طرق مسامعنا مصابٌ جللٌ، فمنازل بيت المقدس تباع بمكرٍ يُشترى، خيانةٌ وصفاقةٌ تخدم الكيان الصهيوني، ليستولي - بتمدد خبيث - على كل شبر في مدينة القدس المحتلة.

"سماسرة" بأسماء عربية تتنكر بأثواب التعاون لتنهب المنازل وتسلمها للصهاينة، ثم ما تلبث أن تظهر إعلانات لبيعها في مواقع يهودية على شبكة الأنترنت، أثمانها تصل لملايين الدولارات للمنزل الواحد، ولا يُباع إلا ليهودي صهيوني وإلا فلا.

بالالتفاف تارةً وبالخديعة تارةً أخرى، تمكن عشرات المستوطنين الصهاينة من الاستيلاء على عقاراتٍ فلسطينيةٍ في مواقع استراتيجية داخل مدينة القدس.

ولكن تفاصيل هذه الخيانة الكبرى أو "الفضيحة" في المشهد الفلسطيني لم تتوقف عند هذا الحدّ، بل وجّه الفلسطينيون أصابع الاتهام للسلطة الفلسطينية كونها لم تبدي أي جديّة في ملاحقة "السماسرة" بالرغم من وجود العشرات من الوثائق التي تدين شخصيات فلسطينية في عمليات الاستيلاء هذه.

وقد أكد عضو الهيئة الإسلامية العليا لمدينة القدس، جمال عمرو، بأن نشاط تسريب العقارات في القدس ارتفع خلال السنوات العشر الأخيرة بنسبة 400 بالمائة، مقارنة بالفترة الممتدة من اتفاق أوسلو في العام 1993 وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى في العام 2000.

وتشير الإحصاءات بشأن نهب العقارات في أحياء البلدة القديمة وسلوان والشيخ جراح، أثناء السنوات السبع الأخيرة - لغاية نهاية عام 2016- إلى تسريب ستين منزلًا مقدسيًا ليد المستوطنين الغاصبين، ليرتفع عدد المستوطنين في القدس بنسبة 60%.

في حين يؤكد بعض الباحثين أن عدد المستوطنين الذي يقطنون في منازل الفلسطينين المستولى عليها وصل إلى خمسة آلاف مستوطنٍ مع نهاية عام 2016 من أصل 220 ألفا في جميع أنحاء مدينة القدس المحتلة. ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بأسى، لماذا يضطر المقدسيون لعرض منازلهم للبيع مع علمهم بقداسة كل شبر يقيمون عليه؟

ولكن من يحيط علمًا بسندان العدوان الصهيوني ومطرقة الضرائب والرسوم المرهقة لكاهل المقدسيين سيدرك أن سكان القدس باتوا لوحدهم في مواجهة المكر الصهيوني، ما دفع ببعضهم للرحيل من المدينة وبيع عقاراتهم في ظروف حرموا فيها حتى حق الترميم لمنازلهم. وإن تشجعوا على ذلك تكبّدوا الغرامات المالية الباهظة التي تفرضها سلطات الاحتلال.

ومع ذلك لم تنهب هذه العقارات بملإ إرادة المقدسيين، بل تم التحايل عليهم من قبل "سماسرة" عرب يتوارون خلف دواعي إنسانية لتقديم المساعدة بهدف حفظ هذه العقارات من الوقوع في يد الصهاينة، وبعد أن يستأمنهم المقدسيون، ويستلمونها منهم بيد، يقومون بتسليمها باليد الأخرى لهؤلاء الصهاينة. وهكذا يتم نقل ملكيتها للاحتلال بشكل مباشر، أو للجمعيات الاستيطانية اليهودية الناشطة في بيت المقدس كمثل مؤسسة "عطيرت كوهنيم" وتعني تاج الكهنة، ومؤسسة "عير دافيد" أو "العاد"، وتعني العودة إلى مدينة داود. واللتان تعتبران ذراعان للكيان المحتل، مهمتهما الأولى تهويد القدس الشرقية وتدعمهما في ذلك حكومة الكيان المحتل والصهاينة والأمريكيين في الغرب.

وتزيد خطورة هذا المصاب كون القدس مدينة مقدسة يحتلها كيان غاصب، وأي تسريب لممتلكات المقدسيين فيها سيكون خيانة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الفتوى الرسمية التي صدرت عن دار الإفتاء الفلسطينية. حيث وصفت الفتوى كل من يتورط في عمليات تسريب هذه العقارات بـ "خائن لله ورسوله ودينه ووطنه، يجب على المسلمين مقاطعته، فلا يعاملونه ولا يزوجونه، ولا يتوددون إليه، ولا يحضرون جنازته، ولا يصلون عليه، ولا يدفنونه في مقابر المسلمين".

