لقد آن الأوان بعد مرور سبعين سنة من الفشل المتواصل في محاولة حل ّالقضية الفلسطينية دون جدوى، أن نلتفت بجديّة للدوافع الحقيقة التي جعلت مؤخرا الإدارة الأمريكية تعلن -وبصفاقة منقطعة النظير- القدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني وتتعمد تسريب الأخبار عن صفقة مؤامرة جديدة تحاك حبالها منذ سنوات لأهل فلسطين - لا تقل خيانة وظلما عن اتفاقية أوسلو وأخواتها- سميت بـ "صفقة القرن" لكنها لا تتعدى كونها محاولة تصفية بائسة لقضية مصيرية تعتبر قلب قضايا العالم الإسلامي ومحور مآسيه.

ولابد أن الدافع الأول لهذه التحركات هو ذلك العداء المتجذر للإسلام وأمته، والكيد المستمر للهيمنة الغربية والمشاريع الاستعمارية بأشكالها المختلفة، ثم سياسة الترويض التي يعتمدها الساسة الغربيون في تهيئة الشعوب لتقبل جرائمهم. وما هذا الإعلان المستفز إلا أحد الحقن التمهيدية لتهيئة الأمة الإسلامية لمثل هذه الجريمة الكبرى. وجس نبض الرأي العام حين يدق ناقوس الخطر الشديد لمعرفة طرق التعامل معه وتجهيز الإجراءات لاحتوائه.

ورغم عدم إفصاح الإدارة الأميركية عن أي تصور واضح ومعلن عن هذه الصفقة، وهي حسب الأروقة السياسية والإعلامية الجهة الراعية الأولى لها، وكيف لا تكون كذلك وهي الداعم الأول والحليف المنافح عن اليهود دائما وأبدا. فإن مصطلح "صفقة القرن" ليس جديداً، وقد تردد في عام 2006 عندما ظهر الحديث عما عُرف بـ"تفاهمات أولمرت عباس".

وظهرت أماراته أوضح عند تشديد الحصار على قطاع غزة، في عام 2007 حيث فُرضت على قرابة مليوني نسمة أوضاعا معيشية وصحية متردية للغاية، حتى أضحت تقارير المؤسسات الإغاثية والإنسانية تنذر باستحالة العيش في القطاع بعد سنوات معدودات، كل هذا لدفع الغزاويين دفعا إلى قبول الانتقال إلى شبه جزيرة سيناء كما هو مخطط له في الصفقة البائسة، الأرض مقابل الأرض. 

ويبدو أن قرارات ترامب الأخيرة في إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في بلاده وقطع المساعدات عن منظمة الأونرا لخدمة اللاجئين، وكل مساعدة مالية للسلطات الفلسطينية جاءت لتؤكد أن موقف هذه الأخيرة لا يقدم ولا يؤخر في سير خطة تمرير الصفقة.

ومع هذا الوضوح فلا أعجب من صدمة السلطات الفلسطينية بهذه الحقيقة، واستهجانهم الوقفة الأمريكية المساندة للصهاينة، ذلك أنهم صدقوا لأمد أن تحقيق ما يسمى السلام أمر ممكن بإدارة أمريكية! وهذه السذاجة بعينها إن لم يكن الحمق.

ولا يظهر أن قادة المشروع الصهيوني والأميركان سيجدون وقتاً أفضل من الوقت الحالي لمحاولة فرض رؤيتهم لهذه الصفقة، والتوطأة للتحولات الجيوسياسية التي تتربص بالمنطقة، فهناك ضعف وانقسام فلسطيني، وتشتت وتفرق عربي وإسلامي، وأنظمة فاسدة مستبدة. وثورات متراجعة، والبيئة الإستراتيجية المحيطة بفلسطين تنهكها الصراعات والنزاعات، وتجري فيها محاولات رفع جدران اليأس والإحباط وتوجيه بوصلة الصراع بعيداً عن العدو الصهيوني.

والمتبصر في التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة يجد ذلك الإمعان اليهودي الخبيث في قهر وإذلال الفلسطينيين بجرأة كبيرة، تدفعها الثقة بأداء الإدارة الأمريكية وصكوك التطبيع من الأنظمة العربية السرية والمعلنة ثم درجة الإحباط التي وصلت إليها شعوب ثارت على أنظمة ظالمة ففوجئت بثورات مضادة يدعمها الغرب كلّفتها الغالي والنفيس وأعادتها لمربع الصفر، أو على الأقل أعادتها للوراء كثيرا.

