بدأت الولايات المتحدة بتنفيذ تهديداتها بإعادة فرض العقوبات التي توقف العمل بها بموجب الاتفاق النووي الذي وقعته مع إيران في عام 2015، لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحب منه لعدم إلتزام إيران به.  في هذه المرة تدخل العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ في ظل خلاف أمريكي دولي حول هذه الخطوة بالإضافة إلى إنهيار كبير يشهده الاقتصاد الإيراني وتضخم حجم الاحتجاجات المطالبة بإسقاط النظام الإيراني.

فعدد من الدول الأوروبية التي رفضت الانسحاب من الاتفاق ومن بينها بريطانيا وألمانيا وفرنسا لجأت إلى تشريعات أوربية لتحصين شركاتها العاملة في إيران من العقوبات الأمريكية لكن بعض خبراء القانوني الدولي يعتبرون تلك الخطوة لا تعدو عن كونها رمزية ولن تجازف تلك الشركات بتحدي السياسيات الأمريكية لاسيما وإن كان لها مصالح تجارية على الأراضي الأمريكية.

ويقول الرئيس الإيراني حسن روحاني إن واشنطن تقوم بــ "شن حرب نفسية على الأمة الإيرانية وإثارة انقسامات في صفوف الشعب"، وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع احتجاجات كبيرة داخل إيران فرضها الفساد والتضخم وتفشي البطالة.

ومن أبرز العقوبات التي بدأت واشنطن فرضها على السلطات في إيران، منع حصول إيران على العملة الأمريكية بالإضافة إلى فرض قيود على شراء الذهب والمعادن الثمينة الأخرى ومنع الإستثمار في السندات الإيرانية وتقييد مبيعات شركات صناعة السيارات الإيرانية، وفرض قيود على تجارة السجاد و المواد الغذائية الإيرانية بالإضافة إلى سحب تراخيص التصدير من شركات الطيران المدني بما فيها "بوينغ" و"إيرباص".

كما ستطال العقوبات الموانئ الإيرانية وسفنها ومصانع السفن وتقييد التعامل مع البنك المركزي الإيراني وفرض قيود على خدمات الاكتتاب والتأمين وإعادة التأمين. وأهم العقوبات التي أقرتها واشنطن فرض قيود على التعاملات المتعلقة بالأنشطة النفطية، وذلك يعني أنّ قطاع النفط سيشهد انخفاضًا بنسبة 20 في المائة أو ما يصل إلى نصف مليون برميل يوميًا.

وتقول واشنطن إنها لا تمانع إعادة إقرار إتفاق جديد بشأن الملف النووي الإيراني لكن إيران تعتقد أنه لا يوجد ضمانات لإلتزام الإدارة الأمريكية بإي إتفاق جديد بعد مخالفتها للإتفاق السابق، وكان الرئيس الأمريكي قد أبدا إنفتاحه  على "اتفاق أكثر شمولا يتعاطى مع مجمل أنشطة (النظام الإيراني) الضارة، بما فيها برنامجه البالستي ودعمه للإرهاب".

وكان الاتفاق النووي الذي أبرم بعد مفاوضات شاقة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين وألمانيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، يهدف لضمان الطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني من خلال فرض رقابة صارمة عليه، مقابل رفع تدريجي للعقوبات التي كبلت الاقتصاد الإيراني وعزلت البلاد.

لكن الخطوة الأمريكية تواجه عدة عقبات أبرزها الرفض الأوروبي للعقوبات، فقد أبدى الاتحاد الأوروبي "أسفه" لمعاودة فرض العقوبات، مؤكدا "تصميمه على حماية الجهات الاقتصادية الأوروبية الناشطة في أعمال مشروعة مع إيران". كذلك فإن بعض شركاء إيران الإقتصاديين في آسيا يرفضون الإنضمام إلى العقوبات الأمريكية مثل الصين وتركيا والهند وهي دول تستورد جزء كبير من النفط الإيراني، وهذا ما قد يحدّ من حجم الخسائر في مجال الطاقة في إيران.

من جانبها قالت صحيفة ديلي تلغراف إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحاول "إنهاء النظام العالمي" الذي تم إنشاءه عقب الحرب العالمية الثانية، وتضيف إن أوروبا وجدت نفسها في خلافات مع أمريكا بعد سريان مفعول دفعة العقوبات الجديدة التي فرضتها واشنطن على إيران.

وتوضح أن الرئيس ترامب، وهو في فورة نجاحه في التعامل مع كوريا الشمالية، يعتقد أن الموقف المتشدد سيقود إلى محادثات جديدة مع إيران ستُحسن الاتفاق الذي عقده سلفه باراك أوباما معها. وهو يسند مطالبه تلك بالتلويح بالخيار العسكري، كما فعل مع بيونغيانغ.

وتعرج الصحيفة على نتائج القرار الأمريكي في الإضرار بالاقتصاد الإيراني الذي تلقى ضربة قوية، فضلا عن تصاعد القلاقل السياسية التي قد تهدد حكم آيات الله. وتخلص إلى القول إن سياسة ترامب "أمريكا أولا" تحطم النظام العالمي المتواصل منذ عام 1945 شيئا فشيئا، وستطال عواقبها بعيدة المدى بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي وبقية العالم.