شكل الانقسام السياسي بين الأحزاب الكردية وما صاحبه من تشكيك في نزاهة عملية الاقتراع التي شهدها إقليم كردستان العراق خلال الساعات القليلة الماضية عنواناً بارزاً لتلك الانتخابات النيابية في مدن الإقليم الأربعة وذلك بعد فشلها قبل نحو عام في التصويت على مشروع الانفصال عن بغداد الذي يقوده مسعود برزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني.

رغم فشل برزاني في مساعيه الإنفاصالية وخسارته لأرض كانت تتبع الإقليم وتقلص إستقلاله الاقتصادي، إلا أنه حسب ما أشارت إليه النتائج الأولية للانتخابات  نجح في الظفر بأغلبية مقاعد البرلمان محققاً ٤٢ مقعداً من أصل ١١١، هي مجموع مقاعد المجلس النيابي الكردستاني، متقدماً على  الحزب الثاني والحليف في حكومة كردستان "حزب الإتحاد الوطني" الذي تقوده عائلة رئيس الجمهورية الراحل جلال طالباني الذي حل في المركز الثاني محققاً  ٢٤ مقعداً لتأتي حركة التغيير في المركز الثالث بنحو ١٣ مقعداً وتتوزع بقية المقاعد على الأحزاب الأخرى.

يمكن إعتبار النتائج الأولية منطقية وفقاً لتوزيع الخريطة الحزبية في الإقليم وطبيعة التحالفات التاريخية والجديدة بين الأحزاب الكردية وتحالفات الخارج، غير أن ما شهدته العملية الانتخابية من تصريحات أبرزها التشكيك في نزاهة الاقتراع وتقديم مئات الشكاوي التي وصلت إلى نحو ٤٢٥ شكوى واقتحام بعض اللجان الانتخابية، دفع اللجنة الانتخابية إلى تأجيل إعلان النتائج النهائية للانتخابات تخوفاً من تصاعد حدة الاحتقان في الشارع الكردي في محاولة منها لتفويت الفرصة على الأطراف الإقليمية التي سعت مراراً لشق وحدة الصف الكردي. 

لطالما أكدت العديد من الأطراف السياسية الكردية على قيامها بدوراً مهماً في تغليب مصالح الإقليم بعيداً الولاءات الخارجية، غير أنها لم تحقق النجاح المرجو فما شهدته مدن الإقليم الكردستاني من أعمال عنف في أوقات سابقة وخلال سير عملية التصويت ليس بعيداً عن التدخل الإيراني الذي نجح قبل نحو عام من الآن في إجهاض حلم أكراد كردستان العراق مستغلاً تلك الخلافات الكردية الداخلية وتعارض مصالحها وولاءاتها بين الإدارة الأمريكية وطهران التي مارست كل أشكال التدخل في الإقليم.

في أكتوبر من العام الماضي 2017 تصدت قوات البشمركة الكردية لهجوماً شنته عناصر الحشد الشعبي المدعوم من إيران على مشارف مدينة أربيل وأعلنت حينها عن وقوع 150 بين عناصر الحشد الشعبي، وقد كان جزء كبير من القتلى عناصر تتبع الحرس الثوري الإيراني. فطهران تعتبر إقليم كردستان واحداً من أكثر المناطق الأكثر خطورة عليها والتي تحول دون تمدد نفوذها ومشروعها التوسعي أو على الأقل تعيق مشاريعها في العراق، خاصةً وأن القيادة السياسية في كردستان سبق لها أن رفضت في مرات عديده فتح الطريق البري بين إيران وسوريا، حيث تحاول إيران تمرير سلاحها ومليشياتها إلى سوريا عبر مناطق كردستان العراق التي ترفض بدورها أي مساعي إيرانية من هذا القبيل.

في هذه الأثناء تحاول إيران إستغلال الأنقسام الكردي لتحقيق طموحاتها الرامية إلى تقسيم إقليم كردستان العراق إلى إدارتين ومن ثم التخلص من فكرة أستقلالية الإقليم عن العراق وتحويل مدنه إلى مجرد محافظات تتبع الحكومة المركزية في بغداد.

تلك المساعي الإيرانية لا تأتي حباً في العراق ولا حفاظاً على وحدته كما تدعي القيادة الإيرانية، بل تخوفاً من قيام دولة كردية في العراق تعيد الحلم لأكراد إيران، كما أن الأهمية الجيوستراتيجية لإقليم كردستان ومواردها النفطية تدفع إيران إلى إستقطاب العديد من القيادات الكردية ودعمها والوقوف خلفها وهذا ما ظهر جلياً خلال الانتخابات النيابية وقد ذلك عزز من حالة التوتر.

قوبل ذلك التدخل الأيراني بمحاولات تهدئة أمريكية غربية ظهرت بشكل واضح في تصريحات الموفد الدولي للعراق "يان كوبيتش" الذي تجاهل التوتر الحاصل وأكد على نجاح العملية الأنتخابية  متجاهلاً مئات الخروقات التي سجلتها لجنة الانتخابات العليا خلال عملية التصويت.

يبدو أن التوتر الذي يطفو على المشهد السياسي الكردي ليس مجرد خلاف حزبي وصراع على السلطة كما يرى البعض، فالأمر أبعد من ذلك لأن تأجيل إعلان نتائج الانتخابات وأعلان بعض الأحزاب الكردية عن عدم أعترافها بالنتائج يؤكد على أن الأحزاب الكردية باتت مجرد أدوات تستخدمها الأطراف الإقليمية لتحقيق مصالحها على حساب مصالح الإقليم.