الدراما السياسية التي تعيشها المنطقة ناتجة عن  صراع على الهوية والأرض بين مذاهب دينية مختلفة منها الوافدة ومنها المتجذرة، وفي الوقت الذي يحاول الجميع استثمار أدوات الصراع للحصول على مكاسب أكبر على حساب المنطقة العربية، تشهد شعوبها التي تنتمي لهوية دينية واحدة الخوض في أزمات داخلية وخارجية متلاحقها محركها الوحيد الصراع على الهوية وغياب الوعي والتعرض المستمر للتضليل بشكل كبير جداً مقابل عدو خطير متجسد في المشروع الإيراني الذي يبتدع العديد من الوسائل لإستنزاف وعي تلك الشعوب وتضليل العالم بأسره.  فالدولة الإيرانية التي تحرص على أن يكون جنودها لهم هوية دينية تعتبر أن إعادة صياغة الرأي العام المحلي والعالمي وفق هذه الهوية أحد أهم أدوات القوة الناعمة. لذلك يتم توظيف ميزانيات ضخمة لوسائل الإعلام الموجهة من قبل الدولة الإيرانية بإعتبارها مؤثرة في إعادة صياغة الرأي العام العالمي و إجبار الدول على تغير قناعاتها السياسية اتجاه إيران، فهي تمول شبكات إعلامية ضخمة بلغات مختلفة أبرزها غرفة عمليات أنشأتها طهران في بيروت لإدارة المحتوى الذي تبثه العديد من وسائل الإعلام الشيعية الناطقة باللغة العربية في المنطقة، وتضم غرفة العمليات هذه مجموعة من "المحللين" الذين يتنقلون على الشاشات اللبنانية والعربية لإبراز موقف سياسي متناغم مع ما تريده إيران، و قد بلغ عدد القنوات التي تدعمها إيران بهدف زيادة الأستقطاب الطائفي  أكثر من 53 محطة. ومن هذه القنوات الكوثر، والصراط، والمعارف، والأنوار، والإيمان، والزهراء، واللؤلؤة ، والنبأ، والمسيرة.

تقول الكاتبة سلوى فاضل إن حالة الوحدة والتماسك التي تميزت فيها العراق خلال العقود الماضية بدأت إيران بتمزيقها لتصنع إستقطاباً طائفياً ينسف نظرية المصير المشترك للشعب العراقي من خلال الفضائيات التي تبث مباشرة من كربلاء والنجف، وتنشر في بثها الكثير من الإختلاف فيما بينها من تيارات شيعية موزعة ما بين العراق وإيران، العراق المحافظ والعراق المتشدد، وإيران المحافظة وإيران المتشددة، والخط الحوزوي والخط العقلاني، في كلا البلدين، إضافة الصراع الحوزوي داخل كل بلد وداخل كل حزب او داخل تيار..

في عام 2009 أنشأ المرجع الإيراني علي خامنئي مكتباً تمثيلياً له في النجف تولى إدارته مهدي آصفي، وهو عراقي من أصول إيرانية قدم إلى العراق في عام 1965 للدراسة في الحوزة الشيعية وأصبح أحد المتنفذين في حزب الدعوة حتى وفاته عام 2015. وقف آصفي خلف مشروع إعلامي ضخم هدفه تضخيم الإستقطاب الطائفي في العراق من خلال توفير دعم مالي يقدر بــ (750 ألف دولار) لكل من يؤسس قناة تلفزيونية أرضية و (مليونا دولار) لكل من يطلق فضائية تلفزيونية، وأشترط آصفي أن يحصل على هذا الدعم من ينتمون إلى "آل البيت" ونشطاء السياسة والفكر والدعوة في الفضاء الشيعي.

في الفترة الأخيرة أقدمت إدارة موقع الفيس بوك مؤخراً بإزالة المئات من صفحات الفيس بوك وملفات الإنستغرام المرتبطة بالشبكات الإيرانية، وهذا الأمر أظهر مدى الاهتمام المتواصل لإيران في الاستثمار في أساليب التضليل التي أثبتت فاعليتها في تشكيل مجموعة متنوعة من عناصر الرأي العام.

وبحسب تقرير نشرته معهد واشنطن فإن إيران تسيطر على مثل هذه العمليات من خلال إنشاء قسم خاص في وزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيراني، والذي يعرف باسم "التضليل"، حيث يستخدم هذا القسم في عمليات الحرب النفسية والتضليل الإعلامي والدعائي ضد أعداء إيران، كما أن هذا القسم أيضاً، يقوم بتوظيف الحرب النفسية من أجل التلاعب في وسائل الإعلام والأجهزة الاستخباراتية الأجنبية، التي تسعى للحصول على معلومات حول الأجهزة المخابراتية الإيرانية أو القدرات العسكرية الإيرانية.

عملية إدارة الرأي العام داخل المجتمع الشيعي سمح لإيران بأن تستخدم وسائل تأثيرها الإعلامية في تشكيل وتحشيد مليشيات مسلحة متنوعة الأعراق والجنسيات تدافع عن مشروعها السياسي والتوسعي في سوريا والعراق واليمن بغطاء قوي من المذهبية الدينية.