فجر اعلان 8 نواب عن الكتلة البرلمانية لنداء تونس وهم زهرة إدريس ومنصف السلامي وأحمد السعيدي وعصام المطوسي ولمياء الدريدي وجلال غديرة ومحمد الراشدي ومروة بوعزي وانضمامهم الى كتلة الائتلاف الوطني الجديدة الداعمة لبقاء الحكومة الحالية تساؤلات حول مدى نجاح رئيس الحكومة يوسف الشاهد في ضرب وحدة الحزب الذي ينتمي اليه وضمان حزام سياسي داعم لحكومته على الرغم من اعلان نداء تونس تجميد عضويته في الحزب.

فقد أعلن في 7 أيلول/سبتمبر 2018 عن تأسيس كتلة الائتلاف الوطني والتي تضم نوّاباً مستقيلين عن أحزاب الوطني الحر ومشروع تونس وآخرين مستقلّين.

وفي السياق قدم في 22 أيلول / سبتمبر أكثر من ثمانين قياديا من حزب حراك تونس الذي يقوده الرئيس السابق منصف المرزوقي استقالاتهم الجماعية مما يقلل من حظوظ المرزوقي بالفوز في الانتخابات المقبلة وأرجع المستقيلون سبب استقالتهم لما وصفوه بخيبة الأمل من فشل محاولات إصلاح الحزب بعدما فقد هويته السياسية كحزب معارض ينتمي إلى العائلة الديمقراطية والاجتماعية وطريقة إدارة وتسيير الحزب واستحواذ المدير التنفيذي للحزب حافظ قائد السبسي نجل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي على القرار داخل الحزب بشكل فردي دون اعتبار لمؤسسات الحزب وقيادييه.

كما شهدت كتلة الحرة لمشروع تونس في 8 آب / اغسطس استقالة 5 أعضاء بارزين قد يساهموا في تراجعها مقارنة ببقية الكتل الأخرى في تونس.

وسبق ذلك عدد من الاستقالات الجماعية حيث تجاوز عدد الاستقالات من حزب المستقبل 100 استقالة شملت المكتب التنفيذي وقيادات بارزة في حزب لم يمضي على تأسيسه سوى بضعة أشهر وبذلك يدخل الحزب قائمة الأحزاب التي تشكوا من أزمة تسيير نظرا لعدم احترام الحد الادنى من الديمقراطية والتفرد بالقرار حسب تعبير المستقيلين.  

وفي ظل غياب تكوين أحزاب مهيكلة ومؤسساتية أصبح أغلبها عاجزة عن تسييرها ديمقراطيا وغير قادرة على طرح تصورات ناجعة مما جعلها عرضة للتفكك والانقسام وهذا تحديدا ما يحصل الان لعدد من الاحزاب الكبيرة داخل تونس. 

وتأتي هذه الاستقالات التونسية في ظل الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السيئة والتي قد تفسح المجال لتوسيع الفجوة بين الأحزاب المتنافسة لتؤكد على ما بلي:

-       توقف حركة الإصلاحات التي أعلنت الحكومة عن البدء بها لإنعاش الاقتصاد المدمر واحتواء خطر الجماعات المتطرفة.

-       تعميق الخلافات بين الأحزاب البرلمانية في تونس مما يمهد لنسف الجهود الديمقراطية للإصلاح السياسي والتفرد في الحكم والسلطة.

-       التعبير عن الاستياء من تحويل السلطة من يد البرلمان حسب الدستور التونسي الى الأحزاب مما يشكل تحولا في النظام السياسي في تونس.

-       وجود هشاشة في تكوين الأحزاب وضعف في هيكلتها وسوء في تسييرها الديمقراطي مما جعلها أحزابا ملكا لمؤسسيها.

-       الاقصاء الممنهج للكفاءات الوطنية واغلاق المجال امامهم في محاولة لتحويل وجهة المشروع الوطني التونسي خدمة لمصالح شخصية.

-       ترسيخ مبدأ الحزب الواحد والسلطة الواحدة والغاء مبدأ الشراكة الذي يقوم على التنافس الشريف بين الأحزاب وبالتالي الغاء التعددية الحزبية والتمثيل النسبي.

وفيما يبدو فان هذه الاستقالات تأتي في حقيقتها في إطار الصراع على السلطة وتغليب مصلحة حزب على حزب وفق مصالح شخصية وسياسية وليس لها علاقة بالإصلاح السياسي المنشود أو الاعتراض على بعض الممارسات السياسية التي قد تنسف الجهود الرامية الى حركة الاصلاح في تونس.

هذه الاستقالات جاءت بعد محاولات عدة لإصلاح توجهات عدد من الاحزاب كحزب حراك تونس الإرادة لتكون أحزابا معارضة بنزاهة لخيارات الائتلاف الحكومي الذي يقوده نداء تونس وحركة النهضة لكن عدد من هذه الاحزاب ولغايات انتخابية أصبحت وكأنها تابعة وأن عملية الإصلاح لم يكن مرغوبا بها وأن عدد من هذه الأحزاب أصبح منحازا لأحد أطراف الائتلاف الحاكم طمعا في الحصول على حصة أو مقاعد عند تشكيل الحكومة الجديدة.

 لقد أفرزت التحولات السياسية التي عاشتها تونس عقب الثورة طفرة حزبية عبرت عن الرغبة الجامحة لدى التونسيين في ممارسة النشاط السياسي التعددي وذلك بعد عقود من القمع والاستبداد الامر الذي ادى الى حدوث ظاهرة ما يسمى بالانفلات الحزبي لدى تونس بعد أن وصل عدد الاحزاب الى 197 حزبا وهي طفرة نادرا ما تحصل في البلدان العربية ولعل ذلك هو ما أدى الى هذه الاستقالات الجماعية ربما لان عدد لا باس به من هذه الاحزاب هي احزاب وهمية تستغلها الاحزاب الكبيرة لصالح ترجيح كفتها في أي انتخابات قادمة او تمرير مشاريع وقرارت داخل البرلمان التونسي.

ان المتأمل لواقع الاحزاب في تونس والتي من المفروض أن تؤسس لمرحلة جديدة من الديمقراطية والاصلاح السياسي يدرك عكس ذلك تماما ويؤمن حقيقة بأنها ما جاءت الا لترسيخ مبدأ الاصطفاف الحزبي والتبعية للأحزاب المتنفذة في تونس وتعزيز عنوان التوريث والعودة بتونس الي عهدها السابق.