كل إنسان -بل كل شيء -له تاريخ وله مدة زمنية، والأجيال من لدن آدم إلى آخر إنسان يمثلون زمنا، منهم من يمثل الزمن الماضي، ومن من يمثل الزمن الحاضر، ومنهم من يمثل المستقبل، وكل الأزمنة تتبادل الأدوار مع بعضها، فالحاضر سيكون يوما ما ماضيا، والمستقبل كذلك، ولكن العامل المشترك بين الجميع هو التاريخ.

كل الموجودات  لها تاريخ ميلاد ولها تاريخ  وفاة، لها بداية ولها نهاية... ولابد من التواصل بين كل ميلاد ووفاة ولا يتم هذا التواصل- أبدا- إلا من خلال التاريخ، فالحاضر  يقص نبأ الماضي مع وجوب الاعتبار  بأحداثه ؛لأن الماضي يمثل القاعدة الأساسية للحاضر ومن ثم يشترك الماضي والحاضر في بناء المستقبل، فذاكرة التاريخ بما تحتويه من أحداث من أهم العوامل التي يجب أن يرتكز عليها الإنسان في تفسيراته المستقبلية ؛لأنها تساعده في التعامل مع واقعه بكل ما يحتويه هذا الواقع من تقلبات طبيعية وإنسانية وحياتية، فمن جهل الماضي اضطربت رؤيته في التعامل مع الحاضر والمستقبل؛ من أجل ذلك نرى الخطاب القرآني في كثير من آياته وكذلك الخطاب النبوي في كثير من نصوصه يحدثنا عن ذاكرة التاريخ ويذكر لنا أحوال الأمم والشعوب ،وليست هذه الذاكرة والتذكرة للتسلية ولكن من أجل معرفة المسار الصحيح لعوامل النهوض للاستمساك بها وتحقيقها عمليا ،ومعرفة عوامل الهبوط والانحدار والبعد عنها، قال تعالى: } قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ { [آل عمران:137-138].

قد خلت من قبلكم سنن (هذه هي ذاكرة التاريخ) لقراءة المستقبل والوصول إلى البيان والهدى بالسير والتعب والجهد والاجتهاد والتأمل والتفكر (فسيروا في الأرض)، وإذا سارت الأمة في الاتجاه السليم وأخذت بالمنهج القويم فهي بذلك على بينة من أمرها وهدى (هذا بيان للناس وهدى).

إن الانطلاقة الحضارية للفكر الإسلامي والمسلمين  لن  تتحقق إلا بربط الماضي بالحاضر، والنظر في الجانب المشرق في ماضينا وتراثنا وتفعيله دون الوقوف على أطلاله، مع ضرورة رسم خريطة تجديدية فكرية تحترم الموروث الثقافي مع عدم النظر إليه على أنه  كله مقدس، فالمقدس عندنا معلوم وثابت ويتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وما اتفق عليه علماؤنا استنادا على النصوص المعتبرة التي لا مجال للشك فيها، فالنظرة الوسطية في التعامل مع الماضي والحاضر والمستقبل تثمر نهوضا حقيقيا متوازنا بعيدا عن الإفراط والتفريط، مع مراعاة  إعداد الإنسان الذي يعتمد عليه في بناء المستقبل الحضاري وترشيد أهدافه حتى لا تضيع جهود البناء والتقدم هباء، فهو محور الارتكاز الحضاري عندما يفهم رسالته فهما جيدا ويعلم مقومات استخلافه التعبدية والتعمرية، كما أنه من مقومات الرؤية المستقبلية ترك مساحة للإبداع المنضبط شرعا وأخلاقا، وأن يكون هذا الإبداع في جميع المجلات، وإحياء علوم الدين والدنيا معا.

إن التأمل في ذاكرة التاريخ   تجعل  الإنسان على علم  بالقوانين الحاكمة  للكون كله و التي تجري باطراد وثبات وعموم  في حياة البشر،وهذه القوانين تعطى الإنسان دفعة إيمانية وفكرية وعلمية، عن طريق الوقوف على أهم أحوال البشر ،و العلم بأحوال العالم الكبير علويه وسفليه، وكل ذلك يساعد الإنسان في  مسيرته  المستقبلية، وربط الأسباب بمسبباتها، كما أنه يقوي نظرته المآلية  للحياة والكون، ويساعد  الأمة على الخروج من متاهة الخلاف والتشرذم  والنزاع والفرقة ،فقد اطلعتهم الذاكرة التاريخية على وباء هذا التشرذم والتفرق، وكيف كان سببا في تآكل جسد الأمة الإسلامية ،وأخبرهم التاريخ كذلك أن الاعتصام  والتعاون  كان سببا في  رفعة  الأمة الإسلامية وخيريتها ،ومن هنا كانت هذه الذاكرة التاريخية مفتاح خير ونهضة  للأمة .

إن مراجعة الذاكرة التاريخية تعالج مرضا خطيرا أصاب بعض مثقفي الأمة ناهيك عن عوامها إلا وهو مرض التواكل الحضاري، والعيش على أمجاد من سبقونا دون أن نقدم شيئا ملموسا ينفع الناس والكون من حولنا، وكيف نتواكل حضاريا وإسلامنا يدعونا إلى السعي في مشارق الأرض والسير فيها، وقد ذللت الأرض وهيئت لنستخرج كنوزها وخيرها، قال تعالى  }هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ{ [الملك:15].