انطلقت قبل أيام وتحديدا في السادس من ديسمبر 2018 مشاورات السلام اليمنية في العاصمة السويدية "ستوكهولم"، بين وفد الحكومة الشرعية، ووفد مليشيات الانقلاب الحوثية.. مشاورات قال المبعوث الأممي البريطاني مارتن جريفيت أنها تهدف إلى ثلاثة أهداف، أولها بحث الخطوط الرئيسية للتسوية، وثانيها هي إجراءات بناء الثقة بين الطرفين وفقا لعدة محاور أهمها "إطلاق الأسرى والمعتقلين، وفتح مطار صنعاء، والجانب الاقتصادي"، أما الهدف الثالث فهو محاولة "خفض التصعيد" وإيقاف المواجهات في مدينة الحديدة والبحث عن آلية لحل وضع الميناء الذي لا يزال تحت قبضة الحوثيين، ومنه يحصلون على موارد كبيرة يستخدمونها في الحرب، بالإضافة إلى تهريب الأسلحة.

بالنسبة للمبعوث الأممي مارتن جريفيت، فإن جمع الأطراف اليمنية على مائدة واحدة في العاصمة السويدية يعتبر إنجازاً شخصياً يفاخر به في المجتمع الدولي، ولذلك بدا مبتهجاً من خلال الجلسة الافتتاحية بين الطرفين كتحقيق انتصار شخصي، لكن ما بدا واضحاً منذ بداية تعيينه هو الانحياز الكبير الذي يمارسه هذا المبعوث مع المليشيات بشكل مضاعف على المبعوثين السابقين.

تجربة اليمنيين مريرة مع جماعة الحوثي في نكث العهود والمواثيق والاتفاقيات، وبالتالي على المستوى الشارع اليمني لا يجد أي جدوى من هذه المشاورات طالما بقي السلاح والسيطرة الجغرافية تحت أيدي الحوثيين، فحتى مجرد الالتزام بأعداد الوفود المشاركة في المباحثات لم يلتزم بها الحوثيون حيث اضطر المبعوث الأممي إيقاف الجلسة حتى يتم إخراج العدد الفائض من الحوثيين الذين قدموا بشكل مخالف لما تم الاتفاق عليه مسبقاً.

المجاملات الأممية للمليشيات الحوثية بلغت ذروتها مع تعيين المبعوث البريطاني مارتن جريفيت، فقد أبدى تعاطفاً كبيراً مع المليشيات، وحاول أن يفرض أجنداته على الحكومة الشرعية، بل حاول أن يمارس دور فكفكة الشرعية من الداخل عبر لقاءات خاصة مع الأحزاب السياسية من أجل انتزاع مواقف مضادة للحكومة الشرعية وهو ما لم يحصل عليه.

تصريحات المبعوث الأممي وثنائه الدائم على المليشيات وعلى قائدهم عبدالملك الحوثي كانت مثار استغراب الكثير، حيث لم يصدر منه أي موقف توضيحي على الأقل لتأخر وفد الحوثي ورفضه الذهاب إلى جنيف في سبتمبر الماضي، فضلا عن الكثير من المخالفات والتعنت في الشروط ومع ذلك كان ليناً معهم على عكس تعامله مع الحكومة الشرعية التي وفرت له كل عوامل الدعم والمساعدة لتسهيل مهامه.

تتعرض مدينة تعز للقصف والحصار الحوثي منذ أربع سنوات ومع ذلك لم يتحمس المبعوث الأممي لزيارتها وتعذر بحجة الأوضاع الأمنية، وحينما وصلت قوات الشرعية على مداخل مدينة الحديدة غامر مارتن جريفيت مع طواقمه لزيارة المدينة وسط القصف والألغام، وحاول أن يوقف اقتحام المدينة والميناء .. وهذا الأمر ليس له تفسير إلا أنها محاولة لإنقاذ الحوثي من قبضة القوات الشرعية، وقد نجح في ذلك للأسف.

ولأن المبعوث الجديد بريطاني الجنسية، تحشد حكومة بريطانيا كل الدعم والمساندة من أجل إنجاح عمله في اليمن، فالسفير البريطاني في اليمن لا يكل ولا يمل وهو يتنقل من مكان إلى آخر ورافق المبعوث إلى السويد من أجل إنجاح هذه المشاورات، وعندما وصلت قوات الشرعية على بعد كيلومترين من ميناء الحديدة تحرك وزير الخارجية البريطاني إلى السعودية والإمارات وعمل على إيقاف تقدم القوات ووقف السيطرة على الميناء.. وعندما نسأل لصالح من يتم عمل هذا؟ تكون الإجابة بكل سهولة، لصالح المليشيات الحوثية.

واضح للعيان أن هناك تواطئ دولي في صناعة الحوثي، ثم العمل على حمايته، فما يجري من ضغط دولي كبير على المملكة العربية السعودية وعلى الحكومة الشرعية واضح للعيان، بل إن هناك دول أوروبية تسعى بقدر الإمكان على الالتفاف على المرجعيات الثلاث، والتي بسقوطها نستطيع القول بأن الحوثي انتصر في معركته السياسية، وستبدأ الحكومة الشرعية في التفاوض معه من الصفر بدون أدنى مرجعيات.

حسب البعض، فهناك مزاج دولي عام في تجذير الطائفية في الوطن العربي، وصناعة الأقليات وتمكينها من الحكم والتغلب، وهي مقاربة من شأنها أن تبقي المناطق العربية في صراع وتوتر دائم، وعبرها تستمر مصالح تلك الدول لفترة أطول بدون مبررات شرعية.

ما يمارسه المبعوث الأممي ومن خلفه القوى العظمى محاولة تخدير، وصناعة حلول مؤقتة لا تؤسس لسلام دائم، وحتى الآن لا يوجد أي مؤشر يضمن أن هذه المليشيات يمكن أن توافق على مخرجات هذه المشاورات التي أعلن وفد الحكومة الشرعية تمسكه بالمرجعيات الثلاث وعودة الدولة وتسليم السلاح ووصول كافة الموارد المالية إلى البنك المركزي في عدن، وإدارة الشرعية لميناء الحديدة وفتح حصار مدينة تعز، وإطلاق الأسرى والمعتقلين، ومن ثم بعد ذلك البحث عن آلية سياسية تضمن تعايش الجميع وتشاركهم في السلطة .

يتساءل أحد الإعلاميين اليمنيين: "إذا كان الحوثي لم يلتزم بالعدد المحدد من أعضاء الوفد المفاوض في السويد، فكيف سيلتزم بتسليم المدن والقرى والسلاح والجيش والبنوك والمنازل.. إنه أمر بالغ الصعوبة في التحقيق!".