في هذه الأيام يعيش العالم العربي والإسلامي  الذكرى الأربعين لإتفاقية (كامب ديفيد) التي وقعت بتاريخ 17/9/1978م بين الرئيس المصري الراحل أنور السادات وبين رئيس الوزراء الصهيوني بنحائيم بيغن. لا يمكن بعد مرور هذا الوقت مراجعة تفاصيل موادها التسعة وملاحقها المليئة بالتفاصيل الدقيقة حول الانسحاب الصهيوني من شبه جزيرة سيناء.. لكن يمكن في هذا المقام تلخيص الماضي في عدة شهادات لشخصيات عايشت هذه الإتفاقية التي كانت أبرز الحصاد المصري لحرب أكتوبر عام 1973م.

عقب عدة جولات سرية وعلنية استضاف منتجع كامب ديفيد  برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر جولة مفاوضات ختامية استمرت لمدة 13يوماً، ضغط خلالها كارتر على الرئيس السادات للقبول بمبادرة أمريكية تتضمن إطاراً عاماً غير محدد للسلام في الشرق الأوسط مع الإشارة إلى التفاوض حول حكم ذاتي للفلسطينيين ووثيقة ثانية تضمنت إنسحاب الجيش الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء على مراحل على أن يأتي مقابل ذلك استجابة مصرية لمطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي منحايئم بيغن التي نقلها الرئيس الأمريكي للمصريين تضمنت (السلام،التطبيع، وضمان وصول النفط المصري بأسعار تفضيلية إلى إسرائيل).

خلال نقاش جرى بين السادات ووزير خارجيته محمد إبراهيم كامل عقب تقديم العرض الأمريكي، يقول كامل بأنه شرح مخاطر العرض الأمريكي لأنه يتعارض مع ما تم الاتفاق عليه في القاهرة برفض أي حل منفرد مع إسرائيل. استقال كامل من منصبه إحتجاجاً على الإتفاقية وقال في مذكراته:" وقع السادات على مالم يكن يرادو الإسرائيليين في أكثر أحلامهم تفاؤلاً".

 كان السادات يبحث عن السلام المزعوم بينما كانت إسرائيل تبحث عن شرعية وجودها عبر أبرز حاضنة للنضال الفلسطيني في ظل جبهة حرب صعدتها منظمة التحرير الفلسطينية من جنوب لبنان ضدها.. في لقاء متلفز يقول الرئيس الفلسطيني الراحل ياسرعرفات تعقيباً على الإتفاقية" لو أن السادات تمسك بالدولة الفلسطينة في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي لكان الموقف العربي مختلفاً، لقد تخطت الإتفاقية حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وتم التنازل عنه مقابل كلمات عائمة تحتمي بها إسرائيل إلى يومنا هذا". 

في أحد الفيديوهات التوثيقية لحفل توقيع الإتفاقية يظهر الرئيس الوزراء الإسرائيلي منحاييم بيغن قائلاً "المفترض أن تسمى هذه الإتفاقية بإتفاقية جيمي كارتر.. فقد بدل حدهاً أفاق ما بذله أجدادنا في مصر عندما بنوا الأهرامات!. " .. لقد كانت أطماع المصريين تتركز حول وقف المواجهة مع إسرائيل لكن كان بيغن ينظر إلى الإتفاقية كمدخل للهيمنة و النفوذ وتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى".

سلاح "التطبيع"

ما ورد سابقاً كان حديثاً سياسياً حول كامب ديفيد التي لم تكن مجرد إتفاقية سلام بين طرفين متصارعين، بل كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط عنوانها إنهاء حال الحرب بين مصر والكيان الصهيوني لكن تبعاتها أكبر بكثير من حالة السلام بين الطرفين.. فقد تفردت مصر بخطوة كانت خارجة عن الإجماع العربي الرسمي بشأن طبيعة التعاطي مع الاحتلال الصهيوني عقب حرب 1973م والتي استندت مصر فيها لخط إمداد عربي ساهم فيه كل من العراق والجزائر وتونس وسوريا والمغرب والأردن.. كانت كامب ديفيد إعلان هوية جديدة للتعاطف العربي مع الفلسطينيين وإطلاق مبادرة سياسية هدفها طرح خيار أخر أمام العرب في مواجهة إسرائيل وهو خيار "التطبيع"..

