبة الخاصة للإنتهاكات المتعلقة بالحريات الدينية، وبدأت العلاقات الباكستانية الأمريكية بالتأزم عقب إغتيال قوات خاصة أمريكية زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن في الأراضي الباكستانية عام 2011م، واتهمت واشنطن السلطات الباكستانية بإخفاء بن لادن وعقَّب ترامب على ذلك بالقول:"السلطات الباكستانية كانت على علم بمكان أسامة بن لادن".

 الأمر الآخر الذي زاد حدة الغضب الأمريكي من باكستان هو قيامها بتوثيق علاقتها مع الصين في المحيط الهندي سواء على الصعيد الاقتصادي والتجاري أو على صعيد المشاريع العسكرية المشتركة.

من الناحية الإستراتيجية فإن الولايات المتحدة التي ترى أن باكستان تقوم بلعب لعبة مزدوجة في أفغانستان منذ 15 عاماً لا سيما في ملف حركة طالبان، تجد نفسها الآن في طريق اللاعودة من حيث العلاقات مع باكستان والاندفاع نحو البديل المتوفر في تلك المنطقة المتأزمة من العالم وهو الهند التي تجمعها بواشنطن عوامل مشتركة أبرزها التصدي لمشروع الصين الكبير المعروف باسم "الحزام والطريق" الذي يمنح باكستان فرصة اقتصادية ضخمة ويحجم نمو الاقتصاد الهندي. كذلك تسعى الولايات المتحدة إلى الاستفادة من الهند لأن تصبح بديل عن باكستان في تزويد قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان بالمؤونة مستفيدة من علاقاتها الجيدة ببلدان آسيا الوسطى وإيران والتعاون الاستخباري في أفغانستان.  

بالنسبة لرئيس الوزراء الهند البوذي المتطرف، نارندرا مودي، تعد باكستان أزمة داخلية لبلاده بسبب الصراع حول كشمير ومنظمة (جيش محمد) التي نفذت هجوماً تسبب بمقتل 46 جندياً هندياً على إثره أغارت طائرات هندية على مواقع للمنظمة داخل أراضي كشمير الباكستانية وأخيراً إعلان الخارجية الباكستانية إسقاط طائرتين هنديتين وأسر أحد الطيارين.  هذا الأمر فجر سنوات من الصراع الغير مباشر بين الهند وباكستان مركزيته تتمحور حول دعم الاستخبارات الباكستانية لعمليات تقوم بها منظمات مثل (جيش محمد) وكذلك (عسكر طيبة) بحسب الإدعاءات الهندية للضغط على الهند في ملف إحتلال إقليم كشمير المسلم.

لذلك تستغل الهند الأزمة بين باكستان والولايات المتحدة لتوفير تعاون استخباري كبير مع واشنطن وعرض خدماتها كشريك استراتيجي في المنطقة وكمنافس صاعد للصين وتلك السياسية التي تنتهجها تحاول من خلالها فرض عزلة دولية على باكستان تؤثر في تغيير تركيبتها السياسية من الداخل. لذلك وفي محاولة لتعزيز العلاقات الهندية الأمريكية على حساب باكستان تقوم الهند بتوثيق علاقتها بالكيان الصهيوني من خلال توقيع عقود تسليح وتعاون إقتصادي واسع توجه رئيس الوزراء الهندي في زيارة رسمية للقدس المحتلة في يوليو2017.

إن انسحاب الاستعمار البريطاني من شبه القارة الهندية أفضى إلى تقسيم عام 1947م وضع الجيشين الهندي والباكستاني في مواجهة بعضهما البعض، وأخضع القوتين إلى هيمنة إقليمية مستمرة وحول جنوب آسيا إلى ثالث أكثر المناطق عنفاً حول العالم وأفقدها القدرة على التكامل والإقليمي في التجارة والإقتصاد. المراقب للحراك الأمريكي في جنوب آسيا يصل إلى نتيجة مفادها أن واشنطن تتخذ موقف عدم التدخل في الصراع بين الطرفين لأن ذلك يخدم صراعها الأساسي مع الصين، فبكين ونيودلهي لديهما أزمة حدودية متضخمة بسبب النزاع الحدودي في (بوتان) التي تعد إحدى مناطق النفوذ الهندي. ففي يونيو 2017 دخلت قوة صينية المنطقة لشق طريق هناك قبلها قوات هندية تصدت لعملية البناء، على إثر الأزمة هددت وزارة الدفاع الصينية بتلقين الهند "درساً مريراً"، متعهدة بأن يتسبب أي صراع في إحداث "خسائر أعظم" من تلك التي أحدثتها الحرب الصينية الهندية في عام 1962، عندما غزت الصين الهند أثناء نزاع حدودي على جبال الهيملايا.

لذلك يجب هنا التركيز على أن الصراع الباكستاني الهندي الذي يتصاعد نجمه تارة ويخفت تارة أخرى مرتبط بالتصارع الدولي في جنوب آسيا لا سيما في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين التي تحاول استثمار الصراع الباكستاني الهندي في صنع أزمة أمنية عميقة في جنوب آسيا تستنزف الصين في محيطها الجغرافي وتحد من توسعها الخارجي.