لم يكن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإعلان نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى مدينة القدس والاعتراف بها عاصمةً لإسرائيل أقل وطأةً من وعد بلفور المشؤوم عام 1917، وإذا كان هذا الأخير قد منح الكيان الصهيوني وطناً في فلسطين، فإن الإعلان الأمريكي قد قضى على أي بصيص من الأمل كان يعول عليه المهرولين خلف أتفاق أوسلو.

يخطئ البعض حين يظن أن الرئيس الجمهوري قد جاء بما هو جديد بشأن القدس وموقف بلاده منها، فالرئيس ترمب نفذ ما عجز عنه كل سابقيه من رؤساء الولايات المتحدة، وقد ساعدته على ذلك الظروف الملائمة في الشرق الأوسط.

حسب المعلومات التي رشحت مؤخراً عن صفقة العصر، أن خطوة الرئيس الأمريكي غير المسؤولة نحو القدس لم تكن محددة أو مُخطط لها في هذا التوقيت، لأن إعلان نقل السفارة من شأنه أن ينسف تلك الجهود التي تبذلها الإدارة الأمريكية، فالعديد من المراقبون كانوا يتوقعون الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل بعد نجاح صفقة العصر التي تطرح تصور لمستقبل الدولة الفلسطينية دون أن يكون لهذه الدولة أي صلة سياسية أو إدارية بمدينة القدس، وأغلب الظن أن الرئيس الأمريكي لجأ إلى هذه الخطوة لأدراكه بأن تمرير الصفقة السياسية مع كافة الأطراف أمر شبه عدمي ومحكوم عليه بالفشل، وهروباً من الإعلان عن الفشل بشكله التقليدي والمعتاد لما يُسمى بالوسيط أو الراعي الأمريكي، ذهب ترمب إلى فشل من نوع آخر يحقق من خلاله مكاسب إضافية للجانب الإسرائيلي، ولعل هذه المكاسب ستعلن عن ذاتها على مستقبل القدس في المديين المنظور والمتوسط.

ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد أن الاحتلال الإسرائيلي لن يتوانى قيد أنمله عن استغلال قرار الرئيس الأمريكي، ومن غير المستبعد أن تتجه حكومة اليمين المتطرف إلى الغاء كل القرارات الدولية المتعلقة بالحفاظ على الموروث التاريخي والثقافي الاسلامي والمسيحي ونسبه إلى أهله، بحجة أن القدس أصبحت عاصمة لإسرائيل التي سيكون لها الحق في السيطرة والتوسع وبناء عاصمتها بالشكل الذي تريد، فمشاريع الاستيطان لا تتوقف في مدينة القدس وحولها، ومسألة فصلها التام عن الضفة الغربية ومحيطها العربي باتت في مراحلها الأخيرة، وهو ما يمثل المسمار الأخير في نعش حل الدولتين المزعوم.

يقودنا ذلك الخطر الداهم الذي يتهدد مستقبل المدينة إلى خطر لا يقل من حيث الأهمية، فالمحاولات الصهيونية لا تتوقف عن نسف كل الحقوق المطالبة بحرية زيارة الفلسطينيين والعرب والمسلمين للأماكن المقدسة بحجة الحفاظ على أمن العاصمة التي تمثل أمن واستقرار الدولة، وربما يصل الأمر لأبعد من ذلك إذا ما ذهبت دولة الاحتلال إلى رفع جميع الوصايات الدولية والعربية والاسلامية عن مدينة القدس بعد أن أصبحت عاصمة لها بحكم الإعلان الترامبي، فمن يستطيع أن يجبر إسرائيل إذا رفضت أن تكون عاصمتها تحت وصاية أحد؟

إن حالة القلق الصهيوني على هذا المكسب التاريخي والمجاني سيدفعها إلى بناء قواعد عسكرية في القدس، ومن تم دخول الجيش الاحتلال الاسرائيلي بشكل رسمي إلى مختلف أركان المدينة كيف ما شاء ومتى شاء، حينها لن يكون بمقدور سكان المدينة العرب أو غيرهم أي قدره على مواجهة التهديد المباشر الذي ستقدم عليه الجماعات الصهيونية تجاه المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم، حتى سكان المدينة العرب اللذين لا حول لهم ولا قوة، لن يكونوا في مأمن عن بطش الاحتلال، ولا  يستطيع أحد أن يمنعها من إمكانية تغيير الواقع الديمغرافي للمدينة عبر طرد من لا يملك هوية إسرائيلية وتجريدها من سكانها الأصليين، خاصة وأن تثبيت فكرة يهودية الدولة باتت أمراً ليس ببعيد.

لطالما سعت حكومات الاحتلال إلى تغيير واقع المدينة المقدسة، غير أنها ظلت عاجزة عن تحقيق طموحها كما ينبغي لصمود السكان العرب في وجه سياساتها القمعية، لكن الاعتراف الأمريكي سيعطيها قوة دفع إضافية تُمكنها من السيطرة ووضع يدها على كل أسرار المدينة، فأوراق الطابو والوثائق الرسمية لأملاك أهل القدس لن تكون بعيده عن السيطرة الإسرائيلية التي ستعتبرها ضمن أملاك الدولة.

رغم التنديد العالمي بقرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، إلا أن الخبرة التاريخية في العلاقات الدولية تقول أن الفعل الصعب الذي تقدم عليه الدول الكبرى في لحظة تاريخية معينه، يصبح من السهل على باقي الدول فيما بعد أن تحذو حذوها، ومن غير المستبعد أن تقدم دول غربية على نقل سفاراتها من داخل الكيان إلى القدس، حينها لن يكون أمام الفلسطينيين أي فرصة لتصدير القدس في تحركهم السياسي وخطابهم الإعلامي، لأنها تكون قد أصبحت عاصمة لإسرائيل، كما أن أي عمل فلسطيني مقاوم في القدس، سيقال عنه إرهاب وليس مقاومة، لأن المقاومة لن يفهمها العالم الغربي إلا في الأراضي الفلسطينية، وما دون ذلك إرهاب.

إن هذا الحدث التاريخي الذي أقدمت عليه الإدارة الأمريكية دون الاكتراث لعواقبه الوخيمة، لن يُبقى على أي خيارات أمام الفلسطينيين والعرب والمسلمين، فإما المواجهة أو القبول بذلك السيناريو المُعد سلفاً والذي من المنتظر أن يفرض على الفلسطينيين تسويه سياسية خالية من مدينة القدس.