على قاعدة هل يؤتمن الذئب على الغنمات؟ عبر العديد من المواطنين الفلسطينيين عمالا وموظفين وأحزابا عن رفضهم المطلق لقانون الضمان الاجتماعي الذي أقرته الحكومة الفلسطينية ويرأسه وزير العمل مأمون أبو شهلا رغم فكرته النبيلة كونه أحد أعمدة العدالة الاجتماعية في الدول التي يوجد بها استقرار وضمان وظيفي وتحفظ حقوق مواطنيها.

ودانت حركة حماس الحكومة على إصرارها في المضي قدما لتطبيق القانون وتجاهل حالة الرفض الكبيرة له ودعت الى وقف تطبيقه استجابة لمطالب الجماهير والالتزام بالأليات القانونية لإقراره.

وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالسخرية من تصريحات وزير العمل الفلسطيني مأمون أبو شهلا في 10 تشرين أول / اكتوبر حول استقطاع جزء من رواتب الموظفين والعمال التي قال فيها "بدلاً من أن يصرف العامل هذه الأموال على زوجته وأولاده يتم الاستثمار له فيها من خلال صندوق الضمان".

وحسب القانون الذي سيدخل حيز التنفيذ في الأول من تشرين ثاني / نوفمبر يجوز لكل من الفئات العمرية شريطة ان لا يكون قد أكمل سن الستين للذكر او سن الخامسة والخمسين للأنثى الانتساب لهذا القانون ويؤدي المنتسب ما عليه من التزامات واشتراكات مالية شهرية ويشمل الفانون تأمين إصابات العمل وتأمين الشيخوخة والعجز والوفاة وتأمين الأمومة وتأمين التعطل عن العمل والتأمين الصحي ويستفيد منه جميع العمال الخاضعين لأحكام قانون العمل النافذ والأشخاص العاملون غير الخاضعين للتقاعد بموجب أحكام قانون التقاعد المدني أو قانون التقاعد العسكري والأشخاص العاملون لدى البعثات الإقليمية والدولية والبعثات السياسية أو العسكرية العربية الأجنبية العاملة في السفارات والملحقيات والمراكز الفنية والتعليمية التابعة للسلطة الفلسطينية والعاملون لحسابهم الخاص و أصحاب العمل والشركاء المتضامنون العاملون في منشآتهم.

يدرك المواطن الفلسطيني حقيقة القانون وأهميته ويقر بأنه يحقق للموظفين والعاملين حقوقهم لهم ولأسرهم من بعدهم لكن ما يجعلهم يرفضون فكرته هو تخوفهم من الجهة المشرفة عليه التي كان لها تجارب سابقة في اهدار أموال الموظفين والعمال ولعل أهم ما يدلل على ذلك الشواهد التالية: 1- عندما تم تأسيس السلطة الفلسطينية في غزة استلمت من اسرائيل مدخرات الموظفين المحليين الذين أمضوا حياتهم في الوظيفة العمومية منذ الإدارة المصرية حيث كانت نسبة الادخار حينها وحسب القانون القديم تمثل 22%  وكان الموظف يبني آماله ليس على راتبه المتواضع أثناء الخدمة بل على مدخراته وراتبه التقاعدي بعد إنهاء الخدمة وبالرغم من أن صندوق التأمين والمعاشات لم يكن مؤسسة حكومية بل صندوق تشرف عليه الحكومة بمجلس ادارة مستقل إلا أن السلطة وضعت يدها على 237 مليون دولار بحجة أن مستشار الرئيس الاقتصادي في ذلك الحين وضع يده على أموال الصندوق بحجة الاستثمار وتبخرت أموال الموظفين وأموال الصندوق ولم يحرك أحد ساكناً.

2- منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية والاعتراف بها ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني عمل أكثر من 40 الف موظف أو فدائي في منظمة التحرير الفلسطينية وهؤلاء كان لهم مدخرات لدى الصندوق القومي وعند توقيع اتفاق أوسلو عادت منظمة التحرير تحت مسمى السلطة الفلسطينية  للوطن وتم استيعاب الأخوة المناضلين فيها كموظفين في مواقع متقدمة ورتب عليا وبحكم السن  تراوحت مدة الخدمة لهؤلاء الأخوة من 7 إلى 12 سنة  أي أقل من 20 سنة وكان من المفترض وحسب القانون أن يتقاضوا مكافأة نهاية خدمة من صندوق التأمين والمعاشات وليس راتب تقاعدي حسب القانون  فأصدرت السلطة قانون بقرار باحتساب مدة الخدمة في المنظمة كسنوات خدمة وادخار لدى السلطة والصندوق وبهذه الطريقة تم السطو على مدخرات الموظفين متواضعي الرتب من معلمين و عاملين في قطاع الصحة وموظفي البلديات وغيرها الذين أمضوا في الخدمة العمومية المدة القانونية لتقاضي راتب تقاعدي لصالح موظفين لم ينطبق عليهم القانون وليتقاضوا رواتب تقاعدية من أموال ليست أموالهم.

3-عدم ثقة المواطنين في مؤسسة تم تشكيلها واختيار موظفيها بعيداً عن أصحاب الشأن فالمدير التنفيذي يتلقى راتباً خيالياً ومجلس الإدارة وموظفي ومستشاري المؤسسة يتلقون مكافئات كبيرة فكيف يمكن للمواطنين ادخار أموالهم ليتم صرفها بطريقة غير موضوعية؟.

4-عدم ثقة المواطنين في قوانين السلطة التي يتحكم فيها أشخاص وأهواء ذاتية فعلى سبيل المثال كيف يمكن للسلطة أن توقف رواتب موظفيها دون قانون وهل يجوز لها ذلك ومن يمكن أن يثنيها عن ذلك؟ وهل يحق لمدير عام الرواتب السطو على مدخرات موظف تم إحالته للتقاعد ومصادرة مدخراته وراتبه التقاعدي؟ وهل يحق لأناس كبار ومتنفذين في مراكز القوة وصنع القرار ويتحكموا في القانون وفق أهوائهم أن يتقاضوا رواتب تقاعدية رغم عدم قضائهم المدة القانونية ويتم تعيينهم في مناصب أخرى ويتقاضوا راتبين من أموال الناس التي يتم ادخارها.

5-يتسائل المواطنون هل تملك السلطة الفلسطينية من القوة وأوراق الضغط لحفظ وحماية حقوق أبنائها وموظفيها وهل تضمن أموال الناس واستثماراتهم إذا قررت الولايات المتحدة وضع يدها أو تجميد المحفظة الاستثمارية للسلطة الفلسطينية وخصم أموال لصالح عائلات أمريكية إسرائيلية فقدت أبناؤها في الأراضي المحتلة؟ حيث لا زالت قضية احتجاز أموال البنك العربي وكذلك بعض من المحفظة الاستثمارية لهيئة التقاعد ماثلة في أذهان الناس.

6-يزداد انعدام الثقة لدى المواطنون حينما يدركوا أن هذا القانون لا يملك من وسائل الضغط الذي تمكنه من إعادة الأموال التي تحتجزها إسرائيل من حقوق العمال الذين عملوا لديها خلال الفترة السابقة والتي تقدر بـ 10 مليارات دولار ولا يمتلك القائمون على هذه المؤسسة أوراق ضغط تمكنهم من تحصيل حقوق العمال المهدورة منذ زمن كبير.

7-يزداد التخوف أكثر بعد تخلى السلطة الفلسطينية عن أبنائها الموظفين الذين عملوا في الخارج خاصة في الدول العربية المجاورة لفترات طويلة وتم الاستغناء عنهم دون حفظ حقوقهم ووقفت السلطة مكتوفة الأيدي أمام مشكلاتهم باستثناء تسهيل توظيف أعداد قليلة منهم دون الضغط لاسترداد حقوقهم ومدخراتهم السابقة.

في الوضع السياسي الإقليمي والفلسطيني الداخلي لا يمكن التنبؤ بمستقبل السلطة الفلسطينية واحتمالية انهيارها واردة وهناك أيضاً خيارات سياسية واردة ولا يمكن تجاهل الخطر الذي يدركه الجميع والحقيقة التي لا يمكن اغفالها وهو أن السلطة أصبحت محكومة بأفراد وتنظيم وقرارتها مرتبطة بأشخاص ذو نفوذ يتحكمون بها وكأنها عزبتهم وورثة الوالد وهذا ما يمكن تحديده كأهم الاعتبارات وراء الرفض الشعبي للقانون.