لا تعتبر الدولة الأمريكية نفسها دولة مسيحية لكن المسيحية تلعب دوراً مهماً في صياغة سياستها في الداخل والخارج، وهذا الأمر سلط الضوء عليه تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" عقب إفراج تركيا عن المبشر "أندرو برنسون" والذي حظي بإستقبال الأبطال من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض بعد سنوات من المفاوضات بين تركيا الولايات المتحدة الأمريكية. خلال حفل الإستقبال صرح السناتور ريتشارد بور قائلا" نشر كلمة المسيح أمر حاسم في هذا البلد وهو أساسي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية".  كلمات بور أشعلت وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة فهو لم يدعي فقط بأن الولايات المتحدة أمة مسيحية بل أكد أن المبشرين جزء أساسي من النفوذ الأمريكي في هذا العالم.

في معاهدة طرابلس عام 1796م والتي وقعتها الولايات المتحدة مع الدولة العثمانية اقرت واشنطن فيها بأنها غير قائمة على الدين المسيحي. بعد توقيت الإتفاقية بــ16 عاماً بدأت مجموعات من المبشرين تصل إلى الهند ضمن مشروع أطلق عليه"تحويل العالم"، وخلال عقود تلت هذه الخطوة كان يمكن العثور على المبشرين الأمريكيين في كل مكان في العالم. وبحسب وصف الصحيفة فإن أولئك المبشرين رغم تنوعهم ضمن الطوائف المسيحية إلا أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم يمثلون الأمة الأمريكية لذلك كانوا دائماً على تواصل مع المنظمات التجارية والسياسية والإستخبارية الأمريكية.  إن الأمة الأمريكية كانت تمثل بإحدة طريقتين أولها تتعلق بالشركات التجارية الرأسمالية و المنظمات الدينية التي تدعم التبشير في أماكن مختلفة من العالم ورغم إختلاف سلوك الجانبين إلا أنهما كانا يمثلا السلوك الأمريكي.

تؤكد الصحيفة أن العديد من المبشرين كانوا أداة من أدوات الإستخبارات الأمريكية خلال القرن التاسع عشر، فمنهم من كان يعمل في وظائف قنصلية أو مترجمين وكانت أجهزة الاستخبارات تحاول الإستفادة منهم في المهمات المحلية لدرايتهم بتفاصيل العيش والسلوك في الأماكن التي يستقرون فيها.

درجت العادة أن تقوم جهات تدعم المبشرين ببناء مستشفيات ومدارس كانت بمثابة مراكز وقواعد لعمل المبشرين، لكن القوة العسكرية التي تمتعت بها أمريكا جعلت هذه الفئة تعتقد أن تلك القوة يجب الإستفادة منها في نشر الهوية الثقافية الأمريكية.  بيتر باركر كان من أبرز المبشرين الأمريكيين في القرن التاسع عشر في الصين، فقد شغل دوراً دبلوماسيا جعله يقوم بشرح مزايا اتفاقية (وانغشيا) المقترحة بين أمريكا و الصين في عام 1844م أمام مجلس الشيوخ. 

لقد شكل المبشرين روابط قوية مع الإمبريالية الأمريكية جعلتهم يلعبون دوراً هامة في الحرب العالمية الثانية و خلال الحرب الباردة، وقد قدم الكثير منهم معلومات استخبارية وكانوا في بعض الأزمات الخيار الوحيد أمام الحكومة الأمريكية. وقامت بعض البعثات التبشيرية علاقات وطيدة مع مسؤولين حكوميين حتى أنها كانت ترفع تقارير دورية لوزارة الخارجية والهيئات الحكومية الامريكية. لم يكن تأثير المبشرين على الحكومة الأمريكية له تداعيات مباشرة فقط بل كانوا يعلبون دوراً غير مباشر تستفيد منه الوكالات الحكومية الأمريكية، فهم في المجتمعات الخارجية كانوا يشكلون حاضنة للإستقطاب. لقد كان ولا يزال المشروع التبشيري هو مشروع الدولة الأمريكية، فهي تعتبر التبشير أمر بالغ الأهمية لمهمتها العالمية رغم المطالبات المستمرة بفصل الكنيسة عن الدولة.

تقول الصحيفة :" لم يتم تأسيس الولايات المتحدة على أنها دولة مسيحية، وكانت سياستها الخارجية مدفوعة بعدد من العوامل، لكن تجاهل القيم الدينية الأمريكية للعلاقات الأمريكية مع العالم يشوه الكثير من قصتنا. كان المبشرين من أوائل الأمريكيين الذين خرجوا للعالم ممثلين بلدهم وإيمانهم في الخارج، و يمكن أن نرى ثمار هذا التاريخ المتشابك في قصة أندرو برونسون".