قبل أربع سنوات انتخب ناريندرا مودي عن  حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي رئيساً للوزراء في الهند، وفي تلك الفترة دخلت الهند مرحلة قاسية من الركود الاقتصادي وقلة فرص العمل وانتشار الفساد، ومع فشل مودي في حل تلك الأزمات لجأت حكومته التي تعد أكثر حكومات الهند تطرفاً إلى تأجيج العداء للمسلمين وتصعيد أزمة كشمير مع باكستان من خلال تنفيذ هجمات على المواقع الباكستانية العسكرية بالإضافة إلى قتل دعاة وزعماء محليين في كشمير.  في باكستان الجارة الأكثر عداءً للهند،  أُعلن فوز حزب حركة إنصاف بزعامة لاعب الكريكت السابق عمران خان  في الانتخابات البرلمانية بحصوله على 117 مقعداً من أصل 272 مقعداً، يليه "الرابطة الإسلامية"، حزب رئيس الوزراء السابق المعتقل بتهم فساد نواز شريف 64 مقعدا، و"حزب الشعب" بقيادة بيلاوال بوتو زرداري 43 مقعدا. فوز خان لم يأتي تجاوباً مع نشوة ديمقراطية غمرت باكستان التي تعاني من الأزمات الاقتصادية والحروب والغرق في الديون، ولا بفضل ثورة مدنية غاضبة تستهدف تخفيف سيطرة الجيش على مقاليد السلطة في البلاد، فالذي يرجع لتاريخ عمران خان الذي تخرج من جامعة أكسفورد بلندن ولعب دور فتى الحانات خلال فترات نجوميته في لعبة الكريكيت وإقامته في لندن والتي انتهت بإعتزاله عام 1992 بعد أن قاد باكستان إلى فوز مذهل بكأس العالم على استراليا، يعلم جازماً أن صعوده للسلطة جاء لغاية هندسة مرحلة جديدة للهوية السياسية الباكستانية عقب وضع رئيس الوزراء السابق نواز شريف في السجن بتهم فساد. فإسقاط شريف تعني إنهاء شراكة استمرت لعقود بين الجيش وحزب الرابطة الإسلامية في حكم باكستان.  

 هناك مشهدان مختلفان حالياً في باكستان الأول متعلق بسيطرة الجيش على جزء كبير من اقتصاد البلاد بما في ذلك أكثر من 12 مليون فدان من الأراضي العامة بالإضافة إلى المشاركة في الأعمال المصرفية والصناعات وقطاع التأمين، بالإضافة إلى كون منصب رئيس الوزراء في باكستان هو الأقوى بعد رئيس الأركان قمر جاويد باجوا الذي يمارس سلطة تتخطى دستور البلاد من خلال السيطرة على الإعلام والقضاء. كذلك الأزمات الداخلية التي تغرق فيها البلاد ويسعى الجيش إلى تحميل الحكومة مسؤولية حلها مثل الفقر وعجز الطاقة وشح المياه والتنمية والصحة والتعليم. المشهد الآخر يتعلق بالصراع مع الهند على كشمير وأزمة الشراكة القائمة على الديون مع الصين بالإضافة إلى معضلة أفغانستان وسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي اتهم باكستان بالتهرب من مكافحة " الإرهاب" في أفغانستان وقال "إن باكستان لا تمنحنا سوا الأكاذيب". لنفس الأسباب قامت واشنطن بوقف المساعدات العسكرية إلى باكستان بالإضافة إلى منح الهند دوراً للعمل في أفغانستان. ومقابل العلاقات الباكستانية الصينية، تعمل الولايات المتحدة على تطوير علاقاتها مع الهند، وخلال السنوات العشرة الماضية، باعت واشنطن أسلحة إلى نيودلهي، بـ15 مليار دولار، وتخطط لإطلاق مشاريع عسكرية في الهند، خلال السنوات السبعة المقبلة، بـ30 مليار دولار.

خلال خطاب النصر الذي ألقاه الأسبوع الماضي حاول عمران خان مداعبة عاطفة الجماهير المسلمة في باكستان بالحديث عن دولة على نهج الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، تنشل البلاد من ضعفها وتقضي على الفساد وتنشر العدل، لكن ذلك الخطاب الذي وجهه خان لقبائل البشتون التي ينتمي إليها وتعتبر أكبر حواضن حركة طالبان في باكستان يعده الكثيرين مجرد خطاب إعلامي يجاري نشوة الناخبين بالفوز الذي حققه الحزب،ويخالف حقيقة السلوك الذي يمارسه خان كونه ليبرالي منبهر بالمدنية الغربية التي تخالف الهوية الدينية للشعب الباكساني.

يسعى خان إلى إجراء اتصالات مع مستقلين لإكمال أغلبية بسيطة تمكنه من تشكيل حكومته في غضون الأسبوعين المقبلين حتى يتمكن من أداء القسم قبل حلول العيد الوطني الباكستاني في 14 أغسطس. على صعيد الملف الخارجي تحدث خان في خطابه السياسي عن معاناة سكان كشمير تحت الاحتلال الهندي، داعياً "هندوس ستان" كما يصفها باللغة الأوردية إلى الجلوس على طاولة المفاوضات لإنهاء هذه المعاناة. لكن خطاب خان الذي ألقاه بعد إعلان نتائج الانتخابات صمم وفقاً لأساس أيديولوجي يترجم حقيقة العداء بين هندوس ستان ودولة باكستان الإسلامية، وفقاً لمقالة نشرها موقع"first post" الهندي.

 جميع من تولوا مقعد عمران خان رحبوا بالسلام مع الهند ففي عام 2012،قال الرئيس السابق آصف علي زرداري إنه يسعى لعلاقات بناءه مع الهند، وكذلك فعل نواز شريف على منصة الأمم المتحدة بعد توليه منصب رئيس الوزراء عام 2013، لكن الأمر يتعلق بصراع ديني بالنسبة للشعب الباكستاني بالإضافة إلى سيطرة الجيش على هذا الملف الذي يرى في الهند منافس ومحتل وليس شريك. 

أما بخصوص الولايات المتحدة الأمريكية فقد أظهر خان موقفاً لا يبتعد كثيراً عن موقف الجيش والجمهور الباكستاني، وقال إن أفغانستان تعاني بسبب الحرب الأمريكية هناك، إذا كان هناك سلام في أفغانستان، فسيكون هناك سلام في باكستان".  ففي مقابلة له عام 2012 مع صحيفة نيويوركر الامريكية قال خان" لم أفكر أبداً أن طالبان يمكن أن تمثل تهديداً لباكستان".

 إن تولي عمران خان رئاسة وزراء باكستان في الفترة الحالية يؤكد أن الجيش لا يريد أن يتحمل مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشة في البلاد، عدا عن كونه يعيش مأزق أزمات خارجية كبيرة مثل أزمة العلاقات مع واشنطن والعنف المتصاعد مع الهند.