تسفي برئيل/ "هآرتس"

إن المعضلة التي واجهت صناع القرار في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة لم تكن حول ما إذا سيتم الهجوم - فقد أعلن ترامب علناً أن الهجوم سيأتي - وإنما كيفية تنفيذ هجوم مقنن في ظل ظروف عدم اليقين السياسي. التخوف الرئيسي هو رد الفعل الروسي المضاد، الذي سيقود إلى تصعيد وربما إلى تصادم دولي على الساحة السورية.

مسارعة وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس إلى الإعلان بأن الهجوم كان لمرة واحدة وأن الأهداف المركزة والقليلة التي تعرضت للهجوم، يدل على أن "العدوان الثلاثي"، كما وصفته إيران (في تلميح إلى "العدوان الثلاثي" على مصر أيام حرب سيناء في 1956) كان المقصود منه أساسا نقل رسالة قاسية، وليس أكثر من ذلك. وهي رسالة تأتي كجزء من التزام الدول الغربية بمنع انتشار استخدام الأسلحة غير التقليدية، على الرغم من أن الأسلحة التقليدية في سوريا بالذات، تسببت بمئات آلاف القتلى.

إلا أنه حتى تحديد "الخط الأحمر" ضد الأسلحة الكيميائية يتطلب تفسيراً حول سبب مجيء هذا الرد، بالذات بعد الاستخدام الحالي للأسلحة الكيميائية، وليس بعد عشرات الحالات التي تم فيها استخدامه في الماضي، باستثناء الهجوم الذي وقع قبل عام في خان شيخون.

هذا الهجوم لا يشير إلى تغيير في الاستراتيجية الأمريكية فيما يتعلق بضلوعها في الحرب في سوريا. فالسياسة التي حددها ترامب لا تزال تدعي بأن القوات الأمريكية غادرت الأراضي السورية وأن الإدارة الأمريكية لا تنوي أن تكون شريكا في العمليات السياسية التي تصيغها روسيا لحل الأزمة.

من الصعب، أيضاً، رؤية الهجوم على أنه عرض لتحالف غربي مصمم على العمل ضد تجمعات الأسلحة الكيميائية أو إحداث تغيير في وضع النظام السوري. فتغيب ألمانيا وإيطاليا ودول غربية أخرى عن الهجوم، رغم أنها كانت جزءًا من التحالف ضد داعش، يوضح الاختلافات ليس فقط فيما يتعلق بالرد، ولكن ربما أيضًا يوضح بشكل رئيسي الشرخ بين ترامب وحلفاء الولايات المتحدة. هذا الشرخ قد يؤثر، أيضا، على المعارك العسكرية أو السياسية التي ستأتي لاحقا.

بالنسبة لــ"إسرائيل"، لا ينهي هذا الهجوم الحساب "الخاص" بينها وبين سوريا وإيران. هذان حسابان منفصلان، لكن أحدهما يؤثر على الآخر. يمكن الافتراض أن جزءاً من رد الفعل الروسي المتوقع سيكون فرض قيود على استخدام "إسرائيل" الحر نسبياً، للمجال الجوي السوري لشن هجمات ضد أهداف إيرانية. روسيا لا تسارع بالضرورة للرد العسكري على الهجوم، ولكنها تستطيع معاقبة حليف "المعتدي" الرئيسي، الولايات المتحدة.

إذا اتخذت هذا المسار، فإنها سترسل رسالة مزدوجة، واحدة إلى واشنطن بصفتها راعية لــ"إسرائيل"، والأخرى على أنها تنتهك السيادة السورية، أي احتكار السيطرة الروسية. إيران، على الرغم من تبادل التهديدات التي عبر عنها زعماؤها، وتلك التي وصلت من حسن نصر الله، ردت حتى الآن بشكل غامض.

لقد وصفت الدول الثلاث المعتدية بأنها "مجرمة" وحملت الولايات المتحدة وحلفاءها المسؤولية عن "انتهاك سيادة سوريا خلافا للقانون الدولي". لكن طهران، على النقيض من ترامب، الذي وعد "بصواريخ جميلة وجديدة وذكية"، لم تفصل العواقب وكيف سترد.

من بين الدول الثلاث، سوريا وإيران وروسيا، تتواجد إيران في أكثر موقف حساس، لأنه من المتوقع أن يقرر الرئيس ترامب، الشهر المقبل، بشأن مستقبل الاتفاقية النووية، ولن تهدد إيران استقرار الاتفاقية من خلال الرد على الولايات المتحدة. وبالتأكيد ليس ضد بريطانيا أو فرنسا.

إن التدهور السريع في سعر الريال الإيراني، والانتقاد الداخلي للوضع الاقتصادي، والنضال ضد فرض عقوبات جديدة، يجبر إيران على ممارسة الحذر المفرط تجاه "إسرائيل"، لأنه ينظر إليها على أنها ذات تأثير هام على قرارات ترامب والكونجرس الأمريكي. بالنسبة لسوريا فإنها، في كل الأحوال، لا تملك قدرة حقيقية على الرد على الهجوم الثلاثي، وعلى ما يبدو فإنها لا تخطط أيضا، لفتح جبهة ضد "إسرائيل"، ما يعني أن عبء الرد الرئيسي سيقع الآن على روسيا.

سوف يعتمد الرد الروسي على حساب بارد للربح والخسارة، ولكن أيضًا على اعتبارات الهيبة. يمكن أن يحدد الهجوم كخطأ فادح من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، لكن طالما أن الأهداف الروسية أو المناطق الروسية لم تتعرض للهجوم، فإن الحلبة بين القوى العظمى يمكن أن تدار في الأمم المتحدة. ومن ناحية أخرى، يمكنها تأطير الهجوم على أنه ضربة لحليف استراتيجي يتطلب منها الرد.

يسمح لنا الافتراض بأن روسيا قد تتبنى الخيار الأول، لأن الهجوم يحرر روسيا من مسؤولية استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل الأسد، ومن دور الحارس الخاص لضمان السلوك السوري "المناسب". كما نذكر، وعدت روسيا بتفكيك سلاح الأسد الكيميائي مقابل عدم مهاجمة سوريا، خلال الأزمة التي وقعت خلال فترة ولاية أوباما. لقد تبنت روسيا تقليديا سياسة الاعتراض الدبلوماسي، من خلال فرض الفيتو، على نوايا الغرب العقابية ضد سوريا، ولم تتصرف في الميدان إلا ضد الميليشيات المتمردة، وليس ضد الدول التي مولتها أو تعاونت معها.

منذ عام 2015، عندما بدأت روسيا تدخلها العسكري في سوريا، عملت بلا كلل وبنجاح لوقف مشاركة دول أخرى في الساحة. يمكن للرد المضاد على الهجوم في سوريا تخريب هذا الجهد وإعطاء الدول الغربية ذريعة جديدة للتدخل.