كالعادة يتثاقل الوفد التابع لجماعة الحوثي من الوصول إلى الأماكن المقررة لإجراء مشاورات مع الحكومة الشرعية برعاية وترتيب مكتب الأمم المتحدة ومبعوثها الجديد المثير للجدل البريطاني مارتن جريفيت.

أعلن المبعوث الأممي الجديد تحديد مكان وزمان المشاورات، وانطلقت طائرة الوفد الحكومي التابع للشرعية، فيما تأخر وفد الحوثي متحججاً بالكثير من الأسباب غير المنطقية، والحقيقة أن مكمن سر التأخير هو  رغبتهم في الحصول على طائرة خاصة غير خاضعة للتفتيش لإخراج جرحى وشخصيات هامة، تذهب أغلب التحليلات إلى أن من بينهم خبراء ومدربون تابعون لإيران وحزب الله.

منذ ثلاثة أيام ووفد الحكومة الشرعية في جنيف السويسرية في انتظار أن تنجح جهود المبعوث الأممي إلى إقناع وفد المليشيات بالتحرك عاجلاً والبدء في مفاوضات مباشرة، تهدف إلى معالجات حقيقية وبناء الثقة بين الجانبين للوصول إلى رؤية مشتركة لإيقاف الحرب وعودة الدولة وتسليم السلاح وإطلاق سراح الأسرى، وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة.

ماذا يريد الحوثي؟

من يعرف جماعة الحوثي من الداخل، ويدرس طبيعة تحركاتها السياسية والعسكرية، يدرك جيداً أن هذه الجماعة لا تعيش بالسلم، ولا تؤمن بالحوار، وبالتالي أي محاولات لفرض حوارات جانبية مع هذه المليشيا الانقلابية ليست سوى مضيعة للوقت، فمن يروج للجماهير بأنه أحق بالحكم وأن من واجب الناس الإيمان بولايته في الأرض لن تستطيع إقناعه بالمشاركة السياسية وتوزيع الثروة والسماح بالحريات والقبول بالانتخابات وما يسمى بالتعددية السياسية.

في كل الحوارات والمفاوضات السابقة سواء في جنيف أو الكويت، كان العالم يشاهد حقيقة تهرب وفد المليشيات من الوصول إلى أي اتفاقات تضمن عودة الدولة، كل ما كان يُمارس مجرد صناعة وهم وصناعة عناوين إعلامية، ومحاولة كسب المزيد من الوقت في حين يستمر المشروع العسكري الانقلابي على الأرض بشكل لا يتوافق مع ما يجري في طاولات الحوار السياسي.

التأخير والمماطلة في الوصول إلى أماكن المفاوضات، وخلق مشاكل في طاولات الحوار، وفرض طلبات تعجيزية على المنظمين لتلك المفاوضات علامات بارزة لجماعة الحوثي لكي تثبت مجدداً أنها لا تؤمن بالحوار ولن تقبل بأي نتائج ناجمة عن تلك المفاوضات ولذلك فشلت كل تلك المفاوضات فلماذا يتم تكرار نفس التجارب الفاشلة؟

ماذا يريد المبعوث الأممي؟

إجابة على السؤال أعلاه، وبعد تغيير المبعوث الأممي السابق إسماعيل ولد الشيخ، وتعيين البريطاني مارتن جريفيت مبعوثاً جديداً، فقد ظهر جلياً أن المبعوث الجديد يحاول جاهداً أن يصنع فارقاً في التحركات التي تصنعها الأمم المتحدة التي لم تصنع سلاماً، ولم توقف حرباً، وكل مبادراتها كانت مجرد مفخخات لبقاء المليشيات والقبول بهم كشركاء أساسيين في العملية السياسية دون ضمانات حقيقية لتسليم السلاح والتحول إلى مشاريع سياسية مدنية.

أضف إلى ذلك أن هناك اتهامات صريحة بأن المبعوث الأممي الجديد يحاول أن يمارس الوصاية على الحكومة الشرعية ويفرض بعض الشروط والمطالبات غير المنطقية، في حين يقف بشكل مكشوف مع جماعة الحوثي ووصف قائد التمرد عبدالملك الحوثي بأنه رجل سلام، ويمارس التدليل الناعم للجماعة ووفودها المشاركة في المفاوضات والتي لم تصل حتى كتابة هذا المقال إلى جنيف، ولو كان وفد الحكومة الشرعية فعل ذلك لكان لسان حال المبعوث البريطاني مختلفاً.

يتحدث الكثير من السياسيين والإعلاميين الذين كان لهم فرصة الجلوس مع المبعوث جريفيت أنه يتبنى وجهة النظر الحوثية بشكل واضح وصريح، قبل تعيينه في اليمن كتب سياسي يمني رفيع "لو أمسك جريفيت الملف اليمني فإنها مصيبة، إنه حوثي حوثي حوثي!".

