يواصل الاحتلال الصهيوني انتهاكاته اليومية لمدينة القدس المحتلة ومقدساتها الإسلامية، وتستمر قواته العسكرية ومستوطنيه في سياسة قتل الفلسطينيين والمضي قدماً في تهويد معالم المدينة وإطلاق العنان للمستوطنين داخل المسجد الأقصى وخارجه، ولم يعد من السهل على  المتابع للشأن المقدسي التمييز بين فصول مسلسل الاقتحامات المتكررة والمتشابهة للمقدسات الإسلامية، وما يصاحبها من تشريعات وقوانين، تقود المدينة نحو مستقبل مجهول.

إن إغلاق المسجد الأقصى ليومين متتاليين أمام المسلمين وتكسير الكثير من محتوياته واقتحام جميع مرافقه ووضع المزيد من القيود والإجراءات الجديدة والتعجيزية أمام المصلين "بوابات إلكترونية" وغيرها، لم تحرك مشاعر الأمة التي انشغلت بما هو أهم "لديها" من مقدساتها وموروثها الإسلامي!

لذلك فإن من المؤسف أن حالة الوهن التي أصابت المسلمين كانت محل أستهجان الصحف الصهيونية!، فـ "صحيفة هآرتس" عبرت عن حيرتها من موقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي أدان ذلك الهجوم الذي نفذه ثلاثة من الفلسطينيين ضد جيش الاحتلال الصهيوني، الذي إعتاد على تدنيس ساحات المسجد الأقصى، وأكدت الصحيفة على أن عباس لم يكن مطالباً بإدانة ذلك الهجوم، لأن العملية كانت من تنفيذ مواطنين عرب يحملون الجنسية الإسرائيلية، كما أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية لا توجد لها أي مسؤولية عن المكان الذي خرج منه منفذي الهجوم ولا المكان الذي شهد على الهجوم المسلح، لذلك اعتبرت الصحيفة أن إدانة الرئيس الفلسطيني كانت في العنوان الخطأ.

عملياً لا مجال لدحض حديث الصحيفة الصهيونية، لأن مدينة القدس باتت عبءً للأسف على المسلمين، وهذا ما أكدته تصريحات وزير خارجية عربي مؤكداً على أن "الصلاة في المسجد الأقصى حق للمسلمين لا يُمس و لا يُمنع، أما مسألة قتل شرطة الاحتلال فتحكمها المعاهدات و بالأخص اتفاقية جنيف الرابعة" على حد زعمه، لكن ذلك الوزير والكثيرون من قرناءه من الوزراء العرب آثروا الصمت طول مسلسل اعتداءات المستوطنين على القدس وأهلها من العرب والمسلمين، ولم نسمع إلا بعض التصريحات القليلة التي تعبر عن "قلقهم" من عبث قوات الاحتلال بسجلات يُفترض أنها تحفظ تاريخ المسجد الأقصى منذ 800 عاماً.

يُعاني الإعلام المحلي والعربي من تقصير في نقل وتوضيح ما يجري من اعتداءات صهيونية يومية على المسجد الأقصى ومدينة القدس، لأن تصريحات الكثيرين من قيادات العالم العربي باتت تعبر عن حاله من غياب الوعي لدى الكثيرين، فخلال شهر يونيو الماضي سجل مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في تقريره، استشهاد أربعة مواطنين فلسطينيين من أصل 9 في مدينة القدس وحدها، ولم يسلم "باب العمود" من بطش الاحتلال، حيث اقتلعت جرافات الاحتلال كل ما يحيط به من أشجار، وأوعز رئيس حكومة الاحتلال إلى جيشه بتحويل ساحة باب العامود إلى "منطقة مُعقمة" على حد وصفه، أي أن يجري فيها تفتيش دقيق لكل من يدخل عبر باب العامود ومن ثم تحويله إلى "قلعة مُحصنة" في محاولة صهيونية لطمس هوية القدس التاريخية والحضارية.

لم يتوقف الاجرام الصهيوني عند ذلك الحد، فالقدس أحد أهم دوائر الاستهداف اليومي لمستوطنين جاءوا من كل بقاع العالم ليغيروا ويطمسوا هوية المدينة الاسلامية، فالأسابيع القليلة الماضية كانت قد شهدت تغيير أسم أحد أهم شوارع المدينة المقدسة، فـ شارع السلطان سليمان أضحى يُسمى "شارع البطلات"، تخليداً لمجندات صهيونيات قُتلن بعمليات فلسطينية، كما أقدمت سلطات الاحتلال على تركيب آلاف الكاميرات في شوارع القدس وأزقتها لإحكام سيطرتها داخل أحياء شرق المدينة، وتعزيز الأمن الشخصي للمستوطنين في البلدة القديمة، فضلاً عن ما كشفته حكومة الاحتلال من مشاريع إسكانية استيطانية جديدة في القدس خلال شهر يونيو الماضي، حيث أكدت تقارير حكومية صهيونية على بدء شركة  "يورو إسرائيل" بناء خمسمائة وحدة  استيطانية جديدة في القدس.

