تشكل التحديات والمخاطر والأزمات والكوارث المتتالية والمتابعة أمراً بالغ الخطورة يهدد مقومات الأمن والأمان للسلم الداخلي والخارجي، ولا يمكن الخروج من جملة تلك المصائب إلا من خلال نور معرفي يستبصر الضياء وينبثق من عقده الحل، إنها مؤسسات ومراكز البحث العلمي التي تسطع نورً وضياءً وتجد حلول لكافة الأزمات والمخاطر التي تعصف بأمتنا العربية والإسلامية وتساهم بشكل فاعل في دعم اتخاذ القرار وصنع السياسات والعمل على تثقيف الرأي العام.

يعتبر البحث العلمي من أهم النشاطات التي يمارسها العقل البشري؛ فمن المعروف أن تقدم الأمم ونهضتها الحضارية مرهونة برعايتها واهتمامها به وبتطبيقاته، ومن هنا، فإن هذه الأهمية للبحث العلمي تتطلب الاهتمام بمؤسساته وأدواته ومن أهمها مؤسسات ومراكز البحث العلمي؛ لما لها من دور أساسي في عملية النهضة والتنمية الشاملة والفاعلة.

إن جذور مراكز الأبحاث العلمية كانت منذ بزوغ شمس الحضارة الإسلامية، وكان أول مراكز الأبحاث هو بيت الحكمة الذي شيد بنيانه في العصر العباسي الأول بأمر من الخليفة هارون الرشيد كنواة لمركز أبحاث كان في آنه ومكانه قفزةً نوعيةً في العلم والفكر.

يعرف مشروع مراكز الفكر والدراسات العالمي، مراكز الأبحاث والدراسات بأنها مؤسسات تقوم بالدراسات والبحوث الموجهة لصانعي القرار، والتي قد تتضمن توجيهات أو توصيات معينة حول القضايا المحلية والدولية، بهدف تمكين صانعي القرار والمواطنين لصياغة سياسات حول قضايا السياسة العامة.. وتعد هذه المراكز في كثير من الأحيان بمثابة مؤسسات وسيطة بين الأكاديميين وجماعة صناع السياسات العامة وصنع القرار، وتهدف هذه المراكز عادة لخدمة المصالح العامة كونها جهات مستقلة تترجم نتائج البحوث والدراسات بلغة مفهومة، وموثوقة وسهلة الوصول لصناع القرار والرأي العام.

إن مراكز الدراسات والبحوث العلمية الرصينة تشكل مصدراً أساسياً للمعلومات والنصح لصنّاع القرار على مختلف مستوياتهم، إنّ الدور الأساسي المنوط بهذه المراكز يتركّز على تحليل الواقع، وتقديم رؤى مستقبلية من أجل النهوض بواقع جديد أو تطوير الواقع الحالي إلى مستوى أفضل، وفق مرجعيات أكاديمية واستراتيجية، بعيداً عن الارتجال، أو النظرة الأحادية.

ومراكز الأبحاث من خلال خبرائها وعلمائها تعمل على "عقلنة" أو "ترشيد" القرار لدى المسؤلين، وبالتالي المساهمة في تصويب أو تحجيم احتمالية الخطأ أو المخاطر أو الفشل في صنع القرار وإعداد السياسات العامة و حسن التخطيط، وتوفير الرؤى والأفكار العلمية والإبداعية في الدولة.

وإذا كانت المراكز البحثية تستمد وجودها من الحاجة التي دعت إليها والضرورة التي أقتضتها، إلا أن مكانتها لم تكن واحدة ، ودورهــــا لم يكن متشابهاً ، كما أن المعوقات التي تواجه عملها ليست بمستوى واحد، وإنما تأثر كل ذلك بما قطعته الأمم من خطوات في سبيل الاستفادة من خدمات هذه المراكز وموقف أجهزة الدولة منها ومقدار إعتماد صناع القرار فيها على نتاجاتها في رسم السياسة الداخلية والخارجية، وما تعانيه الدولة من أزمات بمختلف أشكالها والتي بدون شك تترك آثاراً على وجود هذه المراكز وديمومة عمله. 

إن تفعيل دور مراكز الأبحاث والدراسات في مؤسساتنا العربية قد أصبح من مقتضيات الضرورات السياسية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية والاجتماعية والتنمويّة؛ وذلك بوصفها الطريقة الأمثل لإيصال المعرفة المتخصصة، من خلال ما تقدمه من إصدارات علمية وندوات متخصصة، من شأنها أن تضاعف مستوى الوعي لدى صانع القرار والمؤسسات والأفراد، وتساعدهم على الربط بين الوقائع الميدانية وإطارها العلمي النظري.

وختاماً أعتقد أنه الأوان لإنشاء مؤسسة تنسيقية بين مراكز البحث في العام العربي بكل تنوعاتها، وأن يُعقد لها مؤتمر عام بشكل دائم ومستمر في بلد عربي مختلف بأمانة عامة منتخبة، يمكنها أن تعقد مؤتمراً علمياً موازياً، لتناول التحولات الاستراتيجية الكبرى في الوطن العربي، وما يتصل به من تحولات دولية ومعالجة للأزمات التي يتعرض لها، لقد أصبحت مراكز البحث العلمي خزائن الفكر وينابيع التخطيط الاستراتيجي، حتى يمكن القول أنه لا وجود لنهضة حقيقية لأي بلد من البلدان بدون ايلاء هذه المراكز حقها من التقدير والاحترام؛ لدورها المعرفي والتنموي الحيوي والمهم ، كما لا يمكن الطمع بالاستفادة من مخرجاتها الحقيقية المفيدة بدون توفر الحد الأدنى الضروري من المستلزمات اللازمة لنجاحها .