اتسمت العلاقات التونسية الإيرانية بمنحنيات جعلتها تتراوح بين القطيعة والتواصل وبين الجمود والتطور، فقد شهدت هذه العلاقات توترا واضحا في ثمانينيات القرن الماضي لتصل ذروتها بقطع العلاقات الدبلوماسية على خلفية اتهام النظام البورقيبي لإيران بدعم بعض القوى الدينية في البلاد غير انه بعد وصول بن علي للسلطة اثر انقلاب 7/11/ 1987 سيتغير مؤشر العلاقات بداية من عودة الدفء في المجال الدبلوماسي سنة 1990 ولتتطور بعدها إلى نوع من المصالح المتبادلة حين تم إنشاء لجنة مشتركة دائمة تنعقد بصورة دورية مرتين في السنة بإشراف نائب الرئيس الإيراني ورئيس الحكومة التونسي. وقد تم زمن حكم بن علي توقيع أكثر من 20 بروتوكول للتعاون المشترك بين الطرفين. وقد انعكس هذا التعاون على المواقف السياسية والثقافية بين الطرفين بداية من حرص السلطات الإيرانية على قطع علاقاتها مع التيارات الإسلامية التونسية المعارضة لحكم بن علي (تحديدا حركة النهضة) بل والثناء على "المقاربة الإسلامية للرئيس زين العابدين بن علي " مثلما أكد  سعيد النعماني المستشار السابق لقائد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي- بمحاضرة في تونس سنة 2002 بمناسبة شهر رمضان، وفي المقابل غض نظام بن علي البصر عن نشاط الجماعات الشيعة الموالية لإيران في تونس التي لم تخفي تثمينها لسياسات بن علي خلافا لنقدها لمرحلة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة (انظر بيان القيادي الشيعي التونسي عماد الدين الحمروني الوارد بموقع تونس نيوز بتاريخ 8 جويلية 2007 ، حيث ورد فيه قوله "إن حركة السابع من نوفمبر هي حركة أرادت الاستجابة لنداء الشعب لإسقاط بورقيبة وأعوانه وإعادة الاعتبار لكرامة الشعب وهيبة الدولة وما الفرح والاحتفالات التي أقامها شعبنا عند الإعلان عن نهاية الحقبة البورقيبية إلا دليل أن شعبنا شارك مشاركة فعالة في إسقاط بورقيبة وحاشيته"). وبالنظر إلى توطد العلاقات بين الطرفين لم يكن غريبا أن  يحاول نظام بن علي الاستفادة من القنوات الإعلامية الشيعية لتبييض صورته الاستبدادية لدى الرأي العام وهو ما يمكن ملاحظته من الدعم المالي الموجه لقناة "المنار" الناطقة باسم حزب الله أو قناة "أن بي أن" الموالية لأمل وهو الأمر الذي ورد في الوثائق الصادرة عن وكالة الاتصال الخارجي (الذراع الدعائي للنظام في حينه) وتم كشفها في "الكتاب الأسود" الذي صدر خلال فترة حكم الرئيس السابق المنصف المرزوقي. (انظر "الكتاب الأسود" ص 66 حيث يرد فيه أنه تم تخصيص مبلغ 100 ألف دولار سنويا لقناة المنار و75 ألف دولار سنويا لقناة "أن بي أن").

وبعد الثورة ورغم الموقف المعلن للنظام الإيراني حول تأييد التحول السياسي الذي شهدته تونس غير أن العلاقة بين الطرفين لم تكن بتلك القوة المفترضة خاصة في ظل الموقف الرسمي التونسي زمن حكم الترويكا المؤيد للثورة السورية الأمر الذي أثار حفيظة إيران.

وتميزت السياسة الإيرانية نحو الثورة التونسية بنوع من التناقض حيث كثفت إيران من محاولاتها للتواصل مع قوى سياسية ونخب ثقافية في البلاد دون أن تطور مواقفها نحو دعم فعلي للدولة التونسية من الناحية الاقتصادية خاصة. ومن الملاحظ أن إيران تبنت سياسة تقوم على دعم أطراف محددة وتمويل جماعات أو أفراد ممن تعتبرهم قريبين لمواقفها السياسية خاصة من الثورة السورية أو الجمعيات الموالية لها عقديا. و في المقابل كانت مواقف الحكومات التونسية المتعاقبة حذرة من السياسات الإيرانية ولتصل إلى نوع من الانفصال غير المعلن في المرحلة الأخيرة حيث شكلت المواقف الرسمية التونسية المؤيدة للتوجهات السعودية نقطة خلاف مركزية بين الطرفين حيث نددت الخارجية التونسية باقتحام السفارة السعودية في طهران (يناير 2016) وهو موقف تطابقت فيه الحكومة مع مواقف بعض القوى السياسية الكبرى في تونس (بيانات حركة النهضة التي تقترب من الموقف السعودي في خصوص الأزمة اليمنية أو تأييدها للثورة السورية).

وقد مثل غياب إيران عن مؤتمر الاستثمار الدولي الذي نظمته تونس في شهر نوفمبر 2016 علامة على حالة الاحتراز الإيراني من الموقف الرسمي التونسي الذي يعتبر اقرب للسياسة السعودية. وقد كان سماح السلطات التونسية لحركة النضال العربي لتحرير الأحواز المناوئة للسلطات الإيرانية بتنظيم ندوة في تونس (بتاريخ 03/12/ 2016) حول الانتهاكات الجارية في مناطق الشعوب غير الفارسية وما سماه المؤتمر بجرائم الإبادة الجماعية للنظام الإيراني تعبيرا عن مدى البرود الذي يطبع العلاقات الرسمية بين الحكومة التونسية والسلطات الإيرانية. والجدير بالذكر أن هذا المؤتمر الذي شهد دعوات صريحة لحمل السلاح لإطاحة الحكم الإيراني لمنطقة الأحواز قد عرف مشاركة شخصيات حقوقية بالإضافة إلى قيادات حزبية تونسية. و ربما كان السماح بتنظيم هذا المؤتمر حينها رسالة واضحة حول الاصطفاف الرسمي التونسي مع الموقف السعودي في صراعه مع النفوذ الإيراني في المنطقة. غير أن الارتباك الذي أحدثته تصريحات نسبتها وسائل إعلام إيرانية الى الرئيس التونسي أثناء لقائه بوزير الثقافة الإيراني رضا صالحي أميري (ابريل 2017) وأكد فيها أن إيران هي أمل العالم الإسلامي في مواجهة إسرائيل مما اضطر الناطق باسم رئاسة الجمهورية التونسية الى النفي والتأكيد أن " تناول علاقات التعاون بين البلدين وأهمية أن تستفيد إيران من فك العزلة الدولية التي كانت مفروضة عليها لعقود و أن تعمل على التفاعل إيجابيا والانفتاح على محيطها الإقليمي وتحسين علاقاتها بدول الجوار". وهذا الارتباك في المواقف مردّه حالة التجاذب التي يعيشها المشهد السياسي التونسي بين المواقف الرسمية التي تسعى الى الحفاظ على علاقات دبلوماسية قوية مع الدول القريبة تقليديا من تونس وخاصة المملكة السعودية من جهة ومحاولة إيجاد علاقة متوازنة مع الطرف الإيراني الذي يحاول التمدد في المشهد التونسي عبر وسائل مختلفة سياسية وثقافية ومحاولة نشر التشيّع المشبوه في البلاد.