محلية "النزاع"..

اعتبرت كامب ديفيد إنطلاقة جديدة في مسار الصراع العربي الإسرائيلي من حيث إنتهاج نهج جديد في التعاطي مع الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فبدلاً من الهوية السياسية المعتادة للصراع، أصبح يطلق عليه النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين وذلك يؤكد حصر المواجهة بين الاحتلال والفلسطينيين في نطاق جغرافي محدد وهو الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك الإقرار بشرعية الاحتلال اليهودي لفلسطين. 

الضمانات الأمنية والاقتصادية

احتلال الجيش الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء لا يتعلق فقط بالحسابات التوراتية اليهودية، بل إن تلك المساحة الجغرافية التي تزيد عن مساحة فلسطين بضعفين ونصف تعد خزان استراتيجي للمعادن ومصادر الطاقة بالنسبة للشعب المصري والتي كانت أهم شروط منحاييم بيغن لتوقيع إتفاقية (كامب ديفيد) أن تضمن مصر وصول الطاقة بأسعار تنافسية إلى "إسرائيل" بعد الإتفاقية وهذا الأمر يمكن التعمق فيه من خلال النظر في إتفاقية تصدرير الغاز بين الجانبين.. كذلك أصرت إسرائيل ضمن الإتفاقية على إستمرار وصول المياه الجوفية إليها مع ضمان حرية الحركة للأغراض الاقتصادية و التجارية في شبه الجزيرة.

الأمن والحدود

وقعت إتفاقية كامب ديفيد في ظرف استثنائي كان فيه الجيش الصهيوني يجتاح جنوب لبنان ويحاصر منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت وبذلك يكون الجيش الصهيوني قد تفرغ لجبهته الجنوبية، بالإضافة إلى ذلك وبموجب الإتفاقية تم إجبار مصر على القبول بوجود قواعد للقوات الدولية تراقب انتشار الجيش المصري في سيناء وتقنين وجوده والإكتفاء بالسماح له ببناء مطارات لأغراض مدنية فقط تتم بإشراف ورقابة الأمم المتحدة. بالإضافة إلى تحجيم التمدد السكاني في شبه الجزيرة التي أصبحت لاحقاً ملعباً للموساد الصهيوني وعصابات تهريب الأسلحة والمخدرات والتي استمرت بإعتبارها أكبر خطر يستنزف الأمن القومي المصري و التي تحولت في ما بعد من جماعات تهريب إلى مليشيات إرهابية مسلحة تستهدف الأمن و الجيش في سيناء. كذلك بالنسبة لدولة الاحتلال فإن سيناء تشرف على خليج العقبة و قناة السويس وهي بذلك تحتل موقعاً إستراتيجياً غاية في الأهمية بالنسبة لحركة السفن الصهيونية والوصول عبر البحر إلى المحيط الهندي، وبموجب الإتفاقية اعتبر خليج العقبة ومضيق تيران مضيقاً دولياً يسمح لحرية الملاحة فيه..

تجاهل المنظومة الدولية:

انهت الإتفاقية حقبة كاملة من التحالف بين القومية العربية والإتحاد السوفيتي وسمحت بالنفوذ الأمريكي بالولوج إلى المنطقة عبر مصر،واستبدلت الوساطة الأممية بين العرب والاحتلال الصهيوني بالرعاية الأمريكية للسلام بين الجانبين، وفي سبيل إنجاح تلك الخطوة أقرت واشنطن عقب إتفاقية كامب ديفيد مساعدات مالية لمصر بقيمة مليار دولار تحت بند دعم مسيرة السلام في الشرق الأوسط.. والآن بعد 40 عاماً من توقيع تلك الإتفاقية لا تزال سيناء ضحية فوضى أمنية صنعها الموساد الصهيوني من خلال رعاية الجماعات الإرهابية ودعمها بالإضافة إلى أن الصراع بدلاً من أن يكون صراعاً صهيونياً مصرياً تحول إلى مواجهة داخلية مصرية بين جماعات مصرية تقاتل الجيش المصري وفي ذلك إستنزاف كبير للجيش المصري وأهالي سيناء بالإضافة إلى كون الجيش الإسرائيلي يعيش فترة نقاهة في هذه المرحلة التاريخية على حساب الأمن القومي المصري.