تعد منطقة الشرق الاوسط من اكثر المناطق حساسية في العالم لعدة عوامل استراتيجية كونها تحتوي على مصالح متشابكة او متعارضة مع القوى الكبرى ومن بينها الصين الشعبية مما جعلها محل اهتمام وبؤرة التركيز الرئيسية لهذه القوى كونها تحتوي على ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط الخام الى جانب العديد من المواد الخام الاخرى  ودورها  في إعادة توازن الاقتصاد الصيني في اتجاه الغرب اضافة الى الأهمية  الدينية المتمثلة في الحفاظ على الأمن المحلي عبر تصنيف تلك المنطقة من قبل القوى العالمية على أنها مصدر لأيدلوجيات معادية  ومصلحتها العامة في الشرق الأوسط كمسرح لنيل الاعتراف بها كقوة كبرى.

لقد بات من المؤكد ان الصين ترغب بتحقيق أهداف محورية سياسيا واقتصاديا في منطقة الشرق الاوسط في ظل اشتعال المنطقة بالأزمات والاضطرابات وفشل السياسة الأميركية في حل قضايا الشرق الأوسط المشتعلة بالأزمات والاضطرابات من جهة وهبوط أسعار النفط وتباطؤ الاقتصاد العالمي من جهة أخرى.

فعلى الصعيد الاقتصادي ازداد حجم التجارة بين الصين ودول منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، حيث ارتفع بنحو 600% في العقد الماضي وبلغت الاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط أكثر من 160 مليار دولار خلال العام الماضي  2016، وتعهد الرئيس الصيني شي جين بينغ بتقديم استثمارات وقروض إضافية بقيمة 55 مليار خلال الاعوام القادمة.

بينما على الصعيد السياسي يبدو أن الصين تحاول إعادة ترتيب سياستها في الشرق الأوسط  بعد فقدانها الثقة بواشنطن إزاء قضايا المنطقة وتزايد الشكوك حول السياسية الأميركية في إيجاد سبل حل تلك القضايا وإعادة الاستقرار لها خاصة عقب ما يوصف بالخريف العربي.

وسعت الصين عمليا لإبراز نشاطها في الشرق الأوسط واتخذت خطوات للتوسط في نزاعات الشرق الأوسط حيث عينت مبعوثين لها من أجل سوريا والقضية الفلسطينية وأجرت جولات دبلوماسية مكوكية خلال العديد من الأزمات بين إيران والسعودية، ولكن تلك المبادرات كانت في الغالب جولات للحفاظ على نوع من التوازن بين الحلفاء، فعلى سبيل المثال عرضت التوسط بين النظام السوري و المعارضة لكنها بقت على علاقة وثيقة بالنظام.

وأوضح الخبير في شئون الشرق الاوسط عبد الرحمن الحسيني أن الصين ترغب بعلاقات قوية في المنطقة ليس مع خصوم أمريكا فقط ولكن مع اقرب حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط وهي إسرائيل حيث تجاوزت الاستثمارات الصينية في إسرائيل 10 مليارات دولار في السنوات الثلاث الماضية.

أضاف: "نشاط الصين المتزايد في الشرق الأوسط يمثل رد فعل وتحديا لواشنطن ليس من قبيل المصادفة بل ان صعود الصين يأتي في أعقاب أخطاء أمريكا في العراق وسوريا وأماكن أخرى تعتبرها الصين تهديدا لمصالحها الخاصة اضافة الى أنها تروج نفسها كبديل للنموذج الغربي للأسواق الحرة والحريات المدنية".

كذلك فان الوضع الصيني الذي بدأ يتعزز في الشرق الأوسط إلى جانب روسيا يرسل رسالة هامة إلى إدارة ترامب مفادها أن أفضل طريقة لواشنطن لتقليل فرص تحقيق المزيد من التقدم من قبل الصين أو موسكو هي تعزيز العلاقات مع حلفاء مثل مصر وتركيا وإسرائيل و دول الخليج.

وفي الوقت الذي ينظر فيه كثيرون في واشنطن اليوم إلى الشرق الأوسط الى أنه منطقة اضطرابات  ونزاعات وأن العائد على الاستثمار الدبلوماسي والعسكري ضئيل ينظر القادة الصينيون إلى المنطقة نفسها ويرون فيها فرصا اقتصادية وأمنية وجيوسياسية كبيرة جدا.