ولا ننسى ذلك الوضع المعيشي المزري والمتدهور في كل يوم والذي ينشغل فيه المسلم بجمع قوت أهله وعياله بدل جمع همته وإصراره لمحاولة رفع مطرقة الجور والطغيان عن كاهله. يفرضه صندوق النقد الدولي الذي أتقن فن استعباد الشعوب بالتحكم في مدخراتهم وحركات أموالهم وبالمنّ تارة والتهديد تارة أخرى والحديث عن أوجه ظلمه يطول في ظل أنظمة ابتليت بمتلازمة الخضوع.

وها نحن نشاهد الفلسطينيين يهجرون من قراهم وتهدم بيوتهم وتسلب أراضيهم وتتمدد اليد الصهيونية إليها لتقيم أوكار الاستيطان السرطانية في أرض هي بالنسبة للمسلمين تاريخ وأصالة، وعقيدة وارتباط. وفي ذات الوقت نرى عجزا عن تحقيق انتفاضة تتصدى لهذا التمدد المشؤوم، وما مسيرات العودة في غزة إلا استغاثة استضعاف لم تلاقي حجم الدعم الذي تستحقه.

لسنا هنا بصدد تبيان تفاصيل هذه الصفقة الماكرة، ذلك أنها لا تعنينا ولا تمثلنا، وكيف نعترف بها وعرابها جاريد كوشنر اليهودي الصهيوني مستشار الرئيس الأميركي، وزميله جيسون غرينبلات المبعوث الأميركي للشرق الأوسط المطبل لسياسات اليهود في حين ينفذها بصفاقته المعتادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لا يخفي عقيدته الهرمجدونية في كل حديث عن حلفائه اليهود.

ولكننا نحاول رسم صورة المشهد الحقيقي للصراع ودرجة ارتباطه بمصير أمة كاملة ومكر منظومة دولية كبرى، وفي الواقع ليست صفقة القرن إلا صفقة تصفية للقضية الفلسطينية وفرض للاحتلال الصهيوني بتصوراته وشروطه وطموحاتها الكؤودة التي يدعمها الغرب.

ولن ينفع الخوض في بنودها وتفاصيلها لأنها لن تمثل إلا رغبة وحلما صهيونيا على أرض مسلمة، ومهما اتسعت دائرة المغريات للأنظمة المتواطئة فإن الكلمة الأخيرة ستبقى بيد الشعوب المسلمة، ولن تقدم مشاريع اقتصادية وخطط تبادل للأراضي وتحويل السكان، أي تعويض يرتقي لثمن نهب أرض مقدسة مباركة وبلاد يكافح لاسترجاعها المسلمون منذ عقود يرتبط مصير وجودهم بوجودها.

فعلى الفلسطينيين أن يرفضوا كل قيادة تلبس لباس العلمانية وتدعو للسلام الذي تعزفه آلة ما يسمى بالشرعية الدولية والتي لم ينالهم منها إلا مزيد عدوان وظلم. وأن يرفعوا من درجة الحذر من كل مكيدة وشر، ويتحدوا في مصابهم ويستلهموا من تجارب من سبق، ويُنظموا صفوفهم بإيمان ويقين، لمقاومة قصوى وصمود تاريخي. لن يخسر صاحبه شيئا بل حتما يظفر.

ولتراقب أعين المسلمين اليقظة كل الأدوات المستعملة لتنفيذ ذلك المشروع لمصلحة الكيان الصهيوني ولتقف كصف واحد أمام كل مرحلة يتم التمهيد إليها فتحبطها وترد كيدها، ولتسخر الأقلام التي لا تأخذها في الله لومة لائم لفضح كل خطوة في هذا الاتجاه وكل خائن وكل عميل وكل مُطبّع أو متعاون ولو بسذاجة مع مشروع جريمة سيكون تحقيقه عارا على أمة دينها دين الاستعلاء بالإيمان.

فإنما معركة فلسطين معركة أمة ومعركة عقيدة ومعركة وجود.

وختاما فإن النفوذ الصهيوني الكبير الحاضر هو حالة استثنائية مؤقتة في تاريخ الأمة، ولن يبقى قوياً إلى الأبد، كما أن الأمة لن تبقى ضعيفة إلى الأبد بوعد من الله حق ولكن الاستعمال فضل يستحقه من ثبت.