حصان طروادة هو ما تصنعه الإدارة الأمريكية لحركتي فتح وحماس في الأراضي الفلسطينية؛ حماس كونها تمثل المقاومة المسلحة المتبقية من حركة النضال الفلسطيني وحركة فتح التي تلعب دور الممثل السياسي للفلسطينيين في أروقة المنظمات الدولية وفي العالم عبر منظمة التحرير الفلسطينية.

هناك ثابت يجب أن يعلمه كل فلسطيني وكل مسلم حر لديه موقف مؤيد وداعم للقضية الفلسطينية؛ وهو أن المقاومة الفلسطينية أصبحت حالة شاذة عن الإرادة الإقليمية، وجزءاً غير مرغوب فيه في اللعبة الأمريكية في المنطقة؛ فهي مصدر إزعاج لحالة التجانس الأمريكي العربي، وعقبة أمام حركة التطبيع الرسمي العربي مع الكيان الصهيوني، وكون حركة حماس تمثل الصوت الفلسطيني الذي يحمل السلاح مطالباً باستعادة فلسطين من بحرها إلى نهرها، وعدم الاعتراف بشرعية إسرائيل، فإنها بذلك العدو الأبرز لواشنطن، وتل أبيب، وكذلك للمزاج العربي والإسلامي الذي ينحني غالباً أمام الرغبة الأمريكية. ما عقد الأمر أكثر بالنسبة لحركة حماس كونها لصيقة بتيار أيديولوجي إسلامي لديه كثير من الصراعات في المنطقة لا سيما أنه يصنف ضمن المعارضة و "الإرهاب"، كذلك فإن الفترة الماضية جعلت من حماس ورقة يتم استغلالها في صراعات بين محاور ودول في المنطقة العربية، لا مصلحة تذكر لحركة حماس في ذلك سوى المزيد من شيطتنها، وهذا الأمر يحتاج من قيادات الحركة التأمل في مسيرة الراحل ياسر عرفات الذي جعل من نفسه ورقة في الصراعات والأزمات العربية والإسلامية، وكانت نتيجة ذلك سيئة أجبرته على الخضوع لحالة سلام زائف حتى تم حصاره وقتله.

اليوم وبعد أن أيقنت واشنطن أن قاعدتها العسكرية الكبرى في الشرق الأوسط المتمثلة في "إسرائيل" فشلت على مدار 11 عاماً من التخلص من حالة المقاومة المتمركزة في قطاع غزة سواء من خلال الحصار أو الضغط الإقليمي أو الحروب الثلاثة الأخيرة التي شُنت على غزة، فإنها اضطرت للبحث عن بدائل أبرزها تصعيد القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، والذي يعد الخصم الأبرز للرئيس محمود عباس. التقت طموحات محمد دحلان بالمصلحة الأمريكية من حيث التخلص من عباس لعجزه عن تقديم شيء جديد على مستوى التنازلات للاحتلال الصهيوني وتوقيع اتفاق سلام نهائي، مع الرغبة الشديدة لدحلان بالحصول على مقعد رئاسة السلطة الفلسطينية والانتقام من عباس الذي فصله من عضوية فتح وأصدر حكماً قضائياً اتهم فيه دحلان بالفساد وطرده من رام الله خوفاً من أن يلقى مصير ياسر عرفات نفسه.

بدأ دحلان عبر مؤسسة خيرية تديرها زوجته جليلة دحلان بإرسال كثير من الدعم للمنظمات الخيرية في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وفي غزة؛ بحثاً عن شرعية تنظيمية تعيده إلى العمق الفلسطيني بعد طرده من حركة فتح، وأصبح يقود ما يسمى بالتيار الإصلاحي في حركة فتح (وهو تيار يضم قيادات فتحاوية مؤيدة لدحلان)، لكن ومن خلال الدعم الإقليمي تمكن دحلان من الحصول على منزلة رفيعة عند القيادة المصرية التي جمعت بينه وبين قيادات من حركة حماس وأبرزها رئيس المكتب السياسي للحركة في قطاع غزة يحيى السنوار، تمخضت تلك اللقاءات عن اتفاقات مبدئية يلعب فيها محمد دحلان دور الوسيط، أبرزها السماح بإدخال الوقود والمحروقات إلى قطاع غزة وفتح معبر رفح.

