قراءة المشهد السياسي بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد الترامب الأخير، الذي اعترف خلاله بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الصهيوني، فسرته الصحافة العبرية وحتى أبرز الشخصيات في الحلبة السياسية الصهيونية على أنه إعلان صريح من قبل الإدارة الامريكية بتخليها عن سياساتها السابقة بشأن المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والحكومة الصهيونية، فقد وقف ترامب إلى جانب حكومة اليمين الصهيوني برئاسة بنيامين نتنياهو ورفع البطاقة الحمراء في وجه العرب والمسلمين. عملياً القدس محتلة منذ عام 1948م حينما سيطرت قوات الصهيونية على الجزء الغربي من المدينة، ورغم أن قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947م ينص على وضع القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية، إلا أن الحكومات الصهيونية المتعاقبة لم تلتفت إلى مثل هذا القرار بمساندة الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن، فالموقف الأمريكي منذ إحتلال فلسطين لم يكن محايداً بقدر ما كان جاحداً للحق الفلسطيني ومتماشياً مع الاحتلال في مشاريعه التهويدية في القدس.

أضحت قضية القدس رصاصة في بندقية الصراعات العربية الداخلية، ولم تكن قبلة المسلمين الأولى منذ الأزل و الأرض التي جعلت قبلة للأنبياء و الفاتحين في يوم من الأيام. لقد حولها بعض المرجفين إلى شماعة للإساءة والتجريح والتخوين والمزايدة تماشياً مع مشروع صهيوني قديم لتفتيت وحدة المسلمين والعرب، ومن غرابة الأمر أن البوصلة التي من المفترض أن توحد العرب والمسلمين أضحت مبرراً للقذف والإساءة والإزدراء، كذلك الأمر بالنسبة لقرارات الدبلوماسية العربية التي لم تخرج عن التنديد الناعم بالقرار الأمريكي تماشياً مع الخط الذي انتهجته السلطة الفلسطينية التي قالت في خطاب للرئيس محمود عباس بأن أمريكا بهذا الإعلان فقدت دورها في رعاية عملية السلام!!. 

في الأشهر القليلة الماضية ضجت الصحافة الصهيونية بفضيحة بطريارك الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية ثيوفيلوس الثالث الذي باع آلاف الدونمات من الأراضي والعقارات لشركات صهيونية، للتخلص من أزمة مالية تعاني منها كنيسته، و عقب قرار ترامب نشر موقع religion news""  تقريراً أشار فيه إلى فرحة غامرة في أوساط المسيحيين الصهاينة أو ما يعرفوا بــ" الانجيليين" في أمريكا، الذين ساهموا بشكل كبير في صعود ترامب إلى كرسي الرئاسة في البيت الأبيض. فهذه الطائفة من المسيحية تعتقد أن ترامب اليميني الشعبوي الذي أظهر دعمه الشديد للمشروع اليهودي في فلسطين المحتلة، يؤمن كما تؤمن هذه الطائفة بأن إقامة الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى سوف يسرع من قرب المعركة بين "الخير" و "الشر" و المعروفة دينية بــ "هارمجدون" وظهور المسيح مرة أخرى. إذن فالسياسة ليست لها دور في تحريك ملف القدس و تصدر ترامب لمشهد الدفاع عن مشروعية قرار رفضت أغلب دول العالم بما بمن فيها، حلفاء واشنطن الإقرار به.

علينا أن ندرك جيداً أن عمر بن العاص رضي الله عنه حرر القدس من الصليبين عقب دحره الروم عن الشام، وكذلك فعل صلاح الدين الأيوبي الذي بدأ معركة تحرير القدس بدحر الفاطميين عن مصر.. حالة من تطهير الصف و وحدته كانت نهجاً للجيوش الفاتحة لقدس قبل البدء في معاركها، لذلك وجب علينا أن نؤمن  قبل كل شيء بأن القدس عامل وحدة ورص للصفوف في وجه عدوان غاشم وظالم. أكثر من نصف سكان القدس من الفلسطينيين هم ميزان المعركة الحقيقية على الأرض، فالأوراق التي وقعها ترامب لن تعطي الاحتلال الصهيوني الشرعية ما لم نسمح له بذلك نحن أصحاب الأرض الأصليين. هناك إحتمالان يمكن أن ينتجا عن الوضع الحالي، أولهما التسليم بالخطوة الأمريكية وإتباعها بخطوات على الصعيد الدولية تشرعن تهويد القدس، أو الاحتمال الأخير وهو نشوء حالة من التعبئة الداخلية لدى المسلمين في العالم سواء على صعيد الوعي السياسي أو الديني أو الثقافي لتعظيم مكانة القدس في نفوسهم و تعريف العالم بها ونقل معاناة سكانها إلى العالم، وفي كل الحالتين فإنه سواء كانت عاصمة الكيان الصهيوني في تل أبيب أو القدس فهذا الأمري يلن يمنحه شرعية طالما لم يمنحها له أصحاب الأرض و المسلمين.