ويقول القيادي في حزب الرشاد محمد عيضه شبيبه "عندما كنت في تونس علمت من أكثر من مكون سياسي أن مارتن جريفيت يقول لهم على انفراد: لا بد من طوي صفحة الرئيس هادي عاجلاً، ويبدو أنه يسعى لإقناع الجميع بهذا المطلب، ومن ثم يكون الحوار مع الحوثي".

دليل ثالث، تصريحات وزير الخارجية اليمني خالد اليماني من جنيف قائلاً "إن تصريحات مارتن جريفيت، كانت ترضية للانقلابيين الحوثيين، وبررت تصرفاتهم، لكنها كانت مع الشرعية بشكل مختلف وفق تعبيره.

وقال اليماني إن "ما كنا نسمعه من جريفيث هو عبارات الأسف لعدم التحاق الحوثيين بالمفاوضات" مشيراً إلى أن "غريفيث انتقد الحوثيين أمامنا، وبرر موقفهم في المؤتمر الصحافي". وقال اليماني: "إننا لا نثق بما تقوله الميليشيات للأمم المتحدة خلف الأبواب المغلقة". ربما هذه أدلة بسيطة على تماهي المبعوث الأممي مع جماعة الحوثي ومن وراءه الأمم المتحدة بكافة منظماتها المتفرعة وما تقرير حقوق الإنسان الأخير إلا خير شاهد على ذلك، حيث ساوى بين الضحية والجلاد، ووضع الحكومة والانقلابيين في سلة واحدة.

مفاوضات سابقة

في 16 يونيو 2015 دعت الأمم المتحدة والتي كان مبعوثها إلى اليمن حينذاك إسماعيل ولد الشيخ أحمد، إلى مفاوضات مباشرة بين الحكومة الشرعية وقادة الانقلاب الحوثي، ووقف إطلاق النار لأسباب إنسانية، لكن الحوثيون رفضوا الحوار المباشر مع وفد الحكومة وطالبوا بالتحاور مع الحكومة السعودية، وأعلن وزير الخارجية اليمني في 19 يونيو انتهاء المفاوضات دون التوصل لأي اتفاق.

في أواسط ديسمبر 2015 انطلقت مباحثات جديدة أطلق عليها "جنيف2" بين وفد الحكومة الشرعية ووفد الانقلابيين الذي كرر المماطلة في التأخير كما هي عادته، وتم الإعلان عن هدنة عسكرية ووقف لإطلاق النار، ولكن للأسف لم تنفذ من قبل طرف الانقلابيين، وانتهت تلك المشاورات كالعادة بالفشل والمماطلة والتهرب الحوثي من الموافقة على أي حلول.

في 21 إبريل 2016 انطلقت مفاوضات جديدة في دولة الكويت، برعاية وتنظيم الأمم المتحدة، وتأخر وفد الحوثيين عن الحضور ثلاثة أيام بحجة عدم الالتزام بالهدنة على الرغم أن تقرير لجنة الرقابة على وقف إطلاق النار أدانت قوات الانقلابيين لعدم الالتزام بوقف إطلاق النار، وفي 30 يوليو 2016 أعلن وفد الحكومة الشرعية فشل المشاورات نهائياً، وغادر وفدها الكويت، مؤكداً أن ما جرى يعكس حالة الصلف والغطرسة وعدم احترام للأمم المتحدة والمجتمع الدولي والدول الراعية لمشاورات السلام الجارية في الكويت.

جنيف 3

الشواهد التي أمامنا تكشف أن وفد الحوثي لم يصل جنيف متحججاً بتفتيش طائرته، ومطالباً بنقل جرحى، في حين وصل وفد الحكومة الشرعية مبكراً.

حسب الجدول الزمني للمفاوضات كان من المفترض أن تبدأ فعالية افتتاح المفاوضات الجمعة الموافق 7 سبتمبر 2018، لكن تأخر وفد الحوثي حال دون ذلك، ولا يزال المبعوث الأممي يحاول جاهداً إقناع الوفد الحوثي للالتحاق بالمفاوضات، في حين يطالب وفد الحكومة الشرعية أن يكون أكثر حزماً مع المليشيات، ويؤكد مدير مكتب الرئاسة الدكتور عبدالله العليمي أن لا خيار أمام الحكومة بعد فشل مشاورات جنيف سوى العمل على استعادة الدولة بكل السبل والوسائل المتاحة أمامها.

وبشكل عام ومن واقع التجارب السابقة، فإن أي مفاوضات مع مليشيات انقلابية لن تفضي إلى أي سلام طالما وتلك المليشيات لا تزال تسيطر على الأرض وتملك السلاح، تحتاج تلك المليشيات إلى مفاوضات من نوع آخر.. مفاوضات بالسلاح والرجال وتحرير الأرض، وعندما تتحرر الأرض يصبح أمام الحكومة مسؤولية أن تتعامل مع جميع القوى في البلد بكافة تنوعاتها وتوجهاتها المختلفة.