بالنسبة لحركة حماس فإن تخفيف الحصار عن قطاع غزة من أبرز أولوياتها، وبالنسبة لدحلان فإن إيجاد قاعدة للتحرك ضد محمود عباس خطوة ستكون مفيدة جداً لمستقبله السياسي، لذلك يطمح بأن تكون غزة قاعدة حربه على محمود عباس لإسقاط شرعيته أمام المجتمع الدولي، ضمن ما ورد من تفاصيل فإن دحلان مقابل التوسط لدى المصريين سيرفع الحصار عن غزة على أن يتولى هو إدارة لجنة سياسية ستحصل على شرعيتها من خلال عقد جلسة للمجلس التشريعي الفلسطيني في غزة ستضم موالين لدحلان وحركة حماس وسيتم خلالها التصديق على تمثيل تلك اللجنة للكل الفلسطيني.

ويتضمن الاتفاق أن تقوم حركة حماس بإدارة ملف الأمن في قطاع غزة، لكن حركة حماس التي نقلت مكتبها السياسي من قطر إلى غزة في خطوة صورية يفهم منها التخفيف عن قطر، لا تزال أمام عقبة أكبر تتمثل في الالتزام بتعهداتها أمام الجانب المصري الذي يعد اللاعب الوحيد أمام الحركة في غزة، وأبرز هذه التعهدات الحفاظ على مصالحة قد تستمر طويلاً مع محمد دحلان، وهو ما سيكون له تأثيره على عمليات المقاومة المنطلقة من غزة، فالأخير له التزاماته أمام المجتمع الدولي والإقليم العربي.

سيكون على محمد دحلان مهمة ترويض حركة حماس سياسياً وعزلها عن داعميها السابقين مثل إيران أو قطر أو تركيا أو أي طرف آخر قد يصنف ضمن المعاديين للسياسيات الأمريكية في المنطقة، ومن شأن هذه الخطوة على المدى البعيد أن تحدث شرخاً عميقاً بين القاعدة والقمة داخل حركة حماس، وتجبرها على السير في طريق سار به عرفات سابقاً، لكن نحن نراهن في فلسطين غالباً على الأحداث التي تصنع الواقع مثل الانتفاضة الأولى التي صنعت جيل الحجارة والانتفاضة الثانية التي أفرزت المقاومة المسلحة، وأحداث المسجد الأقصى التي غيرت بوصلة اهتمامات العالم الإسلامي.

بالنسبة لتل أبيب أصبح وجود التمثيل الفلسطيني في أروقة المنظمات الدولية - وخصوصاً بعد حادثة اليونسكو والاعتراف بها بصفة دولة مراقب في الأمم المتحدة - مقلقاً، لذلك ترى أن الخطوة المناسبة إلغاء الوجود السياسي الخارجي للفلسطينيين المتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية، وهذا الأمر سيتم فقط بطريقة واحدة وهي الدفع بمحمد دحلان كمرشح لخلافة السلطة الفلسطينية في ظل وجود رغبة حقيقية إسرائيلية في إبقاء هذا المنصب شاغراً تمهيداً لتحويل السلطة الفلسطينية ومؤسساتها في الضفة الغربية لإدارة مدنية تتبع المنسق التابع للجيش الإسرائيلي، لأن تل أبيب تعلم جيداً أن قيادات حركة فتح في الضفة لن تقبل بمحمد دحلان في منصب رئاسة السلطة خصوصاً كونه من قطاع غزة بالإضافة إلى وجود بدائل منافسة وقوية مثل ماجد فرج مدير الاستخبارات ومروان البرغوثي وغيره من الشخصيات، لذلك سيستثمر التصارع على منصب رئيس السلطة بهدف صناعة مزيد من الصراعات الفلسطينية الفلسطينية بهدف القضاء على التمثيل الرسمي للفلسطينيين في الخارج.

وجب أن يتم التأكيد على أن المساعي الأمريكية التي تتم عبر أدوات عربية وفلسطينية هدفها التخلص من سلاح المقاومة سواء كان هذا السلاح بيد حركة حماس أو حركة فتح أو الجبهة الشعبية، وتصفية التمثيل الرسمي للفلسطينيين في الخارج وفتح الطريق أمام مسار التطبيع العربي الإسرائيلي، وهذا الأمر سيكون كفيلاً بتسهيل مهمة أحزاب اليمين التي تحكم بقوة إسرائيل هذه الأيام.