بات تعزيز الأمن الشخصي للمستوطنين في مدينة القدس واحداً من أهم أولويات حكومة نتنياهو التي توفر كل وسائل الأمن لهجماتهم المستمرة على الأماكن المقدسة والمسجد الأقصى،  وقد شهد شهر مايو الماضي أكبر حملات إقتحام وتدنيس لساحات ومرافق المسجد الأقصى، إذ تعرض المسجد لاقتحامات مختلفة كان أبرزها في 24 مايو 2017، الذكرى الخمسين لاحتلال الكيان الصهيوني  لمدينة القدس، وقد شهدت تلك الذكرى إقتحام مئات المستوطنين  للأماكن المقدسة، وذلك بتأمين من شرطة الاحتلال التي اعتدت على حراس المسجد، واعتقلت الكثيرين منهم، ومنعت المرابطين من دخول المسجد الأقصى خلال شهر رمضان المبارك.

لم يعد تغيير هوية المدينة المقدسة خافياً على أحد، ولم تجد حكومة الاحتلال أي غضاضة في اجتماع غير مسبوق داخل أحد القاعات التهويدية القريبة من محيط حائط البراق، وقد أقرت حكومة الاحتلال خلال تلك الجلسة التي وُفت بالتاريخية، العديد من المشاريع التي تساهم في تعزيز الوجود الاستيطاني على حساب سكان المدينة المسلمين ومقدساتهم، فقد علقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" المعنية بحقوق الإنسان على مخاطر التهويد الديمغرافي في تقريرها الصادر في مايو 2017، حيث تناول تقرير المنظمة، هدم منازل الفلسطينيين في القدس المحتلة، وأضحى90 ألف فلسطيني في شرقي القدس المحتلة يسكنون في منازل من دون تصريح، وباتوا معرضين للتهجير القصري من المدينة.

تلك السياسات والممارسات الصهيونية الاستيطانية التي تعمل على تهويد المدينة ومقدساتها، لم تجد إلا بعض التصريحات والمواقف السياسية اليائسة التي لا ترتقي إلى مستوى المواجهة، لذلك كان من الطبيعي أن يستغل الاحتلال الصهيوني ذلك الوضع المثالي لفرض واقع جديد داخل المدينة المقدسة، حيث نجح الكيان في توظيف عملية القدس الأخيرة لصالح مخططاته، وذلك  من خلال المزيد من الاجراءات التهويدية، بدءً من البوابات الالكترونية وليس انتهاءً عند مصادقة اللجنة الوزارية للتشريعات التي سنت قبل قليل مشروع قانون أساس "القدس الموحدة" الذي يمنع التنازل عن القدس الشرقية.

 لكن ذلك لا يعني أن المقاومة الفلسطينية هي السبب كما يدعي البعض، لأن الكيان ماض في توظيف كل شيء لخدمة مشاريعه، فالعمل الاجرامي الذي قام به المستوطن "باروخ غولدشتاين" داخل الحرم الابراهيمي عام 1994، مكن الاحتلال من تقسيم الحرم الابراهيمي مكانياً وزمانياً.

رغم توفير الكيان لكل أسباب الانفجار إلا أن الترهل العربي والإسلامي يبقى سيد الموقف، غير أن تلك النجاحات الصهيونية ليس نهاية المطاف، لأن النقاط المضيئة في جدار العتمة دائماً ما يفشل الاحتلال في إطفاؤها، فمنفذي العملية الأخيرة في القدس جاءوا من بيئات ومناطق لم يعتاد عليها الاحتلال، كما شهدت المدينة المقدسة خلال انتفاضة السكاكين، دخول جنسيات عربية من غير الفلسطينيين إلى ساحات الاشتباك، وهو أمر يُمكن أن يُبنى عليه في المستقل القريب، لأن بقاء المواجهة وتعزيز صمود المقدسيين من شأنه أن يعرقل مخططات الاحتلال ويُبقي الصراع مفتوح لحين حدوث أي تغير إيجابي في التوازنات.