وأشار الباحث في شئون الشرق الاوسط الجديد ابراهيم المدهون الى أن الصين بدأت تتقدم الى المنطقة بصورة مباشرة وواضحة باحثة عن موضع قدم لها غير أنها تؤكد على التزامها بالحيادية والاحتفاظ بموقف متوازن في الشرق الأوسط في محاولة منها للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية المتعلقة بالمصالح الاقتصادية في المقام الأول بمنطقة الشرق الأوسط وتعميق تلك المصالح بتعاون وتقارب وثيق الصلة مع قيادات المنطقة.

قال: "ان الصين تبعث برسائل تؤكد تواجدها في منطقة الشرق الاوسط بقوة ما يوضح لنا أننا امام دولة عملاقة سيكون لها دور كبير في المنطقة حيث حاولت لعب دور إيجابي فيما يتعلق بالأزمة المستعرة بين المملكة العربية والسعودية وإيران خلال الفترة الماضية وكذلك الدور الذي لعبته في إطار الأزمة السورية بمنظور ضرورة التوصل لتسوية سياسية لتلك الأزمة اضافة الى العديد من الادوار".

 أضاف: "الصين لديها رؤية خاصة في سياستها الخارجية تميزها عن الولايات المتحدة الأمريكية ففي الوقت الذي تعمل فيه أميركا على إضعاف الدول التي تتعامل معها لتمرير سياسات واشنطن بالمنطقة تعمل الصين وفق مبدأ ننمو معًا أي أنها لا يمكن أن تنمو بدون أن يكون شركائها أقوياء وأن استقرار المنطقة يصب في استقرار الصين الاقتصادي والأمني وهو ما يجعل الصين كارتًا مهمًا في معادلة العلاقات الخارجية".

ان المتتبع لعلاقات الصين بالشرق الاوسط يجدها معقدة ومتداخلة ومتناقضة أيضًا فالصين تقيم علاقات مع إسرائيل وتدعم الشعب الفلسطيني وتقيم علاقات قوية مع إيران وفي الوقت نفسه علاقات قوية مع السعودية وهذا يفتح المجال لعدد من السيناريوهات والاحتمالات لمسارات العلاقات وتوازناتها.

وفي ذلك ألمح المحلل السياسي والمختص في العلاقات الدولية أسامة أبو نحل الى أن الصين تعمل على ايجاد نوع من التوازن في علاقاتها بكل الدول في منطقة الشرق الاوسط من عرب مسلمين وشيعة واتراك اضافة الى علاقتها مع اسرائيل رغم أنها تدعم القضية الفلسطينية قائلا: "لا أرى في ذلك تعارضا وتناقضا في سياسة الصين في منطقة الشرق الاوسط لأن سياستها قائمة على تعزيز مبدأ الثقة مع الجميع دون النظر الى خلافاتهم الشخصية فهي لا تنحاز لطرف على حساب طرف بقدر ما تسعى الى كسب ثقة جميع الاطراف لان هدفها احتلال مراكز متقدمة في قائمة الدولة القوية سواء من الناحية الاقتصادية أو من زاوية التواجد العسكري والأمني لاسيما في ظل الجمود الأمريكي بالمنطقة حيث وجدت الصين الفرصة سانحة للعب دور أكبر وأكثر إيجابية".

أضاف: "تسعى الصين لتحقيق أهدافها في منطقة الشرق الاوسط من خلال استخدام سياسة التوازن في علاقاتها مع الجميع واستخدام سياسة القوة الناعمة لتحقيق أهدافها ومصالحها في المنطقة فهي دولة لها مصالح اقتصادية وسياسية ومن حقها الحفاظ عليها حتى لو استدعى الامر لاحقا استخدام القوة العسكرية في ذلك".

ختاما فان التحول الحاصل في بنية النظام الدولي والعربي هو الذي فتح المجال امام فاعلين جدد منهم الصين التي وجدت المجال خصبا لانتهاج سياسة نشطة ولعب دور جديد في منطقة الشرق الأوسط.