وقد تعالت صيحات الإستغاثة من الفلسطينيين مع تصاعد معدلات التسريب وتورط شخصيات عربية مشهورة تقدم القرابين لليهود على حساب القضية الفلسطينية وقضية المسجد الأقصى التي هي قضية الأمة الإسلامية قاطبة وفي وقت باتت بعض الحكومات بشكل علني تركب قطار التطبيع في محاولة لفرض واقعه على الشعوب المسلمة وتحويله لأمرٍ اعتيادي لا داعي لاستهجانه.

ويتوجب على كل مسلم وصله نداء الاستغاثة من بيت المقدس، تفعيل هذه القضية بما أمكنه من وسائل، وفضح المتورطين في عمليات التسريب، مع تسليط الضوء عليها بشكل مكثّف حتى لا يتم تغييبها خلف ركام الأحداث اليومية مع أن هذا لوحده لا يكفي، إذ لابد لأغنياء المسلمين من مدّ يد العون لأهالي القدس، ومساندتهم لحفظ عقاراتهم من تسلل يد الخيانة والسرقة إليها، وإن كان بفتح استثمارات خاصة لتمويل المقدسيين كي لا يضطروا لبيع عقاراتهم أو يرضخوا لمساومات اليهود ويدخل هذا في باب تفريج الكربات، فعن أَبِي هُرَيرَةَ، قال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ فَرَّجَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ".[1]

ثم على كل ناشط إعلامي أو إنساني أو حرّ أن يقوم بواجبه في مناصرة أهل فلسطين أمام سرقات اليهود لأراضيهم ومنازلهم، وعلى من له دراية بالسبل القانونية أن يسعى لتجريم المتورطين في هذه التسريبات، وتركيز الملاحقة القضائية لهم بدعم جماهيري لا ينضب من كل المسلمين ليس فحسب الفلسطينيين، ويدخل في هذا إحباط محاولات الكيان المحتل المخادعة وتلاعباته وتزويراته.

علينا مواجهة قانون أملاك الغائبين الذي يتخذه الاحتلال ذريعة لسلب العقارات لصالحه، والتصدي لدعاوى المصلحة العامة والعسكرية التي تلوّح بها الإدارة اليهودية في كل حين تسلب فيه أرضًا من فلسطين المسلمة، ثم كشف الستار عن عمليات الالتفاف والتزوير وقطع الطريق على سلاسل "السماسرة" الذي يتناوبون في تمرير العقارات بالتمويه والتضليل، لتصل في الأخير ليد الصهاينة.

مع العلم أن الصهاينة يتجرأون على النهب ببجاحة المحتل، ويكفي أن يموت صاحب العقار حتى تظهر الوثائق المفبركة لتُثبت ملكيته لمستوطن خبيث لم يُعرف له أثر من قبل. وما هذا إلا لونا واحدا فقط من ألوان ظلم اليهود.

ثم لا أقل من فتح غرفة عملياتٍ خاصةٍ بتتبع هذا التطور الخطير في القدس لتلتحم جهود التغطية الإعلامية والتوعية الشرعية والمساعدة الاقتصادية والمحاولات القانونية معًا لمواجهة تمدد السرطان اليهودي إلى قلب آخر معاقل المسلمين في قدسنا الحبيب وخط الدفاع الأول المتبقي أمام مسجدنا الأقصى الأسير.

ولمثل هذا العمل التطوعي والتعاضد، الأولوية القصوى لمن أدرك خطر الاستيلاء على عقارات بيت المقدس وأبصر في الأفق مدى شناعة تداعيات هذا الفعل وما يرتبط بتسهيله.

وإن اقتراح الحلول استجابة لنداء الاستغاثة يعد خطوة أولى لتحقيق تجاوب يليق ومستوى الحدث، حتى نخرج من حلقة التأسف لحلقة التأثير، ولكن إن تحركت إرادة الجماهير المسلمة فلا بد أن تحدث التغيير وتحفظ الحقوق، ذلك أنها الرقم الأصعب الذي يخشاه الصهاينة مهما ضمنوا موافقة الأنظمة الحاكمة، وهذا أقل ما يمكننا تقديمه لمدينة القدس وأهل فلسطين لنحفظ كرامتنا ومقدساتنا التي تهون عند "السماسرة".


 


[1]  رواه مسلم