شغلت مدينة "سوتشي" الروسية الواقعة على شواطئ البحر الأسود مركز اهتمام الإعلام العالمي في الفترة الماضية لإستضافتها جولات المفاوضات بين أطراف الصراع في سوريا، ولا يمكن التوقع إن كانت القيادة الروسية اختارت تلك المدينة نظراً لإرتباطها بحرب "القرم" التي استمرت بين الدولة العثمانية و روسيا القيصرية لفترة طويلة، أم لكون المدينة تتمتع بمناخ صيفي قل نظيره في روسيا. 

سوتشي لا تزال من أبرز الشواهد التاريخية على جرائم الحضارة المسيحية الروسية في شمال القوقاز حيث كانت تلك المنطقة مركزاً لحرب القرم التي استمرت منذ العام 1816م وحتى عام 1864م.  وانتهت بهزيمة الدولة العثمانية التي تمثلها اليوم تركيا التي تقف خلف الفصائل السورية التي تقاتل النظام السوري، وأسفر عن تلك الحرب تعرض الملايين من سكان القوقاز الأصليين عموماً والشركس سكان سوتشي "سيركاسيا"  خصوصاً إلى عمليات تطهير عرقي أجبرت من تبقى منهم على قيد الحياة للجوء إلى أراضي الدولة العثمانية.  وعقب الإستيلاء عليها حولتها روسيا إلى حصن عسكري من حصونها للوقوف في وجه الغزو الإسلامي الذي كانت تمثله في تلك الفترة الإمبراطورية العثمانية، كما قامت بإستبدال السكان المسلمين بالروس والآرمن والأوكرانيين وغيرهم من الأوروبيين، وبدأت الدولة القيصرية بتحويل المدينة التي تتمتع بمناخ إلى منتجع سياحي للقياصرة.

مع بداية حرب "القرم" ابتكر الجنرال الروسي نيكولاي ييفدوكيموف فكرة ترحيل من وصفهم بــ"الجبليين المستعصيين" إلى الدولة العثمانية، كطريقة أسهل لحسم المعركة وإنهاء الحرب وبذلك تكون روسيا حققت مبتغاها بالتخلص من المسلمين في القوقاز الشمالي، فهم على حد وصفه"يفضلون الموت على الولاء للحكومة الروسية". وفعلياً تم إقرار هذا المخطط في 10 مايو م1862 من قبل القيصر ألكسندر الثاني.

في 5 يوليو 2005م، دعت منظمة الكونغرس الشركسي، وهي منظمة تجمع بين ممثلي الشعوب الشركسية المختلفة في الاتحاد الروسي الحكومة الروسية، إلى الإقرار بمسألة الإبادة للشركس، و الإعتذار عن تلك الجريمة، وبحسب الوثائق التي تضمنها أرشيف روسيا القيصرية، فإن القوات الروسية قتلت 400.000 شكرسي و أجبر نصف مليون آخرين على الرحيل للدولة العثمانية، وبقي فقط 80.000 في وطنهم.

عقب الحرب الروسية على جورجيا عام 2008م، بدأت جورجيا بإطلاق وصف "إبادة جماعية" على الحرب الروسية على المسلمين الشراكسة في شمال القوقاز، وبتاريخ  21 مايو 2011م، أصدر البرلمان الجورجي قراراً ينص على أن عمليات القتل الجماعي "التي خُطط لها مسبقاً" والتي نفذتها روسيا الإمبراطورية بحق الشركس وما صاحبها من "المجاعة المتعمدة وانتشار الأوبئة" ينبغي الاعتراف بها على أنها "إبادة جماعية" وينبغي اعتبار الأشخاص الذين تم ترحيلهم خلال تلك الأحداث من وطنهم على أنهم "لاجئين".

تجاوباً مع الكارثة التي ألمت بالشركس فتحت الدولة العثمانية دراعيها لهم، وقامت بمنح معونات مادية للمهاجرين إلى أراضيها، و قامت بتوزيعهم على المناطق الخاضعة لنفوذها في أسيا، و كانت تسعى من وراء ذلك إلى تحقيق هدفين رئيسيين  الأول يتعلق بكسب عدد كبير من الأطراف الموالية لها في الشام. و الثاني يتعلق بـتعمير مساحات واسعة من الأراضي المهجورة.

لا يزال الشركس يحتفظون إلى يومنا هذا بمورثهم الثقافي والحضاري وهويتهم الإسلامية، ووفقاً لإحصاءات سكانية فإن عددهم يصل إلى 6 ملايين شخص منتشرين حول العالم، لكن أكثر أماكن تواجدهم في تركيا حيث يعيش 3 ملايين شركسي، بالإضافة إلى نصف مليون يعيشون في هولندا، و القليل منهم في فلسطين وسوريا و الأردن  والعراق.

ويشكل الغالبية العظمى منهم المسلمين السنة. وتقول بعض الروايات إن أصل تسمية الشركس بهذا المصطلح هو الغزو المغولي لبلادهم، و قد برز لهم دوراً كبيراً خلال حكم المماليك لمصر منذ بداية القرن الثالث عشر وحتى القرن الثامن عشر.  استطاعت روسيا منذ تدخلها في سوريا قبل 4 سنوات تحويل مدن سوريا عدة إلى نماذج جديدة لسوتشي بنسختها القديمة من خلال تغيير ملامحها الديمغرافية بتدميرها وتشريد أهلها وتوطين المليشيات الشيعية الإيرانية فيها، و هذا الأمر قد يكون دليلاً واضحاً على أن روسيا لن تكون وسيطاً وراعياً نزيهاً لأي عملية سلام في سوريا.