يوجد صراع حقيقي في ليبيا لا يزال يعد في تفاصيله إمتداد للثورة الليبية المناهضة للدكتاتورية التي وضع أسسها العقيد معمر القذافي، إلا أن وجه الأزمة تغير لتغرق ليبيا في فرقة داخلية مع زيادة توغل خارجي سافر عينه الأولى على النفط وعينه الأخرى على السواحل الليبية التي تعد أكبر خطر يهدد أمنه بسبب تدفق اللاجئين.

الشائعات التي ترددت حول وفاة القائد العسكري خليفة حفتر الذي يقود شرق ليبيا أو خضوعه للعلاج بسبب حالته الصحية الحرجة، قلبت على الساحة الليبية الكثير من التساءلات حول مستقبل البلاد بعد رحيله، إذ يمثل الطرف الآخر في الصراع على السلطة، عدا عن كونه يمثل المصالح الغربية في هذا الصراع.

بعد إصابة حفتر أعلن ممثل الأمم المتحدة غسان سلامة أنه تواصل معه عبر الهاتف، في محاولة لتأكيد بقاءه على قيد الحياة، لكن حتى لو كان على قيد الحياة دون قدرة على ممارسة نشاطه السياسي المعتاد، فإنه سيجبر من يدير الملف الليبي على وضع بدائل.

يقول الباحث في معهد واشنطن بين فيشمان، إن سمعة حفتر تضررت ما بعد الحرب، ولا يمكنه الإستمرار في القيام بدوره الذي عهدته إليه الولايات المتحدة منذ عهد رونالد ريغان حينما كانت تحاول الإطاحة بالقذافي وفشلت في ذلك، فقد ساعدها في محاربة الجماعات الجهادية في شرق ليبيا ونجح في السيطرة على حقول النفط. اليوم في طرابلس تحكم حكومة قريبة من نهج الأمم المتحدة ويمكن من خلال استراتيجية معينة بالتعاون بين فرنسا وبريطانيا وحلفاء آخرين صياغة إستراتيجية شاملة لمرحلة ما بعد حفتر.   

انقلب حفتر عام 1987م على القذافي بعد أن تركه في تشاد عقب هزيمته، وانضم حفتر إلى جماعة سرية تلقت تدريباً من الولايات المتحدة، وعقب فشل الأخيرة في استغلال المجموعة للإطاحة بالقذافي استقر في الولايات المتحدة لمدة عقدين من الزمن، حيث عاد إلى بنغازي فور انطلاق ثورة 2011.  لم يكن له أي دور في إسقاط القذافي حتى عام 2014 حيث بدأ نجمه بالسطوع كقائد عسكري يستهدف الجماعات الجهادية في بنغازي، وأطلق بدعم خارجي عملية عسكرية اسمها "الكرامة" لإستئصال الإسلاميين وإلغاء دورهم في الحياة السياسية الليبية.

بدعم من الأمم المتحدة تم تشكيل حكومة توافق وطني بزعامة فايز السراج، لكن حفتر الذي كان طامحاً لزعامة ليبية رفض الإتفاقات التي وقعت في المغرب، لكن دوره في محاربة الإسلاميين جعله حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة وروسيا وفرنسا حيث استقبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس في يوليو الماضي، ليكون بذلك أول زعيم أوروبي يعامله على قدم المساواة مع رئيس الوزراء الليبي.

لكن فشله في إنهاء أزمة سرت ودرنة وحسم المعركة من قبل إئتلاف يضم جماعات إسلامية من مصراته، جعل الغرب يستاء من حفتر، فقد تصدع جزء كبير من ائتلافه المحلي، وبفضل سيطرته على المناطق المنتجة للنفط تحول إلى "مفسد" ويرفض الخطط الغربية لتسليم دفة الأمور إلى حكومة موالية للغرب. ففي سبتمبر وافق مجلس الأمن على خطة لتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية في ليبيا خلال العام الجاري، لكن محاولة حفتر إظهار نفسه كمنقذ لليبيين جعلته يفشل كل إتفاق سياسي يمهد لإنتخابات عامة، وخلاصة الأمر أنه يقول بأن ليبيا لن ترى الاستقرار إذا لم يصبح هو خليفة القذافي. 

هناك عدة نقاط ينبغي التأكيد عليها في ظل التنبأ بمستقبل ليبيا ما بعد حفتر، أبرزها أن حفتر لا يمتلك خليفة قد يشغل الحيز العسكري والسياسي الذي كان يشغله في الشرق الليبي، وهذا الأمر سيؤدي حتماً إلى اندلاع صراع داخلي بين حلفاءه، لذلك سيكون الخيار المتبقي العمل على خطة الأمم المتحدة المتعلقة بإجراء انتخابات مبكرة لكن ذلك لن يتم دون موافقة جماعات ليبية أخرى لها ثقل عسكري سواء في طرابلس أو مصراته، الأمر الأخر بتعزيز التواصل مع خالد المشري، الرئيس المنتخب حديثاً لـ"المجلس الأعلى للدولة"، الذي أنشئ بموجب المادة 19 من الاتفاق السياسي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية عام 2015 ليكون جسماً استشارياً يتولى إبداء الرأي الملزم لحكومة الوفاق الوطني في مشاريع اصدار قوانين وقرارات قبل رفعها الى مجلس النواب".  ويمثل المجلس قوة سياسية لا يستهان بها في طرابلس لكنه يواجه معارضة شديدة من قبل برلمان طبرق الذي يعتبره جزء من نفوذ الإسلاميين في الدولة الليبية.