واشنطن بوست/إيفان كراستيف

 

بالنسبة للأوروبيين هذه الأيام فإن زيارة الولايات المتحدة الأمريكية تشبه إلى حد ما زيارة طبيب أسنان، ستعود بفم فاغر ورائحة كريهة ومذاق سيء.  قضيت الثلاثة أشهر الأخيرة في واشنطن ككرسي هنري كسنجر في مكتبة الكونجرس محاولاً فهم ما يجري في هذا العالم الضائع، لكني أدركت بعدها أنني لم أحصل سوى على المزيد من الإرتباك.

لم تكن تلك زيارتي هي الأولى للولايات المتحدة لكنها كانت الأكثر إزعاجاً. ما وجدته مقلق جداً هو الإستقطاب المتفشي الذي يصيب البلاد، فمن الواضح جداً أن أمريكا أصبحت ذات نظرة داخلية، ولا يمكن مناقشة أحد سوى عن الرئيس ترامب، كل ما يجري في هذا البلد هو الحديث عن ترامب !.

الأشخاص الوحيدون الذين يتحدثون عنه هم الذين يعملون من أجله، كان من المعتاد حينما أزور واشنطن أن يتحدث المسؤولين في الحكومة معي كمحلل حول الكثير من القضايا مثل الإتحاد الأوروبي والأزمة الأوكرانية، كانوا يتحمسون لسماع آراء الغرباء حول الأزمات العالمية. لكن في إدارة ترامب يتجنبون الحديث مع الأجانب ربما حتى لا يكتشف أحد أنهم لا يمتلكون أدنى فكرة عما  يعتزم الرئيس القيام به. ومع ذلك فإن أولئك الذين يتحدثون نيابة عن ترامب فهم يقدمون سياسية خارجية غير تقليدية تشبه سياسة رتشارد ريكسون. لكن ما لم أستطع فهمه من يلعب دور هنري كيسنجر مع (السيد ترامب نيسكون).
 على عكس المسؤولين الحكوميين فإن المشاهير في وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث من منتقدي الرئيس متلهفون للتشهير بالأوروبيين. عندما إلتقيت بالعشرات من هؤلاء في واشنطن سمعت نفس الأشياء: السيد ترامب هو في أفضل الأحوال رئيس عرضي. هو رئيس أقلية يمثل الروس، وفي وقت قريب سيتم إخراجه من البيت الأبيض. خلف هذا الحديث الكثير من القلق حول ما تجاوزه السيد ترامب، و الأمل بأنه بعد مغادرته سيعود كل شيء كما كان.

هذا الجزء مألوف، لقد تردد مثل هذا الحديث في العواصم الأوربية، يريد صانعو السياسيات أن يعتقدوا لفترة من الزمن أن ترامب سيذهب وسيعود النظام العالمي بما فيه التحالف الوثيق بين أوروبا والولايات المتحدة إلى العهد السابق.

لكن هذا هو السر القذر الذي تعلمته من إقامتي لثلاثة أشهر في واشنطن، لن يعود الأمر لما كان عليه سابقاً. لن يعود العالم كما كان سابقاً حتى لو استطاع الديمقراطيون استرداد البيت البيض في عام 2020. حتى لو رحل ترامب فإن الكثير من قادة العالم سيبقون في السلطة، ستبقى العدد من التغييرات التي أدخلها ترامب في السياسة الأمريكية لفترة طويلة، وحينما نتحدث عن دور أمريكا في العالم فإن الأمر سينتهي بترامب مثل جورج دبليو بوش أو باراك أوباما . قد يكون ذلك الأمر صعبا ً على الأوروبيين أن يبتلعوه لكن لن يكون العالم ما بعد ترامب هو نفس العالم الذي كان قبل ترامب.

لقد أدخل  الرئيس دونالد ترامب أمريكا في أثنتين من التغييرات التي من المحتمل أن تمنحه المزيد من القوة، أولها فقدان الأمريكيين الثقة بإستثنائهم بما في ذلك المعارضين منهم فلم يعد لديهم قناعة بأن أمريكا هي " أمة لا غنى عنها" مع إلتزام بجعل العالم أكثر ديمقراطية!.

 الأمر الآخر هو أن التنافس مع الصين أصبح هو المبدأ الأساسي المنظم للسياسة الخارجية الأمريكية، يختلف الديمقراطيين والجمهوريين حول كل شيء تقريباً لكنهم يتفقون على ضرورة تغيير السياسيات اتجاه الصين. 

لا يزال القليل في واشنطن يؤمن بأن التنمية الاقتصادية في الصين تؤدي إلى إنفتاح سياسي، لكن هناك إجماع على أن السماح للصين بإلإنضمام لمنظمة التجارة العالمية عام 2001كان خطأ. وإذا فشلت الولايات المتحدة في احتواء التوسع الجيوسياسي الصيني الآن من المستحيل القيام بذلك غداً.

إن القلق الأمريكي من الصين هو في الحقيقة إدراك لإستبداد الصين الصديق للسوق والبيانات الضخمة يمثل خصماً أكثر خطورة لليبرالية من الشيوعية السوفيتية.

من الشائع أن نسمع عن تحالف الأوروبيين مع الأمريكان في الحرب الباردة ضد الإتحاد السوفيتي، لكن الأمريكيين اليوم لا يتفقون معهم على نفس الوجهة، إنهم يبحثون عن حلفاء للوقوف في وجه الصين وهذه على الأرجح ليست أولوية أوروبية.

ستكون مأساة للأوروبيين إذا لم يدركوا أن طبيعة علاقتهم مع الولايات المتحدة ستحددها الصين، ليس فقط الآن، ولكن حتى بعد رحيل ترامب من البيت الأبيض، سيكون على أوروبا معالجة هذا الملف الصعب وإختيار وجهة سياسية جديدة في علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.